RSS

Author Archives: Mustafa

من اغتال رفيق الحريري؟

(1) من اغتال رفيق الحريري؟ – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من لبنان

لم أكن بصدد أن أكتب شيئاً عن رفيق الحريري.. ولكن حادث مقتله.. وعرض جانب من سيرته على شاشات التلفزيون.. ومعرفتي بعدد من الطلبة الذين قيل أن عددهم 33 ألفاً، درّسهم الحريري على حسابه في الجامعات المختلفة في أوروبا وأمريكا.. وصور العائلات والنساء والرجال والأرامل الذين كان ينفق عليهم الحريري.. بدّل الصورة التي كنت كونتها عن الرجل.. وبذلك رأيت أن أكتب بضع كلمات عن هذا الرجل الكبير.

الرئيس الشهيد رفيق الحريري

الكلمة الأولى: إن رفيق الحريري وهو (حتى الآن) الأخير في مسلسل الاغتيالات.. الذي سقط فيه عددٌ من قيادات لبنان، ومنهم:

كمال جنبلاط السياسي الأخلاقي الوطني، رشيد كرامي الوطني الأخلاقي، أديب الصالح السياسي المؤمن الذي برز دوره عندما غاب غيره، بشير الجميل رئيس جمهورية لبنان، الرئيس رينيه معوض الذي اختير رئيسا للجمهورية بعد مؤتمر الطائف الذي عقد في السعودية، بشير الجميل، الشيخ حسن خالد مفتي لبنان، وسليم الحص الذي كان ينبغي أن يقتل مع حسن خالد والذي لعب القدر في إبعاده عن مسلسل القتل، معروف سعد الزعيم الشعبي البارز في صيدا، وريمون اده الذي هرب إلى فرنسا ومات فيها حتى لا يغتال.. والمرابطون الذين تمت تصفيتهم دون الميليشيات كلها.

قالوا: كان القتل في إطار الإسلام السني.. عبّر عن ذلك مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني عندما قال: المستهدف من اغتيال الحريري هم سنة لبنان.

وأقول: بل كان لكل القيادات الوطنية التي ترفض الاحتلال والتبعية وحكم المخابرات.

الكلمة الثانية: أن رفيق الحريري كان عرّاب اتفاق الطائف ومهندسه.. وقد أثار هذا الاتفاق حنق جميع الأطراف اللبنانية والخارجية التي تريد الهيمنة وحدها على لبنان.. عن طريق تمزيق الصفوف، وتطبيق سياسة فرّق تسد.. ولهذا فقد كان الحريري هو الهدف الذي ينتظرون تصفيته.. عندما يصبح اتفاق الطائف هو الذي يفرض المواقف!

الكلمة الثالثة:  أما من قتل الحريري.. كثيرون قالوا وسموا هذا الطرف أو ذاك، وبعضهم قال: فتش عن المستفيد، وبعضهم كالعادة ألقاها في وجه القوى الخارجية إسرائيل وفرنسا والأمريكان.. وأنا أقول:

    * الذي قتل الحريري هو الذي اغتال من سبقوه، والذين سجلت قضاياهم ضد مجهول. بينما أصابع الناس تشير إلى هذا المجهول!

    * بل هو ممن اعتاد تصفية الناس بغير حساب.. فالقتل هو في الأساس موقف نفسي تكتسبه الديكتاتوريات عندما تستهين بالإنسان من مواطنيها أو غيرهم.

الكلمة الرابعة: حول المبادرة التي أطلقتها الجماعة الإسلامية في لبنان والتي طالبت:

1-   أن تبادر الدولة إلى إقالة المسؤولين الأمنيين.. الذين يتحملون المسؤولية عن هذه الجريمة.

2- لا يمكن البحث في أية مبادرة لإزالة الاحتقان، قبل الكشف عن مرتكبي هذه الجريمة، ومعاقبتهم، وأن تصدي القضاء اللبناني وحده للتحقيق في هذه الجريمة لا يريح أهالي الشهداء والمصابين وجمهور الناس.

3-   استقالة رئيس الجمهورية.. وهي مبادرة قيمة.. حبذا أن تؤخذ بالجدية اللازمة من قبل كل الأطراف.

الكلمة الخامسة.. هي مجرد تساؤلات!

فما علاقة الوجود السوري في لبنان.. وتدخله في كل صغيرة وكبيرة من أمور شعبه.. مثل نقل حارس.. أو تعيين جندي.. أو اختيار رئيس بلدية.. أو إرسال بعض القبضايات لتأديب فلان.. أو منع مواطن لبناني من دخول بلده لأكثر من ثلث قرن.. أو خطف بعض اللبنانيين إلى عنجر أولاً ثم إلى دمشق.. ما علاقة كل ذلك بنظريات التحرير ومقاومة الأعداء..؟

ثم أليست الجولان منطقة نموذجية للتحرك ضد إسرائيل.. فلماذا صمتت هذه الجبهة منذ عام 1967م؟ وبقيت جبهة جنوب لبنان وحدها المشتعلة؟!

وإذا كانت السلطات جادة في معرفة من قتل الحريري.. فلماذا لا تكشف من قتل الذين سبقوه؟!

2005/3/9م

Share
 
Leave a comment

Posted by on August 9, 2013 in خواطر حول العالم

 

الانتخابات في اليمن

(4) الانتخابات في اليمن – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من اليمن

 

جرت في الأيام الأخيرة انتخابات برلمانية في اليمن.. وما زالت بعض ذيولها مستمرة.

ولا يُعرف هل ستستمر هذه الذيول، أم أنها أجواء الانتخابات التي تصعّد المواقف.. وتعلي من نبرة التحدي.. ويضفي الحماس فيها على المواقف مزيداً  من التوتر؟

وعهد الناس بهذه البلاد.. أن الإيمان يمان.. والحكمة يمانية.. فما الذي غيّر الأمر؟

طبيعة الديمقراطية في بلادنا

لقد وفدت إلينا الديمقراطية.. التي أوجدها الفكر الإغريقي.. ثم التقطها الغرب الرأسمالي.. باعتباره امتداداً للفكر الروماني والإغريقي.. وبدأ بتطبيقها.. ثم بالمناداة بها باعتبارها الفكر المخلص من الديكتاتورية.. والفساد.. والاضطهاد.. وعرّفها الغرب عندما قدمها للآخرين بأنها تقوم على: رعاية حقوق الإنسان، والحريات، والتعددية السياسية، والانتخابات البرلمانية، والأحزاب وتعددها، والمعارضة بأطيافها، وإعطاء المرأة حقها السياسي، واحترام الأقليات الدينية والعرقية ووضعها على قدم المساواة مع الآخرين، وتداول السلطة، والتعايش السلمي بين الدول والجماعات والأحزاب.

وقد أصبحت الديمقراطية في العالم الإسلامي قضية كبيرة.. فالبعض لا يقبلها باعتبارها حكم الشعب للشعب والمسلمون لا يرون ذلك فالنصوص القرآنية والحديث النبوي الشريف هو المحكم في قضايا المسلمين.. باستثناء المصالح التي لم يرد فيها نص فالكلمة فيها للاجتهاد المنضبط بالنصوص.

وبعض المسلمين نظروا للقضية باعتبارها مدخلاً للخلاص من الظلم والاستبداد والتبعية، وأداة لتخطي العسكرتاريا الحاكمة!!

عندما سئل الأستاذ نجم الدين أربكان.. لماذا غيرتم نظرتكم في قضية انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي.. قال: وجدنا الاتحاد الأوروبي أرحم بنا من حكومات العسكر..!

وبدأت الأنظمة في بلادنا امتثالاً للغرب.. بتطبيق الديمقراطية.. وأوجد كل نظام تعريفه الخاص للديمقراطية.

فبعض الأنظمة سمحت للأحزاب التي لا تمثل أحداً.. ومنعت الاعتراف بالأحزاب التي تمثل الشعب.. وأقام الحاكم حزباً له، يحصل على معظم أصوات البرلمان.. يحكم به ويتمتع بخيرات الأمة ولا يجد من يحاسبه.

وبعض الأنظمة اعتبرت حزبها الحاكم.. هو الحزب القائد.. وكل من ينتسب لأحزاب أخرى.. يقدم إلى المحكمة.. حكمه السجن في بعض الأقطار.. والإعدام في أقطار أخرى مثل النظام المستبد الذي سقط أخيراً في العراق.

وبعض الأنظمة.. لا انتخاب ولا من يحزنون.

كنت أتحاور مع بعض المسؤولين في السودان وقلت لهم: لماذا ينجح كثيرٌ من النواب بالتزكية؟ لماذا لا تكون معركة حقيقية.. ينجح فيها من يريده الشعب؟!

وأريد أن أقول: أن الديمقراطية في اليمن.. هي من أفضل الديمقراطيات في المنطقة العربية المبتلاة بالديكتاتورية والفساد.. ففيها أحزاب حقيقية.. وفيها معارضة حقيقية..

لقد زرت اليمن قبل فترة.. وتجولت في العديد من المدن.. وتحدثت مع شرائح متعددة حديثاً واضحاً وصريحاً.. ولم يسألني أحد.

ولقد سرّني ما قرأته للأستاذ الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح محمد اليدومي.. عندما دعا إخوانه إلى قبول نتائج الاقتراع لاختيار البرلمان الجديد.. وأكد أن حزبه الذي خاض منافسة شرسة مع الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام) سيتعاون معه على رغم رفضه أن يكون شماعة للحزب الحاكم وسياسته.

رصيد الخبرة

ثم هناك عامل آخر.. يدعو الإسلاميين في اليمن إلى استمرار علاقتهم بالحزب الحاكم.. قد تتوتر هذه العلاقات أحياناً فيدخل المصلحون لإصلاحها.. فرصيد الخبرة والتجربة                                                        –

يتطلبان ذلك..

فهما معاً (التجمع والرئيس) من تصدى للجبهة الوطنية الديمقراطية المدعومة بالسلاح من الحكم الشيوعي في عدن.. والتي كادت أن تحقق انتصاراً على الحكم في صنعاء عام 1980.. فنزلت الحركة الإسلامية بكل فصائلها إلى الميدان.. وبتفاهم كامل مع الرئيس علي عبد الله صالح.. وخاضت مع الماركسيين معارك عنيفة أكبرها معركة جبال هكمان الشهيرة في محافظة تعز.. وقلبت هذه المعارك موازين القوة.. فاضطر على ناصر محمد إلى زيارة صنعاء مطالباً بوقف إطلاق النار.

وفي مرحلة تالية (1981 – 1983) حقق الإسلاميون والرئيس معاً الإجراءات المتعلقة بإنجاح المؤتمر الشعبي العام وإقرار الميثاق الوطني.

وفي نوفمبر 1989 وقّع الجنوبيون بعد تصاعد المدّ الإسلامي، وسقوط الاتحاد السوفياتي، اتفاقية الوحدة مع الشمال.. وفي مايو 1990 قامت الوحدة في اليمن بين الشطر الشمالي والجنوبي.

وفي 4 مايو 1994 قامت الحرب التي افتعلها الاشتراكيون في الجنوب، وفي 21 مايو 1994 أعلن علي سالم البيض انفصال المحافظات الشرقية والجنوبية.

علي سالم البيض

كانت الظروف الإقليمية والدولية تدعم حكومة عدن.. وكانت معسكرات الاشتراكيين تملك ترسانة هائلة من الأسلحة الروسية المتطورة.

وفي وقت تعددت فيه الخيارات أمام السلطة في صنعاء! هل يجمعون ما خف وزنه وغلى ثمنه.. ويركبون الطائرات إلى أقرب دولة تحميهم..؟!

ومرة أخرى نزل الإسلاميون إلى الميدان.. ولا توجد أدنى مبالغة عندما نقول أن الإسلاميين هم الذين حسموا المعركة لصالح الوحدة.

وتساءلوا : ماذا يريد الرئيس؟

يريد أن يكون رئيساً للجمهورية بدلاً من المجلس الرئاسي الذي هو فيه عضو من ثلاثة.. أحدهم من التجمع اليمني للإصلاح..؟ ووافق التجمع.. وأصبح علي عبد الله صالح رئيساً للجمهورية.

يريد أن يترشح للرئاسة مرة ثانية وثالثة؟

ورشح التجمع الرئيس علي عبد الله صالح للانتخابات الرئاسية.

لقد حسبها التجمع اليمني للإصلاح بطريقة صحيحة.. فرصيد الخبرة، والتجربة، والطريق المشترك، والمواقف الصعبة، التي سلكاها معاً مع الرئيس.. تتطلب مثل هذه المواقف..

ولكن هل هذا الموقف لصالح التجمع اليمني للإصلاح؟

نعم بكل تأكيد.. والدليل على ذلك هو أنه بالرغم من كل إجراءات السلطة.. واعتداءات الحزب الحاكم.. فقد حصل التجمع اليمني للإصلاح على أصوات المدن الكبرى.. التي تضم المثقفين والطلاب والسياسيين.. وهؤلاء أثقل في الميزان من الأعداد المضاعفة التي حصل عليها الحزب الحاكم في القرى ومواقع القبائل.. ومن تعرفه خيرٌ من الذي تجهله!.

صنعاء – 2003م

Share
 
Leave a comment

Posted by on August 4, 2013 in خواطر حول العالم

 

حقيقة الأزمة وقضية الوحدة اليمنية

(3) حقيقة الأزمة وقضية الوحدة اليمنية – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من اليمن

شعب يمني واحد

في أقسى الظروف التي عاشها اليمن.. كان اليمنيون يشعرون أنهم شعب واحد.. وإذا كانت الظروف قد أملت على بلادهم أن تقسم بين شمال يحكمه الأئمة، وجنوب يخضع للاستعمار البريطاني، إلا أن الشعب كان يعيش الوحدة في وجدانه وكل مشاعره.

عندما قامت حركة الأحرار اليمنية في الشمال في أربعينات هذا القرن ضد حكم الأئمة الذي أشاع الظلم والفقر والجهل والمرض.. لم يجد بعض قادة الحركة مثل الزبيري والنعمان – بعد فشل حركتهم – إلا مدينة عدن.. ليجدوا قلوب وبيوت إخوانهم في الجنوب مفتوحة لهم.. الأمر الذي مكنهم من قيادة حركتهم من الجنوب

الزبيري والنعمان

وعندما نجحت ثورة سبتمبر 1962‏م ضد الإمامة.. جعلت من أهدافها ‏الستة التي أعلنتها: تحرير جنوب البلاد من الاستعمار البريطاني.

فمن أين جاءت قصة يمنين وشعبين..؟

القصة بدأت مع تسلم الحزب الاشتراكي (الابن الشرعي للجبهة ‏القومية) السلطة في الجنوب.. وهذا الحزب شأنه شأن جميع ‏الأحزاب القومية في الوطن العربي كان يصم الآذان بشعارات الوحدة.. فلما تسلم السلطة جاء من يذكره.. بأنه آن الأوان لتطبيق شعارات الحزب وإعلان الوحدة.. ولكن الفريق الماركسي في الحزب.. ذكّر الرفاق وقال: وكيف ننضم إلى شمال متخلف رجعي..؟!

وبدأت الحكاية التي تكررت في كل بلاد العرب.. ثورة ثقافية تجعل الجميع يؤمن بالاشتراكية والماركسية، ومن ثم يصير اللقاء وتكون الوحدة تلقائية. كان التيار لصالح الماركسيين.. فعندما تسلم إبراهيم الحمدي الحكم في الشمال بانقلاب عسكري عام 1974‏م.. قرر زيارة عدن والإعلان من هناك عن ثورة ثقافية.. وعندما قتل عام 1977م وحكم من بعده المقدم أحمد الغشمي قتله الاشتراكيون.. ثم جاء من بعده على عبد الله صالح عام 1978‏م.

في هذه الفترة عام 1978‏م تكونت الجبهة الوطنية في الشمال.. تحمل أفكار الحزب الاشتراكي الحاكم في الجنوب.. والتي قامت بعمليات تخريب في بعض المحافظات الشمالية.. كانت أعنفها حرب عام 1979م التي استمرت لأكثر من عام.. والتي كادت أن تحقق انتصارا على الحكم في الشمال عام 1980م. واشترطت من أجل وقف القتال اشتراكها في الحكم بشرط إعطائها الوزارات السيادية مثل الخارجية والداخلية والإعلام والتربية والجيش.

ولقد استطاع الكفاح الشعبي الإسلامي الذي أدرك خطورة سيطرة الماركسيين على كامل اليمن، أن يخوض معارك عنيفة مع مرتزقة الجبهة الوطنية المدعومة من جيش الجنوب.. كان أعظمها المعركة التي خاضها المجاهدون في جبال هكمان الشهيرة في محافظة ‏تعز والتي كان من نتائجها أن قام علي ناصر محمد الأمين العام للحزب الاشتراكي بزيارة لصنعاء يطالب بوضع حد للقتال وفتح صفحة جديدة بين البلدين.. لقد أخافهم الزحف الإسلامي.. !!

ومع هذه الصفحة الجديدة التي أرساها علي عبد الله صالح مع علي ناصر محمد.. بدأت مرحلة المؤتمر الشعبي الذي تأسس عام 1982‏م برئاسة علي عبد الله صالح.

علي عبدالله صالح

نتائج متوقعة بين الحرب والسلام

لم تنته المعارك بعد.. وحتى كتابة هذا التحليل فإن القوات الشمالية مازالت تحاصر عدن.. مع وجود ضغوط سياسية تحول دون اقتحامها.. ومع ذلك فإننا نستطيع أن نسجل بعض النتائج المتوقعة بين الحرب والسلام:

1- مهما تكن النتائج وسواء بقيت الوحدة الصورية أم حل مكانها الانفصال أو التشرذم .. فإن الجنون الذي حدث كرس الانفصال الأبدي ودق اسفين الفرقة والأحقاد والرغبات الجامحة بالثأر والانتقام. خاصة وأن عدد القتلى تجاوز حسب التقديرات الـ 20 ألف قتيل.

2- ومهما تكن نتائج المعارك.. فإن هذه الحرب التي يدعو فيها خطباء المساجد في صنعاء إلى الجهاد ضد الماركسيين المارقين، وبالمقابل يحاول الجنوبيون جاهدين استمالة العشائر والقبائل والأحزاب التي سبق وحاربوها.. هذه الحرب لن تتوقف عندما تصمت المدافع والصواريخ .. بل ستتحول إلى حرب استنزاف قبلية لن تهدد وحدة اليمن فقط.. بل ستعمل على تمزيقه إلى شعوب وقبائل تحكّم شرائع الغزو والثأر بدلا من قانون الدولة..

هذه الحروب االقبلية هي الأكثر دواما، فلا أحد يتنازل عنها، لأن شرف القبيلة يعلو على حياة كل أفرادها.

‏ولقد سمعنا وقرأنا لسلطان حضرموت.. أن بلاده لم تكن في يوم ‏جزءا من اليمن .. شماله أو جنوبه !

3- مما لا شك فيه أن التخويف بالأصولية لعب دورا في تفجير الأوضاع في اليمن.. فقد قدّم قادة الحزب الاشتراكي أنفسهم كمن يحارب ليمنع إقامة دولة إسلامية أصولية ستكون مصدر تهديد للدول المجاورة لليمن حسبما قال الأمين العام المساعد للحزب السيد سالم صالح محمد. ومن الواضح أن الاشتراكيين يطمعون من وراء هذه التصريحات استثارة القوى الإقليمية والدولية للمبادرة إلى تقديم العون لهم.

أما الأحزاب الأصولية في اليمن فهي:

حزب الحق: وهو حزب إسلامي ذو ميول شيعية زيدية . شكل قبل فترة مع الحزب الاشتراكي نواة معارضة ضد علي عبد الله صالح. وعندما ‏أعلن الاشتراكي الانفصال عاد الحزب إلى قواعده الشمالية.

التجمع اليمني للإصلاح ذو الصلة الوثيقة بالإخوان المسلمين، فهو مرتبط بالحركة الإسلامية العالمية، وله علاقات وثيقة مع دول إسلامية عدة. يتولى الشيخ عبد المجيد الزنداني وهو أحد قادته ‏عضوية مجلس الرئاسة اليمني. كما ويشارك التجمع بعدد من الوزراء. كما أن الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر زعيم التجمع يترأس مجلس النواب.. كما أن عددا من الإسلاميين يشغلون مواقع جيدة في عدد من الأجهزة الأمنية.

رابطة أبناء اليمن وزعيمها عبد الرحمن الجفري الذي تحالف حديثا مع الحزب الاشتراكي، وله تاريخه الإسلامي العريق، يتضح ذلك من كتاباته وخطبه وفلسفة حزبه.. كما أن لعمه المرحوم السيد عبد الله علوي الجفري اتصالات قديمة مع الإسلاميين .. وكانت الجبهة القومية آنذاك والاشتراكيون لاحقا اضطهدوه وصادروا ممتلكاته بحجة أنه من الإسلاميين.. ويظهر أن تحالفه الجديد مع الاشتراكيين عبارة عن لقاء ‏مصلحة موجه أصلا ضد علي عبد الله صالح.

وفي الجنوب توجد الحركة الإسلامية الحديثة وجلها من الشباب.. موجودة في معظم محافظات الجنوب.. وهذه الحركة تنتمي إلى الإخوان المسلمين.. قسم منها ارتبط تنظيميا بالتجمع اليمني للإصلاح وقسم آخر مازال مستقلا.

أما حركة الإخوان المسلمين العالمية فقد أصدرت بيانا معتدلا دعت فيه الأطراف المتحاربة إلى وقف نزيف الدم.. ولكنها أكدت في الوقت نفسه ضرورة المحافظة على الوحدة.

4- ينظر الكثيرون إلى حرب اليمن باعتبارها ملحقا لحرب الخليج.. فدور صدام في الوحدة اليمنية عام 1990‏م.. ودور اليمن وموقفها من غزو الكويت.. والخلافات مع المملكة العربية السعودية على الحدود.. كل ذلك جعل الخليج يقف تلقائيا مع حكومة عدن.. التي أبدت كل الاستعداد (فيما يبدو لحسن الجوار مع منطقة الخليج).

5- الجميع يتساءل عن موقف الأمريكان.. هل لهم مصلحة في استمرار القتال.. أم في إيقافه.. تصريح وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر الذي وجه رسائل إلى وزراء خارجية دول مجلس التعاون ‏الخليجي يحذرهم من مغبة استمرار هذه الحرب وضرورة إنهاء قتل اليمنيين على يد اليمنيين وإلى ضرورة التوصل إلى وقف فوري للنار يتبعه تطبيق وثيقة العهد والاتفاق التي وقعها اليمنيون في عمان. كما أعرب عن استياء حكومته من جراء شحنات الأسلحة الكبيرة التي تتدفق على اليمن.. فهل هذه التصريحات توضح موقف أمريكا.. أم أنه موقف قابل للتغيير..؟

6- إن دخول مجلس الأمن على الخط، هو أهم تطور سياسي في الموضوع، وهو يعطي فكرة عن مدى الاهتمام الدولي بما يجري في اليمن.. فللقوى الإقليمية القادرة على الضغط.. وللقوى العالمية مصالحها في ‏المنطقة.. ومن هنا يفهم تركيز الشمال على السيطرة على شبوه ‏التي تشكل حقولها النفطية امتدادا لحقول محافظة مأرب ‏الشمالية، وعلى تحقيق اختراق في حضرموت للسيطرة على حقولها ‏النفطية الغنية. ومثل هذا التحرك الدولي هو أقرب لمصلحة ‏الجنوبين الذين هيأتهم الظروف للعب هذا الدور.. والذين هم ‏بطبيعتهم مستعدون له. وتوجه مجلس الأمن هو العودة إلى طاولة ‏الحوار بعد ما أظهر كل طرف ما الذي يستطيع عمله. فلا الوحدة ‏ممكنة بالتصعيد العسكري ولا الانفصال ممكن بالتصعيد السياسي ‏الذي بلغ ذروته بإعلان جمهورية اليمن الديمقراطية.

7- إن استمرار القتال.. وتفوق اليمن الشمالي عسكريا.. سيضعها في صفوف الدولة التي تهدد المنطقة وسيؤثر ذلك على اليمن مستقبلا وربما ساعد في عزلتها.

الوحدة بين الحقيقة والوهم

تتعلق شعوبنا العربية في أغلب مواقعها بالوحدة .. بل وتعتبرها مقدسة ينبغي قيامها.. وإذا قامت فلا بد من الحفاظ عليها بكل الوسائل.. وهذه النظرة سببها التجزئة التي فرضها الاستعمار الأوروبي على أمتنا فأصبحت بموجبها الأمة الواحدة التي يجمعها الدين والتراث والتاريخ والأرض واللغة والآمال والمصير.. مزعا متفرقة لكل منها علم ونشيد.. وإذاعة وتلفزيون.. وسيادة وحدود.. وأخيرا عضوية في المحافل الدولية ‏وفي ظل هذه الكيانات بقيت الأمة تحن إلى وحدتها التي هي – في نظرها- عنوان عزتها وسؤددها.

ولقد قامت في عصرنا الحديث عدة محاولات للوحدة أولها الوحدة الفلسطينية- الأردنية والوحدة المصرية- السورية.. والاتحاد الهاشمي.. ووحدات صورية بين ليبيا وكل من مصر وتونس والسودان والمغرب.. وأخيرا الوحدة اليمنية بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي.

هذه المحاولات فشلت جميعا.. ولم يقتصر فشلها على المعنى السياسي للوحدة.. بل كانت نتائجها وبالا على معنى الوحدة والأخوة .. وتقارب الشعوب.. والمصير الواحد.. إلى آخر هذه المعاني التي هي بالأساس المحرك الحقيقي لوحدة الأمة.. ولا بد لنا من أن نسلم بأن الكيانات العربية والإسلامية بحدودها الحالية.. وبالثقافات التي تغذي هذه الكيانات.. وبالسلطة المتحكمة التي فرضت نفسها على شعوبها، وليس بمقدورها الاستمرار بحكمهم إلا من خلال: إبراز التناقضات، وإحداث انقسام مجتمعي هائل، وإغلاق كل أبواب الحوار والتفاهم بين طبقات الشعب. فاستغلت الأقليات وأبرزت الطوائف، وأحيت اللغات الميتة.. وحوّلها الجميع إلى قبائل تتصارع.. كل ذلك قد أثرت عميقا في نفسية الشعوب وجعلها تتمسك بهذه الكيانات.. وإذا كانت الوحدة مازالت حلما ورديا عاطفيا يداعب أحلام الجماهير..فإن الكيانات الإقليمية وشيوع القبلية وتحكم الأهواء الشخصية والخلافات الذاتية هي أقرب للحقيقة (مع الأسف الشديد) من الأحلام.

ولكن لماذا؟ ما هو سبب هذا الانقلاب..؟ كيف أصبحت الكيانات المفتعلة هدفا يسعى إليه الكثيرون..؟

السبب في تقديرنا هو أن الحكام هم الذين يصنعون الوحدة.. يرتبونها حسب مصالحهم.. ويفصّلونها عل مقاسمهم.. يتقاسمون مناصبها ويستأثرون باقتسام خيراتها.. حتى إذا اختلت حساباتهم لأي سبب من الأسباب.. نقضوا ما اتفقوا عليه وانتهت الوحدة.

ومن الخطأ البالغ أن نعتبر مثل هذه المواقف.. وحدة تحميها الشعوب بصدورها وتدافع عنها.. فهي لم تكن فيها في البداية ولا يهمها كثيرا أن تكون فيها في النهاية.

كان الشعبان السوري والمصري من أقرب الشعوب العربية لبعضهما وما زال يذكر جيلنا كيف وقف الطلبة الصغار في سوريا يتطوعون في الجيش الشعبي للذهاب إلى مصر لحمايتها أثناء العدوان الثلاثي عام 1956‏م.

فلما قامت الوحدة بين الدولتين.. وحُكم الشعب السوري المعروف بعنفوانه بالأسلوب القمعي المخابراتي الذي كان سائدا في مصر.. يومها حدث الانفصال وقامت مهاترات لا حد لها بين البلدين.. ‏ومازالت الوحدة وذكراها غصة في قلوب السوريين.. هذه الوحدة ‏التي أريد لها أن تكون نواة للوحدة العربية الكبرى. وإذا بها مزيدا ‏من الأغلال في أعناق الشعوب.

وإذا كان حديثنا عن اليمن اليوم.. فالشعب في البلدين واحد.

ولكن الوحدة قامت بين نظامين ورئيسين وحزبين تقاسما بينهما المصالح .. فلما افترقت هذه المصالح لظروف داخلية أو خارجية.. عملا على الانفصال.

إن الوحدة الحقيقية.. هي الوحدة التي تفرضها الشعوب.. في أجواء الحريات.. واحترام حقوق الإنسان.. ولا معنى لوحدة على حساب الشعوب وحريتها وحقوقها..

وفي الوقت الذي يتجه فيه العالم – في إطار حركة منظمة- بتحويل الكيانات الصغيرة إلى دائرة الكيانات الأكبر، طمعا في التنسيق، بل الاتحاد.. نرى عالمنا المجنون يلهث بقوة غاشمة وبسرعة جاهلة منفلتة نحو الانفصال والتمزيق والتفتيت. وفي حمى الاندفاع المجنون لا نظن أحدا سيسلم.

وماذا عن المستقبل؟

هل سينفلت الأمر من عقاله في وسط شعب مسلح نسبة عالية من شبابه عاطل عن العمل، فينطلق يصفي حساباته في داخل بلده وخارجها..؟

وهل ستكون فرصة – في ظل هذا الانفلات – لتغيير خارطة المنطقة.. وهل ستبقى اليمن شمالا وجنوبا فقط.. فإن بعض المصادر تؤكد أن ثمة خططا لتقسيم اليمن إلى أربعة كيانات على الأقل..؟

وفي حالة الانفصال.. فهل ستقبل المعارضة (التي شاركت في الحكم مؤقتا) حكم الاشتراكيين.. أم أن بقاء الاشتراكيين مرحلي كذلك..؟

وهل سيدرك مجلس التعاون الخليجي خطورة الموقف.. وأن دائرة القتال والاستنزاف قد تتسع.. فيعالجوا الأمر بطرق مختلفة..؟

كلها أسئلة توضع أمام السياسيين لعلهم يدركون خطوات المستقبل.

1994/6/21م

Share
 
Leave a comment

Posted by on August 3, 2013 in خواطر حول العالم

 

عدن والرمال المتحركة

(2) عدن والرمال المتحركة – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من اليمن


مقدمة

بعد مرور أكثر من شهر على أحداث (13) يناير 1986م التي وقعت في عدن.. وعلى الرغم من إعلان فريق العطاس أنه يسيطر على الموقف، ومن الصمت المطبق الذي يلف تحركات الرئيس علي ناصر محمد الذي مازال البعض يصفه بالقيادة الشرعية.. على الرغم من ذلك فإن الوقت مازال مبكرا لأن نحكم على هذه الأحداث.

علي ناصر محمد و حيدر أبو بكر العطاس

وإذا كان العطاس قد قفز إلى السلطة في ربع الساعة الأخير كما ذكر محمد علي الهيثم رئيس وزراء اليمن الجنوبي السابق.. فإن في الوقت مزيدا من الاتساع للآخرين كي يقرروا الجهة التي ينضمون إليها.. فعوامل الداخل ومواقف الخارج.. وصراعات الأساطيل في المياه الممتدة أمام الميناء العريق.. كلها ستتدخل في تكامل الصورة التي مازالت أبعادها غير واضحة.

محمد علي هيثم

هل لهذه القسوة ما يبررها؟

جميع القوى المناهضة والصديقة كانت تتوقع الأحداث الأخيرة في اليمن.. ولكنها جميعا لم تكن تتصور أن تتم الأحداث بهذا العنف وهذه القسوة.. وسنحاول أن نلقي نظرة على الأحداث أولا، ومن ثم ندرس أسباب تحويلها إلى مجزرة يذبح فيها الرفيق رفيقه.. ويهدم الجميع الهيكل الذي تعاونوا معا على بنائه قرابة الخمس عشرة سنة.

فإذا أردنا أن نفهم الأحداث فلابد من الوقوف على النقاط التالية:

1- تشكل الجمهورية اليمنية الديمقراطية القسم الجنوبي من بلاد اليمن.. وهو القسم الذي يتحكم في مداخل البحر الأحمر، ويمتد على شاطئ المحيط الهندي، ويقع إلى الجنوب من المملكة العربية السعودية. حكمه الإنكليز منذ عام 1828م باعتباره أحد ركائز سفنهم في طريقها إلى الهند درة التاج البريطاني يومذاك.. وكان الإنكليز يعلنون بأن من حقهم أن يمتلكوا هذا الطريق.. كيف لا وهم إحدى دعامات الاستقرار العالمي! ولهذا فقد سيطروا على مصر والسودان، وملكوا شاطئ جزيرة العرب واليمن اعتبارا من الكويت وحتى عدن مرورا بالبحرين وقطر والإمارات وعمان، وبقيت منطقة اليمن الجنوبي عبارة عن قاعدة عسكرية ومعمل لتكرير النفط وأحياء لسكن الموظفين والعسكريين البريطانيين.. وباختصار كانت قاعدة لخدمة المستعمر وقوافله وجيوشه في المنطقة، وفي نفس الوقت أفلح الإنكليز في تقسيم اليمن الجنوبي إلى عشرات الإمارات والسلطنات الصغيرة وفي تعميق الشقاق بين القبائل والأقاليم على قاعدة فرق تسد.

2- وفي 26 سبتمبر 1962م قام الانقلاب العسكري في اليمن الشمالي بقيادة عبدالله السلال، وحدث التدخل المصري المسلح، وفي 14 أكتوبر 1963م ثار الشعب اليمني في جبال ردفان في الجنوب، وكان للتوجه المصري الناصري دور حاسم في تصعيد الصراع المعادي لبريطانيا.. وأحبت بريطانيا أن ترد التحية فغلّبت كفة الجبهة القومية وسلمت الحكم في 30 نوفمبر 1968م لقحطان الشعبي على حساب جبهة التحرير بزعامة عبد القوي مكاوي الذي تؤيده القاهرة.. وهكذا بدأت الصفحة الأولى للصراع فاعتقلت عناصر جبهة التحرير.

قتلوا بعضهم وفر إلى الخارج بعضهم الآخر ومازال زعيمهم عبد القوي مكاوي يتحين الفرصة للانقضاض على إخوان الأمس أعداء اليوم.

3- وبعد الاستقلال مباشرة بدأت شخصيات معينة تطرح الشعارات الاشتراكية والماركسية في إطار الجبهة القومية ومن هذه الشخصيات: عبد الله الغامدي، وعبد الفتاح إسماعيل، وعلي صالح عياد، ومحمد صالح مطيع، وسلطان أحمد عمر، وعبد الله الأشطل، وكان أبرز هؤلاء عبد الفتاح إسماعيل.

وفي المؤتمر الرابع للجبهة القومية الحاكمة الذي عقد في مدينة زنجبار (المحافظة الثالثة) ونتيجة للطرح الاشتراكي انقسمت الجبهة إلى جناحين:

    * يساري متطرف بقيادة: عبد الفتاح إسماعيل وسالم ربيع علي.

    * ويميني بقيادة قحطان الشعبي الذي أصبح رئيسا للجمهورية.

4- وكانت الصفحة الثانية للصراع، بالانقلاب الذي قاده الفريق اليساري ضد اليمينيين يوم 22 يونيو 1969م والذي أسفر عن مجازر في صفوف الرفاق دفعت إلى المقصلة رأس الرئيس قحطان الشعبي وابن عمه فيصل الشعبي وأعداداً كبيرة من أنصارهم، وأسفرت عن تشكيل مجلس رئاسة من عبد الفتاح إسماعيل، وعلي ناصر محمد، وسالم ربيع علي، واحتفظ عبد الفتاح إسماعيل بأمانة الحزب ومن أهم منجزات هذه المرحلة:

    * تغيير اسم البلاد إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كدلالة على التوجه السياسي والعقائدي الماركسي.

    * تطهير القوات المسلحة من العناصر التي لا تدين للقيادة الجديدة بالولاء.

    * تشكيل ميليشيات حزبية تحت إشراف مباشر من عبد الفتاح إسماعيل.

5- وبدأت الصفحة الثالثة للصراع منذ مطلع السبعينات وتفاقمت في الفترة (1975- 1978م) عندما انضم كل من علي ناصر محمد، وعلي عنتر، ومحمد سعيد اليافعي، مسؤول الأمن إلى جناح عبد الفتاح إسماعيل.

وكالعادة فقد اتهم جناح عبد الفتاح إسماعيل الرئيس سالم ربيع علي بأنه يريد أن ينفرد بالسلطة فقاموا ضده بانقلاب عسكري اسفر عن إعدامه مع عدد كبير من أنصاره، وقد دارت إثر ذلك معارك عنيفة بين المعارضين والموالين للشرعية (كما كانوا يطلقون على أنفسهم) نتجت عنها تصفية هؤلاء وتطهيرهم بالكامل من صفوف الجيش والسلاح الجوي والأمن العام.

وتقاسمت العناصر المنتصرة السلطة فكان من نصيب عبد الفتاح إسماعيل قيادة الحزب وعلي ناصر محمد رئاسة الدولة وعلي عنتر وزارة الدفاع.

6- وسرعان ما بدأت الصفحة الرابعة للصراع بالظهور عندما استطاع علي ناصر محمد عام 1980م إبعاد عبد الفتاح إسماعيل إلى موسكو بعد أن جرده من كافة مناصبه.. وعندما عاد بوساطة سوفياتية عام 1985م بدأ يستقطب القوى ويكتلها ضد الرئيس علي ناصر محمد.. وبذلك كانت الصفحة الخامسة لهذا الصراع المرير الدائم.

7- فكيف كانت الأحداث الأخيرة؟

تضاربت الأنباء وتنوعت البيانات التي تشرح الأحداث الأخيرة التي وقعت يوم 13 يناير 1986م في عدن.. ففي حين يدّعي الرئيس علي ناصر محمد بأن الفريق الآخر حرك قطعات الجيش واحتل المواقع الهامة في العاصمة بحجة أن إسرائيل تعد لضرب القوات الفلسطينية المتواجدة في اليمن الجنوبي.. وأعدوا كل شيء لقتل الرئيس وأنصاره يوم اجتماع المكتب السياسي للحزب الحاكم يوم 13 يناير 1986م، فيما يدعي الفريق الآخر الذي انتصر في النهاية بأن علي ناصر محمد هو الذي أعطى الأوامر لحرسه الخاص بتصفية خصومه عند حضورهم اجتماع المكتب السياسي، الأمر الذي مكّنه من قتلهم جميعا في اليوم الأول للأحداث.

ومهما يكن الأمر.. ومهما تكن الرواية الصحيحة فليس هذا ما يهمنا في هذا التحليل.. الذي يهمنا جملة أمور تستحق التأمل والتوقف عندها:

أولا- طبيعة الأنظمة القائمة على الانقلابات

إن الذي جرى في عدن على الرغم من إبراز الإعلام الغربي وبالتالي العربي لأحداثه.. وتركيزهم على الطريقة التي قتل فيها الرفاق بعضهم البعض.. وكيف دمروا بأيديهم ما بنوه في سنوات حكمهم.. على الرغم من ذلك فإننا نقول إن الذي حدث في عدن الماركسية هو الذي يحدث في جميع البلدان العربية بل الإسلامية فالحرب المستمرة في لبنان والتي قتلت شعبا بأكمله.. والحرب التي سحقت الشعب السوري في حماة وحلب وبقية المناطق.. والإرهاب في ليبيا ومصر.. والحرب المستمرة بين الجزائر والمغرب.. أو بين تشاد وليبيا.. أو بين تونس وليبيا.. أو بين ليبيا ومصر.. أو بين العراق وسوريا.. أو بين العراق وإيران.. أو بين اليمن واليمن.. أو بين عدن وعمان.. وغيرها، ما هي إلا حروب القيادات العربية التي تريد أن تحقق عن طريق الحرب زعامة دائمة ونصراً مؤزراً على الخصوم السياسيين، لا يهمهم عدد القتلى أو تدمير المدن أو تنكيس السلاح.. كل الذي يهم هو انتصار الزعيم، يتساوى في ذلك الماركسيون مع الليبراليين والثوريون مع الرجعيين.. والرؤساء الجمهوريون مع الملوك.. فما من انقلاب حدث في أي بلد من البلدان إلا وانقسم المنتصرون إلى قسمين.. صفى القسم الأول الفريق الآخر.. ثم انقسموا مرة ثانية ومرة ثالثة شعارهم الدائم: الشعار الذي رفعه الشيطان يوم قيام الثورة الفرنسية أن الثورات تأكل نفسها كما تأكل القطة أبناءها.. لا يهم الفرقاء مع من يتعاونون مع اليمين أو اليسار مع الروس أو الأمريكان مع الجيران أو البعيدين المهم أن ينتصر الزعيم ويثبت الكرسي العتيد.

إن التغيير الذي يحدثه العنف.. ينتهي بتغيير آخر عن طريق العنف كذلك ويشرب الفرقاء من نفس الكأس الحاقد المشؤوم.. ومن هنا حرص الإسلام على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.. حتى إذا حدث التغيير يكون تغيير قلوب لا تغيير قوالب وتغيير إيمان لا نفثات شيطان.

ثانيا- في سبيل الكرسي تسقط النظريات

القومية العربية التي تبنتها جبهة التحرير، والاشتراكية العربية التي تبنتها الجبهة القومية في أيامها الأولى، والاشتراكية العلمية أو الماركسية التي تبناها الحزب الاشتراكي اليمني الذي يقود البلاد خلال السنوات الأخيرة.. كل هذه الأسماء والأحزاب والعقائد.. لم تكن أكثر من قشرة سطحية تحيط برجالات السلطة.. وتحت هذه القشرة مازال السلطان للقبائل التي وزعت بريطانيا ولاءاتها وأوقعت العداوة والبغضاء بين رؤسائها، وجاءت القشرة الحاكمة لتستغل هذه الخلافات فتحول الماركسيون إلى قبائل تتصارع على السلطة وتأكل بعضها بعضا.

كانت عدن مستعمرة بريطانية، ميناؤها ومصفاتها وقواعدها العسكرية لخدمة بريطانيا العظمى!.

واليوم عدن قاعدة متقدمة للخدمات السوفياتية، فللاتحاد السوفياتي عدة قواعد برية وبحرية وجوية، أهمها في العاصمة عدن في منطقة (فقم) ومنطقة (بين الجبلين) وهي قاعدة جوية كبيرة كانت في الماضي قاعدة للإنكليز. وهناك قاعدة بحرية للسوفيات في ميناء عدن (التواهي)، وثمة قواعد فرعية في المحافظة الثانية (الجبلين) والمحافظة الرابعة (عتق) والمحافظة الخامسة (المكلا)، أما المحافظة السادسة التي تضم جزيرة سقطرة فتوجد فيها قاعدة بحرية وجوية كبيرة، وهذه الجزيرة تقع في المحيط الهندي وعلى حدود سلطنة عمان، وأنشئت منذ مدة قاعدة للقوات الكوبية  في منطقة يافع السفلى (الرميلة) الواقعة بين مدينة الحصن وجعار، فما الذي تغير غير استبدال سيد بسيد؟ وأين صارت حقيقة الشعارات؟!

كانت عدن قاعدة إمبريالية ينهب خيراتها علوج الاستعمار..

أما اليوم فشلة السلطة تسكن نفس البيوت والمساكن ويحتلون نفس مواقع الضباط الإنكليز (فعلي ناصر محمد يتمتع بخصوصية المطعم العسكري البريطاني السابق، وكان في مطبخه أفضل أقداح النبيذ، وكان يلعب كرة الطاولة في القاعة الزجاجية المطلة على الشاطئ في الأوقات الفاصلة بين جلسات القات، والمنزل مجهز بسلع غير بروليتارية مثل تقليد لأثاث لويس السادس عشر وأجهزة هاتف أمريكية الصنع وأشرطة كاسيت مسجل عليها سيمفونيات تشايكوفسكي، أما بيت عبد الفتاح إسماعيل فكان إحدى الفلل الفخمة المبنية لضباط البحرية الملكية البريطانية، وتقع في شبه جزيرة محاطة بالأشجار تطل على الميناء وسيارة ليموزين حديثة على مدخل الفيلا(التايمز البريطانية (11/2/1986م)).

أما شعب اليمن الجنوبي فهو من أفقر عباد الله يهاجرون ويضربون في الأرض ابتغاء الرزق ولم يتغير في بلادهم قبل الاستقلال وبعده غير استبدال فريق ليبرالي بفريق اشتراكي.

ثالثا- طبقة حكم أم فريق مافيا !

الأحداث في عدن كانت انقلابا وانقلابا مضادا..

كل فريق يتربص بالفريق الآخر ويخطط لذبحه مع أنصاره..

وتواعد الفريقان على اجتماع المكتب السياسي للحزب الحاكم يوم 13 يناير 1986م وأمر علي ناصر محمد حرسه بتصفية الخصوم.. وكان الخصوم في نفس الوقت على موعد مع السلاح..

انقسم الجيش.. وهاجمت الطائرات والدبابات قصر الرئاسة..

وبدأ كل فريق يطلق الرصاص وفي جميع الاتجاهات من شارع إلى شارع ومن مؤسسة إلى المطار إلى الميناء في أشد قتال يمكن تصوره.. كانت الشوارع ممتلئة بآلاف السيارات وناقلات الجنود والدبابات المحروقة.. وحتى الطائرات فقد تم إعطاب بعض المقاتلات والقاذفات وهي جاثمة على الأرض، كما تم في الوقت نفسه تدمير مدرجات المطار بواسطة قذائف مدافع الهاون وغيرها حتى تصبح هذه المدرجات غير صالحة للإقلاع والهبوط.

لقد جرت تصفية جميع المسؤولين تقريبا في الخدمة المدنية والإدارات التنفيذية للوزارات..

بعد توقف القتال انكشفت في عدن قبور جماعية تفضل الحكومة عدم الحديث عنها ولم تسمح للمراسلين الأجانب بزيارتها.

إن عدداً كبيراً يتجاوز العشرة آلاف سقط في عدن بين قتيل وجريح، معظمهم من رجال الميليشيا أو من مسؤولي الحزب.. وللحقيقة فإن النظام الذي انتصر أخيرا قد قام دون رحمة بتصفية خصومه الحزبيين بنفس الطريقة التي حاول بها علي ناصر محمد تصفية أعدائه في 13 يناير 1986م.

فهل يتصور إنسان أن هؤلاء الذين يتقاتلون هم رجال حكم يهمهم خير البلاد والعباد.. أم فريق مافيا يشهر أحدهم سلاحه قبل أن يتمكن رفيقه من إشهار المسدس والقتل!

رابعا – موقف الآخرين

وإذا كانت عدن ابتليت بمجموعة ربتها بريطانيا في حجرها وألبستها موضة هذا الزمان لباس الاشتراكية والتقدمية.. وأطلقتها تخرب البلاد وتقتل العلماء وتسحلهم في الشوارع.. وتؤمم كل شيء حتى الفقر.. فماذا كان رد فعل الأقربين والجيران والدول الاستعمارية الأخرى..؟

كانت جميع القوى متفرجة على مسرح الجريمة، شامته أو راغبة بالمزيد من سفك الدماء.. أو محرضة لهذا الفريق أو ذاك. ولم يتحرك أحد غير منظمة التحرير في محاولة لوقف سفك الدماء.. سرعان ما تراجعت خوفاً من الأبواق المأجورة..!

هذه هي قصة المأساة في عدن.. لا مأساة شرذمة من الأجراء الذين يتدافعون لمقاعد الحكم الأولى في كل فترة.. وإنما مأساة شعبنا المسلم الصابر في عدن في بلاد اليمن..!

يناير 1986م

Share
 
 

جلسات القات

(1) جلسات القات – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من اليمن

عندما تزور اليمن.. تتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الإيمان يمان والحكمة يمانية).. وتتوقع أن تجد هذا الإيمان والحكمة في وجوه الشعب اليمني الطيب المضياف.. وفي حديثه المفعم بالوضوح والراحة والبساطة.. في مختلف طبقاته.. بين السياسيين ورجال الأعمال والعمال وكل الطبقات الكادحة في اليمن.

وكما تتذكر الحكمة، تتمنى أن تتعرف على شجرة القات التي كثر ذكرها.. وتناول الحديث عنها الشعراء والأدباء والفقهاء.. بين محارب لهذه الشجرة الخبيثة كما يصفها البعض.. ومدافع عنها باعتبارها وسيلة المجالس ولقاء الأصحاب والأحباب.

بعد الظهر تخلو معظم الشوارع من المارة.. فإذا سألت عن السبب.. أشاروا إلى (المقايل) وهي الأماكن التي يتجمع فيها الناس لتعاطي القات. هنا نجد القيادات السياسية مشغولين بالسياسة.. ورجال الفكر بالأفكار.. والشعراء بالأشعار.. وعامة الناس بالنكات والكلام الفارغ. إذا سألت بعض المهتمين بموضوع القات.. أفادوك بأنه شجرة تزرع في مناطق الحبشة وأوغندا وكينيا وملاوي وجنوب أفريقيا.. ومن هذه البلاد دخلت إلى اليمن في القرن الرابع عشر الميلادي.

فإذا ذهبت للسوق حيث يباع القات.. وجدته يشبه البرسيم (إلى حد ما).. وإذا كان البرسيم نوعا واحدا.. فإن القات أنواع فيه الجيد وفيه المتوسط.. وفيه غالي الثمن وفيه الرخيص.. وإذا أحببت أن تشبع فضولك وزرت المناطق التي يزرع فيها القات.. فوجدته يحتل أخصب المناطق.. شجرته مثل شجيرة البن.. صغيرة الحجم.. دائمة الخضرة.. يقطعون أوراقها.. ويعرضونها في الأسواق.. وإذا تجرأت وزرت المقايل.. وجدت منظرا عجيبا.. يجلس الرجال على شكل حلقات.. وقد اهتم كل منهم بوضع أوراق القات لفافة تحت أحد الشدقين ثم يمضغه بهدوء.. ويحدث الأثر من خلال امتصاص الشعيرات الدموية الموجودة في الفم لهذه المادة.. وقد تستمر جلسة القات هذه عدة ساعات متواصلة.

أهم مكونات هذه العصارة التي تمتصها الشعيرات من القات هي مادة الكاتين ومادة الكاتينون.. وهاتان المادتان اللتان تتسببان في ازدياد ضربات القلب والشعور بالأنس.. يعقبه الاكتئاب والقلق النفسي.

زراعة القات في اليمن

لمجالس القات طقوس معينة.. حيث تتفق المجموعة على مكان محدد لتناول القات وتحرص أن يكون هادئا مريحا.. يحرق فيه البخور.. ويتوفر في المنزل الماء البارد.. تبدأ الجلسة بعد العصر وقد تستمر عدة ساعات وكلما انتهت عصارة الأوراق قذفها من فمه في مكان مخصص لذلك.. المنظر كريه والحركة مقززة.. ومع ذلك فلا يبالي بها أحد من ماضغي القات.

ويؤكد الأطباء أن كثيرين من ماضغي القات وخاصة كبار السن يشكون من صعوبة التبول والإفرازات المنوية اللاإرادية بعد التبول.. وذلك للآثار السلبية على البروستات والحويصلات المنوية وما يسببه من احتقان وتقلص. وإن القات يسبب رفع نسبة السكر في الدم، كما يرفع عدد الصفائح الدموية بشكل ملحوظ، كما أنه يقلل نسبة البروتين في الدم المسؤول عن النمو، كما أنه يسبب التهابات اللثة والغشاء المخاطي للفم، ويحدث اضطرابات معوية مصحوبة بعسر الهضم وتؤدي إلى البواسير بسبب مركبات التانين وربما أدى إلى سرطان الفم والرئة.

مؤتمر مكافحة المخدرات

عقد في الرياض مؤتمر مكافحة المخدرات.. وكان من جملة مقرراته اعتبار القات مادة مخدرة ومحرمة شرعا.

ولقد استنكر علماء اليمن ذلك وتداعوا إلى لقاء في صنعاء يردون فيه على الفتوى.. جاء فيه: (إن القات ليس مادة مخدرة ودللوا على صحة فتواهم بأن الكثير من علماء اليمن وأعلامه كانوا يتناولونه ولم يشعروا بالتخدير الذي ذكر)(28/3/1982م).

وكم نحتاج إلى إخراج هذه القضايا من إطارها السياسي.. ونعود بها إلى رجال العلم فنسألهم: ماذا وجدوا في مختبراتهم.. أليس شفاء العيّ السؤال؟

Share
 
 

التيجاني أبو جديري في ذمة الله

التيجاني أبو جديري في ذمة الله – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من السودان

كل شيء في الخرطوم كبير وضخم حتى اسمها..

ومن غرفتي في الطابق التاسع في الفندق كنت أنظر إلى النيل يتدفق باعتزاز وشموخ.. وفي مصر نيل.. وفي السودان نيلان.. النيل الأبيـض والنيل الأزرق.

وعند العاصمة المثلثة يلتقيان في منظر بديع أخاذ يوحي للإنسان بكل ذكريات البطولة، بكل التاريخ المجيد الذي سطره زعماء المسلمين في هذا البلد الإسلامي العريق.

هنا هزم المهدي القائد البريطاني كتشنر.. وهنا قامت الدولة الإسلامية المهدية.. وهنا وقف السودان يجمع بين الشمال والجنوب، ينقل الحضارة ويرفع أعلام الإسلام.. ويعيد للحاضر ذكريات الماضي.

منذ زمن طويل وأنا احلم أن أزور الخرطوم.. فلي فيها إخوة وأصدقاء.. ويدافع الزمنُ الزمنَ.. وتمر الأيام مثقلة بالأعمال المتراكمة فلا تكاد تترك مجالاً للاختيار.. حتى جاءني الخبر.. أن التيجاني أبو جديري قد توفاه الله .. ونزل الخبر كالصاعقة.. وسافرت إلى الخرطوم.. لأقدم العزاء وأن أتلقاه.. والأمر لا يتم إلا هناك بين أبناء الفقيد وأهله وإخوانه..  صفوف من المعزين كلهم يستشعر فداحة الخطب وعظم المصيبة.

التيجاني أبو جديري

قال أحدهم: لم نكن نعرف قيمة الرجل حتى فقدناه.. وأصعب شيء هو هذا السهل الممتنع.. إذا رأيته قائماً على عمله ظننت أن كل أحد يستطيع أن يصنع مثله، فإذا غاب واستجبت للتحدي فشلت لقد كان من السهل الممتنع (رحمه الله).

وقال أحدهم: بل هو صلتنا مع العالم الخارجي.. مع الحركات الإسلامية في العالم. مع الاتحادات الطلابية.. في ميدان الدعوة.. في ميدان السياسة.. أو ميدان الاقتصاد.. فلقد كان يدنا التي تناول الآخرين، وخطونا الذي نتقدم به منهم.. عيوننا التي نراهم من خلالها.. لقد كان مجموعة في واحد.. أو أمة في رجل (رحمه الله).

هل يقال هذا الكلام عن التيجاني ابو جديري على طريقة (اذكروا محاسن موتاكم).. أم إنها الحقيقة.. ورجعت بنفسي إلى الوراء خمس عشرة سنة.. يوم أسسنا الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية.. وكان من بين الحاضرين: المعارضون والمؤيدون، والمتفائلون والمتشائمون.. بل واليائسون من العمل الإسلامي أن تقوم فيه مؤسسات تقويه وتدعمه.. وكان صوت أخينا التيجاني ويده التي تشارك فمه في الحديث.. عالية مؤثرة في اتخاذ القرار.. وتكرر هذا الموقف بالنسبة للأخ التيجاني في كل منظمة إسلامية قامت.. فلقد كان له فيها فضل السبق.. أو فضيلة العمل والإصرار.. كان إيجابياً سباقاً إلى كل مكرمة (رحمه الله).

حدثني مرافقه الأخ مبارك.. قال كنا قبل يومين في الرياض.. وكان على عجلة من أمره يريد أن يعود فوراً إلى السودان.. وحاول إخوانه إقناعه انه لا ضرورة لهذه العجلة ومن الأفضل أن نمضي يوماً آخر في جدة نلتقي فيه بالأحباب.. ثم نتوكل على الله.. ولكنه أصر.. ووصلنا الخرطوم.. وأصر كذلك أن يسافر إلى مكان آخر لأداء مهمة كان عليه أن يؤديها.. وأصرّ إخوانه أن يأخذوا قسطاً من الراحة والنوم.. وأصرّ هو بالمقابل.. وانتزع مفتاح السيارة قائلاً لمرافقه: سأقود السيارة بنفسي!

كانت السماء مغبرة حزينة.. والظلمة دامسة لا ضوء فيها ولا حياة.. وفي غفلة من كل شيء في الدنيا الكئيبة.. أغمض الأخ التيجاني عيناه المرهقتان المتعبتان.. وكانت المرة الأخيرة.. فقد أسلم الروح.. ونُقل أخواه إلى المستشفى.

رحم الله الفقيد.. وأحسن الله عزاء إخوانه.. الذين يلتقون كل يوم، وفي عيونهم دمعة، وفي قلوبهم غصة، ولسان حال كل منهم قول الشاعر:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر          فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

رحم الله الأخ الحبيب التيجاني أبو جديري رحمة واسعة.

Share
 
1 Comment

Posted by on July 22, 2013 in خواطر حول العالم

 

عبد المنعم أبو الفتوح والإخوان

(8) عبد المنعم أبو الفتوح والإخوان – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من مصر

تناولت الصحف في الآونة الأخيرة بعض تصريحات الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح القيادي في جماعة الإخوان المسلمين.. تناول فيها الجماعة التي نشأ وتسنم فيها مواقع قيادية.. ولقد عرفته في بعض المؤتمرات التي التقيته فيها.. فاستغربت هذه المواقف الأخيرة التي اتخذها.

ففي الندوة التي انعقدت بمكتبة الاسكندرية في 23 مارس 2011م قال الدكتور أبو الفتوح: على مستويات الإدارة في الإخوان أن تستقيل، وأن تعاد الانتخابات بشكل شفاف وتحت سمع وبصر المجتمع من الناحية المالية والإدارية.. وتوقع أن الإسلاميين قد يحصلون على 70% من المقاعد البرلمانية، بفصائلهم المختلفة.. أما الإخوان فلن يحصلوا على أكثر من 20% من المقاعد إذا كانت الانتخابات نزيهة.

الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح

وأعلن أنه لن ينضم إلى حزب الحرية والعدالة الذي تعتزم الجماعة تأسيسه.. وأنه عرضت عليه رئاسة ستة أحزاب حتى الآن.. رغم أنه يعتز بحزب النهضة الذي أسسه الدكتور إبراهيم الزعفراني القيادي في حركة الإخوان.

ولم يقبل الأخ ابو الفتوح رأي المرشد العام للإخوان الذي قال: إن أي أخ ينضم إلى حزب لا يتبع الإخوان سيتم فصله من الجماعة.

وقال الدكتور عبد المنعم: إن آراءه تتعارض مع آراء بعض مسؤولي الإخوان.. إلا أنه يمثل فيها جمهور الإخوان وإن لم يمثل الإدارة العليا للجماعة.

وأدلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية بدلوها في هذا الموضوع.. فقالت تحت عنوان حالة تمزق خطيرة تضرب جماعة الإخوان المسلمين، بدأت بعد وقت قصير من توقف المظاهرات الضخمة بميدان التحرير.. يقف على رأس تلك المجموعة د. عبد المنعم أبو الفتوح ود. إبراهيم الزعفراني. ولفتت الصحيفة إلى أن تلك ليست المرة الأولى التي يحدث فيها صدام وانقسام في الرأي في صفوف الإخوان، فمنذ تأسيسها عام 1928م على يد حسن البنا عرفت تلك الجماعة انقسامات شتى، مثل جماعة التكفير والهجرة، وحزب الوسط، وغيره.

واختتمت الصحيفة أنه في غضون ذلك يحاول الحزب الوطني التابع للنظام المصري السابق إظهار عضلاته وقوته من خلال إنشاء صفحات إلكترونية على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك معلنين فتح صفحة جديدة مع المواطنين، ووفق لما هو منشور على الفيسبوك، فإن الحزب الوطني يأمل في تجميع أغلبية تسانده في الانتخابات المقبلة خاصة في مناطق مثل سوهاج والمنيا وأسيوط بصعيد مصر، موضحاً في تقريره أن رجال الوطني يعتمدون في مسلكهم هذا على صعوبة انضمام أحزاب المعارضة في الوقت القصير المتبقى على الانتخابات علاوة على أخذهم بحقيقة هامة وهي أن جزءا كبيرا من الأجهزة الحكومية وغالبية الإدارات التي تتعامل مع المواطنين ما زالت تدعمهم، أي تدعم رجال الوطني.

ولا بأس أن ننشر هنا بعض الحوادث التاريخية التي واجهها الإخوان المسلمون في الماضي، فقد يكون في استذكارها عبرة.

وسائل محاربة الجماعة

نبه الإنكليز ومعهم الأحزاب الفاسدة الحكومات في مصر إلى خطورة دعوة الإخوان في وقت مبكر.. فقد كان موقفهم من القضية الوطنية واضحاً لا غموض فيه ولا مساومة.. وموقفهم من اليهود وقضية فلسطين في رأس اهتماماتهم.. ولهذا أعلنوا الحرب على الجماعة.. أحياناً بشكل علني وأحياناً بطرق غير منظورة.. وكان على رأس وسائلهم:

1- البوليس السياسي الذي لم يكن يعمل لحساب الحكومة المصرية وحدها.. بل إن صلته بالضباط الإنكليز كانت أقوى وأظهر. ولقد نال الإخوان من مضايقات البوليس السياسي الشيء الكثير.

2-   إنشاء جمعيات تحمل أسماء لامعة مهمتها حرب الإخوان، مثل جمعية الإصلاح الاجتماعي وجمعية إخوان الحرية وغيرها.

3-   محاربة الإعلام الإخواني بتهديد كل من يكتب، وتهديد المطابع، وتهديد شركات التوزيع.

4-   محاولة تصديع البناء الداخلي للإخوان وهو أخطر هذه الوسائل.

وأهم حلقة في هذا التآمر الداخلي ما يتعلق بالأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة.. والأستاذ السكري كفاءة لا شك فيها، وهو رجل نشأ في أحضان التصوف وتربى في البيئة التي تربى فيها الأستاذ المرشد حسن البنا في المحمودية.. وكان ذا مواهب يغبط عليها فهو خطيب مطبوع، وذو قوام فارع وسمت جميل وهندام جذاب، ومع أن دراسته لم تتجاوز الثانوية إلا انه كان ذا ثقافة واسعة.. ولننقل بعض ما جاء في مذكرات الإمام حسن البنا حول السكري، يقول: (إنه قائد موهوب ولكنه منصرف بهذه القيادة وهذه المواهب إلى السفاسف، مسرف في وقته لا يقدر له قيمة، قلبه مملوء بأوهام لا حقيقة لها، ومنصرف إلى ناحية لا تثمر إلا العناء، فالاعتماد عليه ضرب من المخاطرة العقيمة. والأخ الشيخ.. له أساليبه الخاصة به، وهو ينظر إليّ كأخ زميل، فلا يصغي لآرائي إلا قليلاً ومن هذه الناحية يكون توحيد الفكر ضرباً من التعسر، فالاعتماد عليه مخاطرة كذلك)(مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا).

ولقد سألت(المؤلف) أحد معاصري هذه الفتنة (ممن يوثق بحديثهم) فأضاف المزيد إلى ما ذكره الإمام المرشد.. قال: كان السكري يتملق الكبار والإخوان يكرهون التملق، وكان يحاول أن يظهر بمظهر الآمر الناهي وليس ذلك من خلق الإخوان. وعندما بدأ الإمام البنا يفوض بعض القضايا للأستاذ عبد الحكيم عابدين، اعتبر السكري ذلك تعدياً على اختصاصاته.. وبدت بوادر التمرد تلوح في الأفق.. واجتمعت الهيئة التأسيسية مرة في 13 مارس 1947م ومرة ثانية في 9 يوليو 1947م للفصل في هذا الأمر.. وكان الأمر واضحاً بعد عرض الأدلة.. فاعتذر السكري للجماعة وجدد بيعته للإمام المرشد.

ولم يكد الاجتماع ينفض وأعضاء الهيئة التأسيسية يصلون إلى مناطقهم حتى أعلن السكري استقالته من الإخوان، وبدأ يكتب في صحيفة الوفد سلسلة من المقالات يهاجم فيها الإخوان والإمام البنا.. تحت عنوان: كيف انحرف حسن البنا بالجماعة.

ولقد شغلت الأحداث، التي تمثلت بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947م بتقسيم فلسطين، والتعبئة التي أعلنتها الجماعة لدخول المعركة، شغلت الإخوان عن متابعة قضية السكري والآخرين الذين حاولوا في أحلك الظروف قصم ظهر الدعوة من الداخل.

5- بين الإخوان والوفد، في أعقاب سقوط حكومة صدقي باشا، برزت جماعة الإخوان كقوة حقيقية توجه الأحداث في مصر.. ولقد جرّ عليها ذلك ويلات من كل جانب. أحسّ الإنكليز بزعزعة وجودهم في مصر.. وأحسّ الملك فاروق أنه بمواجهة هيئة وطنية لا تساوم على مبادئها.. وأحسّ الوفد أكثر من غيره بأن مركزه الشعبي أصبح في خطر.. واقتنعت قيادات الوفد بأن خطورة الإخوان المسلمين عليه تفوق خطورة كل أعدائه، لأنها تنازعه الزعامة الشعبية التي هي رأس ماله. وأصدر الوفد جريدتين هما الوفد المصري وصوت الأمة وليس لهما من مهمة سوى التشنيع على الإخوان.. (واستغلت جريدة صوت الأمة قضية أحمد السكري وانفصـاله عـن الجماعة.. فنشرت له سلسلة من المقالات التي تهاجم الجماعة وتزعم أن الجماعة تتهاوى!).

لم تكن خسائر الإخوان من جراء هذه الحملة الشرسة ذات بال، فقد خرج من الجماعة عدد محدود من الأفراد.. كان وجودهم ضاراً بالجماعة..

وبدأ التوتر يتصاعد بين الإخوان وحزب الوفد منذ 21 فبراير 1946م، عندما أصرّ الإخوان أن تكون لهم تحركاتهم ومواقفهم المستقلة في التحرك الذي سمي يوم الجلاء ووحدة وادي النيل.. وأعلن مكتب الإرشاد في 21 مارس 1946م أنه لن يشترك مع أية هيئة أو حزب أو جماعة في تشكيلات أو لجان لا تحمل طابع الوحدة الكاملة الحقيقية لجميع الهيئات التي تمثل الشعب (خاصة وقد كانت اللجنة الوطنية التي أعلن الوفد عن تشكيلها كانت بقيادة الحزب الشيوعي (حدتو) والوفديين اليساريين).

في 17 أبريل انهارت العلاقات بشكل تام.. ووصل التوتر ذروته، وفي 6 يوليو 1946م اصطدم الإخوان مع الوفديين في بورسعيد. ورد الوفديون بمهاجمة المركز العام والنادي الرياضي وحرقوهما، وحوصر المرشد العام في أحد المساجد.. وطالب الوفد حكومة صدقي بحلّ فرق جوالة الإخوان ووضع حدّ لأعمال العنف الفاشية التي يرتكبونها(الحركات السياسية في مصر- طارق البشرى، ص- 108).

وعلى إثر توقيع اتفاقية صدقي – بيفن، ومواجهتها برفض وطني شامل.. حاول الوفد تشكيل لجنة اتصال تضم كافة الهيئات السياسية المعارضة للاتفاقية بغية إسقاطها.. ومثّل الإخوان في هذه اللجنة الدكتور حسن إبراهيم وأحمد السكري.

وعندما عاد الإمام حسن البنا من رحلة الحج حيث عقد هناك نوعاً من مؤتمر إسلامي مصغر مع ممثلي الفروع الإخوانية والمتآخية(الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية- إسحاق موسى الحسيني، ص- 137).. عرضت عليه أعمال هذه اللجنة.. فـدعا الإمام حسن البنا الهيئة التأسيسية إلى اجتماع طارئ، وعرض عليهم الاتفاق فأقروه واشترطوا عدة شروط ملزمة للجنة وهي:

    * أن يتعهد الوفد بعدم التفاوض مع الإنكليز إذا استلم الحكم إلا بعد أن يسلموا بالجلاء الناجز عن وادي النيل وبوحدته الحقيقية (أي وحدة مصر والسودان).

    * أن يستلهم روح الإسلام في كل الأوضاع الاجتماعية إذا ما عاد الوفد إلى الحكم.

    * أن يساهم في صندوق للجهاد يشارك فيه الجميع.

لقد أبطلت هذه الشروط الملزمة.. مكر الوفد الذي كان من الناحية العملية يكتل القوى إلى جانبه ليتسلم الحكم بعد إسقاط حكومة صدقي.

6-   الفتنة الطائفية، في هذه المرحلة الحرجة لجأ الإنكليز إلى أساليبهم الخسيسة، فهاجموا بعض الكنائس والمعابد، وتولت الصحافة الأجنبية إلصاق هذه الاعتداءات بالإخوان المسلمين(جريدة فيلادلفيا تريبيون (25/5/1947))، وقد ثبت أن هذه الأحداث كانت من تدبير الإنكليز. الأمر الذي أوقع الحكومة المدعومة من الإنكليز بشر أعمالها.

7-   إعلان الأحكام العرفية، كانت الأوضاع في داخل مصر في غاية الخطورة..

    * فالأحزاب لا يهمها إلا كرسي الحكم والتقرب من كل ما يقربها إليه.

    * والإنكليز يعيثون في الأرض فساداً.. يتحكمون بالأرض والشعب والقصر والسياسة في مصر.. ويمكنون لليهود في فلسطين.

    * واليهود وهم أقلية صغيرة، ولكنهم اليد اليمنى للمستعمر يملكون معظم الشركات والمرافق الهامة التي وضعوها في خدمة قيام دولة إسرائيل

كان رأي الإخوان أن تقليم أظافر المستعمر الغاصب، إنما يتم بتأديب أذنابه وبث الذعر في نفوسهم سواء في مصر أو فلسطين.

أما في فلسطين فقد كانت كتائب الإخوان تقوم بدورها الجهادي، إلى جانب الحركات الجهادية المخلصة في داخل فلسطين.

ومما يستحق التسجيل بالخزي والعار هو موقف الحكومة المصرية، حكومة الأحزاب الفاسدة من خدام القصر وسدنة نزواته.. فقد اتخذت من هذه الأحداث البطولية الرائعة وسيلة للتشهير والبطش بالإخوان(الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ (المرجع السابق) 1: 487).

الصحافة الأجنبية تؤزم الموقف

في هذا الجو السياسي المتوتر لعبت الصحافة الأجنبية دوراً مشبوهاً في التحريض على الإخوان..

ففي 2 مارس عام 1946م كتبت مجلة (ذي تابليت) البريطانية مقالاً قالت فيه: (إن مصر تتولى الزعامة بين الدول الإسلامية التي فقدتها تركيا بعد الحرب الماضية وصحف القاهرة تهدد الآن جامعة الأمم البريطانية بجهاد ديني، وقد أكد صدقي باشا من جديد صداقته مع بريطانيا، ولكنه مصر على أن تنسحب القوات البريطانية فوراً).

ونشرت الصحف المصرية في نفس العام ترجمة لما جاء بإحدى كبريات الصحف الأمريكية عن حسن البنا، ووصفته شكلاً وثقافة وذكاء ومقدرة على حسن التصرف وعلى تملكه قلوب سامعيه وعلى سيطرته على المجتمع الإسلامي ثم عقبت على ذلك بقولها: (إن هذا الرجل هو أقوى رجل بالعالم الإسلامي اليوم، ولا يمكن أن يغلب إلا أن تصير الأحداث أكبر منه).

وقد حملت هذه العبارة القصيرة كل ما يبيتون من تخطيط وتآمر للقضاء على حسن البنا وجماعته، وهذا ما كشفت عنه الأيام القليلة التي أعقبت هذا النذير(الإخوان المسلمون في مصر- مصطفى محمد الطحان، ص- (101-105)).

مع الأخ الدكتور أبو الفتوح مرة ثانية

ولقد نفى الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، ما تردد عن إستقالته من الجماعة قائلا :  أن ذلك لا أساس له من الصحة وليس واردا أو مطروحا لديه، فجماعة الإخوان هي بيتي الذي بنيته وكنت خادما وحارسا له وكل ما هنالك أنني أعلنت سابقا في حال ترشحي للرئاسة فسأقدم استقالتي بشكل إداري فقط من الجماعة احتراما لموقفها من الرئاسة وحتى أكون مرشحا مستقلا لكن طالما لازلت أدرس الأمر فإن ذلك لم يحدث ، وما حدث مجرد عبث إعلامي وأمنى حيث أن أطراف وأجهزة الأمن لازالت تعبث بأجهزة الإعلام وأحذر من استمرار تلك الأطراف الأمنية.

ويذكر إن صحيفة المصري اليوم هي التي نشرت خبر استقالة أبو الفتوح على لسان القيادي الإخواني إبراهيم الزعفراني والذي أعلن أنه اتفق مع أبو الفتوح على الاستقالة.

وذكر أبو الفتوح في، برنامج 90 دقيقة، أنه بالرغم من أن هناك تقصير وأخطاء داخل جماعة الإخوان إلا أنه يشرفه الانتماء للجماعة واصفًا نفسه بأنه أمين على هذه الجماعة التي لابد من الحفاظ عليها لأنها تمثل الإسلام الوسطى المتسامح .

وعن انتقاده للمرشد مؤخرًا أكد أن المرشد ليس كهنوت بل أنه شخص عادى يخدم الإخوان، والدكتور بديع هو رجل لطيف جميل طيب الخلق فليس هناك أحد يعمل في عزبة أحد وبالتالي فالنقد متاح ومباح فكل أعضاء الإخوان شركاء في الجماعة التي لا يوجد فيها أجير .

وكلمة أخرى أقولها للإخوة الأعزاء.. وهم بكل تأكيد يعرفونها ويعايشونها.. أن لا نضم صوتنا بالنقد الجارح إلى أصوات الثورة المضادة التي لا همّ لها إلا تجريح الإخوان والنيل منهم.. لنصحح ولكن برفق.. ولنقل ولكن بدون تجريح حتى لا نكرر المآسي التي دفعنا ثمنها باهظا أيام حكومة الوفد.. وأيام حكومة عبد الناصر يوم استقطب فريقا من قيادات الإخوان.. فكانوا شجى في حلوق الإخوان.. وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند..

فإلى إخواننا الذي نحب.. أهدافنا أكبر من قدراتنا.. وأساليبنا مازالت تئن تحت ضغط الواقع الكريه الذي عشناه مائة سنة أو يزيد ونحتاج إلى بعض الوقت لتلافيه وتصحيحه.

والحمد لله رب العالمين.

الكويت في 18/4/2011م

Share
 
 

محمد سليم العوا يدعو الإخوان إلى البعد عن السياسة والاكتفاء بالأمور التربوية والدعوية

 (7) محمد سليم العوا يدعو الإخوان إلى البعد عن السياسة .. – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من مصر

قرأت المقال الذي كتبه الدكتور محمد سليم العوا الذي يدعو فيه الإخوان إلى البعد عن السياسة والاكتفاء بالأمور التربوية والدعوية.. وقرأت المقالات التي ردت على مقال العوا بين مؤيد ومعارض.

ولم أكن راغباً في الرد على الدكتور العوا.. فعندي ما يشغلني هذه الأيام حيث أكتب مذكراتي (أوراق مسافر) والتي تتضمن جولاتي في أركان الأرض الأربعة. والتي تناولت فيها شؤون المسلمين وأشواقهم.. وتعرفت على أوضاع المسلمين وحاجاتهم.. وأرى ذلك أولى بالاهتمام..

ولكن مقال العوا استثارني.. فقد بدا لي أنه متكلف.. وأنه في مجموعه يمثل هجوماً على الإخوان أكثر مما يمثل توضيحاً لفكرة.

أنا لا أريد أن أناقش فكرة الفصل بين السياسي والدعوي فهي دعوة متهافتة لم يقل بها إلا أعداء الإسلام.. فيوم ألغى أتاتورك الخلافة الإسلامية.. ألغى قبلها السلطنة عام 1923 أي الجانب السياسي من الإسلام.. واكتفى بالجانب الكهنوتي العبادي.. وبعد سنة أي عام 1924 ألحق الخلافة بالسلطنة.

جميع الأحزاب الغربية والعلمانية تطالب بفصل السياسي عن الدعوي تحت مسمى فصل الدين عن الدولة. وعندما تم هذا الفصل في معظم بلاد المسلمين، قامت عندنا مؤسسات دينية تتمثل في الحركات الصوفية وفيها الجيد والسيء.. وبالمقابل مؤسسات تعني بشؤون الحكم والسياسة لا دين لها ولا طعم ولا رائحة.

الدكتور محمد سليم العوا

هل هذا ما يريده الأستاذ العوا.. ولكنه جمّله بعبارات ألطف؟

الأمر الثاني: أريد أن أسأل الدكتور العوا.. ما هو الموقف الذي مارسه النبي صلى الله عليه وسلم في مكة أو في المدينة.. أيام الاضطهاد والتعذيب والتنكيل بالمؤمنين في مكة.. أو أيام الدولة التي أنشأها الرسول صلى الله عليه وسلم  في المدينة وأصبح المسلمون فيها آمنين في سربهم يعيشون حياتهم كما يعيشها الناس الآخرون بدون إزعاج..

ما هو الموقف الذي يمكننا أن نصنفه أنه دعوي تربوي.. أو نصنفه على أنه سياسي.. لا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يخبرني إلا إذا كان متكلفاً.

عندما دعا النبي صلى الله عليه وسلم قومه في مكة للإيمان بالشهادتين.. لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. قال المشركون أن محمداً يدعو ليتمكن من إقامة سلطانه في مكة.. فإذا كانت كلمة التوحيد هي دعوة وتربية.. والسلطان سياسة.. فكيف فهم مشركو مكة أن الأمرين واحد ولم يكن رأسمالهم في المعرفة سوى فهمهم لمعاني اللغة العربية..؟

كيف فهم أبو جهل كلمة التوحيد التي أطلقها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو قومه إلى نبذ عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وأن يؤمنوا بالدين الحق وأن الله خالق كل شيء، وهو المحيي والمميت وإليه يرجع الأمر كله..

فقال: كنا وبني عبد مناف كفرسي رهان أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، حتى قالوا: منا نبي والله لا نؤمن إلا لنبي من بني مخزوم.. كيف فهم أبو جهل أن كلمة التوحيد تعني سلطان الإسلام.

في أواخر العهد المكي استراح المسلمون للتعذيب الذي يقع فوق رؤوسهم.. فهم يتعبدون ويصلون ويتحملون الأذى في سبيل الله.. وهذه هي الغاية التي يبغيها المسلم.. فبدأت آيات الذكر الحكيم تتنزل على المؤمنين.. تفهمهم أن القرآن الكريم تنزل على أمة حية تبني الحياة وتقيم العمران.. فانتفض المسلمون من أنسهم بالتعذيب في سبيل الله.

كيف نفهم صلح الحديبية وأين نصنفه.. في ظاهر الأمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار بالمسلمين لأداء سنة العمرة وهي عبادة محضة.. وإذا بالحدث قضية سياسية من الطراز الأول كما يقول العقاد في كتابه عبقرية محمد.

إن فصل السياسي عن الدعوي في الإسلام أمر محال.. قد يكون مثل هذا الفهم موجوداً عند من يقول: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله.. وإن كنت أشك بهذا القول وبهذا الفهم.

الأستاذ عبد العزيز السيسي أحد الإخوان المصريين.. عاش آخر أيامه في الكويت.. فقد كان ممنوعاً من زيارة بلده، كان يقول لنا: أنا لن أبقى مع الإخوان.. ولكن الرجولة تقتضي أن لا أفعل ذلك اليوم.. ولكن عندما تنتهي المحنة فلن أبقى يوماً واحداً مع الإخوان.

نعم نحتاج إلى خلق الرجولة.. فكيف أسمح لنفسي أن أنتقد الإخوان وأطالبهم بتعديل منهجهم في الدعوة.. ثم أقول إن هذا الاقتراح قديم قبله فريق من الإخوان ورفضه أصحاب القرار؟ هل هو تحريض على أصحاب القرار؟

ثم إذا كان للدكتور العوا رؤية حول هذه الفكرة فلماذا لا يقبل أن يكون لدى قيادة الإخوان رأي مخالف؟

أليس الدكتور ممن يؤمنون بالحوار وبالرأي والرأي الآخر..؟!

كنت أتوقع: انطلاقاً من خلق الرجولة – أن يصدر العوا بياناً يرفض فيه مهزلة محاكمة قادة الإخوان أمام محاكم عسكرية خاصة وهو المحامي الأريب الذي يعرف هذه القضايا أكثر من غيره.

كنت أتوقع: أن يجمع العوا زملاءه الدكاترة وينطلق نحو مؤسسة الحكم.. يطالب بإطلاق سراح هؤلاء الشرفاء الأبرياء.

أنا لا أنكر ضرورة إقامة علاقات طبيعية وتواؤم مع المسيحيين داخل المجتمع المصري.. وأن يشغل ذلك الاهتمام في مؤتمر الإفتاء في عالم مفتوح.. ولكن هل المسيحيون مظلومون..؟ والكل يستجدي الاهتمام بهم والتقرب إليهم..؟

رمزي كلارك القانوني الأمريكي جاء متطوعاً يدافع عن الإخوان المظلومين.. ولما منعوه من دخول قاعة المحكمة.. قال أنه سيعقد مؤتمراً صحافياً في نيويورك يشرح فيه قضية الإخوان المسلمين وسيشرح هذه القضية في كل مكان يصل إليه.

لماذا فعلها كلارك ولم يفعلها المفتون في اتحاد علماء المسلمين خاصة وهم مهتمون بالعمل الإسلامي من رشيد رضا إلى (أبو العلا ماضي)( عنوان مقال كتبه الدكتور العوا يشيد فيه بحزب الوسط وبأبي العلا ماضي).

أم أن الأمر لا يستحق.. باعتبارهم بضع مئات.. أو أقل من ذلك لكن صوتهم عال.. (كما جاء في مقالكم).

والحمد لله رب العالمين

الكويت 18/7/2007م

Share
 
 

هل يؤسس جمال مبارك حزب المستقبل؟

 (6) هل يؤسس جمال مبارك حزب المستقبل؟ – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من مصر

مع الصعود الذي حققه الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية والذي اعتبره البعض مفاجئاً لدوائر القرار السياسي، وإخفاقاً للحزب الرسمي للدولة (الحزب الوطني) في الحصول على أغلبية الثلثين اللازمة للتحكم بأي تعديلات دستورية محتملة، ولتمديد حالة الطوارئ.. واضطرار الحزب الحاكم إلى خطب ود المستقلين وضمهم إليه، بعد أن اقسم الطرفان: الحزب والمستقلون بأن طلاقهم بائناً.. وكانت صفقة مربحة لكليهما.. يؤمن الحزب الحاكم بها أغلبية الثلثين، ولا يظهر أمام الشعب بأنه حزب هزيل حصل على 33% فقط من الأصوات رغم كل ما استعمله من وسائل يندى لها الجبين في محاربة الآخرين.. ويؤمّن المستقلون (بهذه الصفقة) مصالحهم التي ترشحوا من أجلها.

جمال مبارك

وبهذه المناسبة بدأ الحديث عن رغبة نجل الرئيس جمال مبارك بإنشاء حزب جديد باسم حزب المستقبل.. وأنى لجمال مبارك الذي لا يعرف الحقائق إلا من خلال مؤسسة الرئاسة التي تحتكرها أسرته.. أنى له أن يعرف الأمور على حقيقتها.. ونحن بهذه المناسبة نحب أن نذكره ونذكر غيره ببعض الحقائق.

1- بداية القصة كانت أيام جمال عبد الناصر في أعقاب انقلاب 23 يوليو 1952.. كان حيث يذهب يقابل بهتافات الله أكبر ولله الحمد.. وكان يخطط أن تكون علاقته بالشعب المصري.. أن يقف هذا الشعب إذا قال له جمال عبد الناصر: قف، وان يجلس  إذا أمره بالجلوس.. فأنشأ حزباً باسم حركة التحرير.. ووضع على رأسه أكبر الشخصيات وألمع الأسماء، وحاول إقناع الإخوان بالانضمام إليه.. وعبثا حاول الإخوان أن يشرحوا له أن الحزب لا يبنى بقرار.. وأن الحزب الذي تبنيه الدولة لا ينضم إليه إلا تجار المبادئ الذين يريدون أن يصعدوا على ظهر الحزب.

وتعرض الإخوان للأهوال: للقتل والقمع والسجن وكل ما يتصوره الإنسان من إذلال.

وانتهى حزب حركة التحرير الذي خرج أبطاله إلى الشوارع ينادون بسقوط الحرية وسقوط الديمقراطية.. وبقي الإخوان فكراً يعلو ولا يعلى عليه.. ورموزاً شامخة هي القدوات التي يعيش على التأسي بها جيلنا والأجيال التي ستأتي بعدنا.

2- وفي سوريا كان هناك برلمان وانتخابات ودستور فنكبت البلاد بالإنقلابات.. كان الأمريكان الذين خططوا ونفذوا.. يريدون قرارات سريعة مثل تسليم بعض القرى والبلدات في المنطقة المنزوعة السلاح إلى إسرائيل.. وإتمام صفقة التابلاين.. ولما استعصى على الأمريكان الحصول على قرارات سريعة تناسبهم من الحكومة السورية، قام انقلاب حسني الزعيم في مارس 1949م.. فحصلوا في جرة قلم واحدة على كل ما يريدون. وجاء أديب الشيشكلي وقام بانقلابه، وأراد أن يتعلم من خبرة جمال عبد الناصر فأنشأ حزب حركة التحرير.. ودعا الأحزاب للانضمام لها.. انضم لها المرتزقة.. والوصوليون.. وتجار السياسة.. ودخل الأحرار السجون.. وفي حوار بين الشيشكلي ومصطفى السباعي (رحمه الله) قال الشيشكلي: لماذا لا تتعاون معنا يا دكتور..؟ فأنا أحب الإسلام مثلك تماماً.. وانتهى أديب الشيشكلي.. ولا يذكر أحد حزبه.. وبقي مصطفى السباعي شامخاً.. وبقيت دعوته رمزاً لكل الحركات التي لا تبيع نفسها لحاكم.. أو لأجنبي!

3- ويوم أسقطوا السلطان عبد الحميد (رحمه الله).. وتسلم حزب الاتحاد والترقي الحكم.. ومزقوا الدولة.. وألغوا الخلافة.. وأقاموا جمهورية علمانية تحارب الإسلام.. شكلوا حزب الشعب.. كجزء متمم في ديكور الديمقراطية المزيفة.

وقبل الشعب أن يدفع الثمن.. نصف مليون شهيد يدافع عن دينه.. وعندما أثخنته الجراح.. وأرهقه الإذلال.. لجأ إلى الله يدعوه أن يخلصه من هذه المحنة.

وفي عام 1950 شكل عدنان مندريس حزبه الديمقراطي.. وأعلن نهاية المحنة.. بمثل هذه الإشارة سقط حزب الطغيان وحصل مندريس على كل الأصوات..؟

من يعتبر من التاريخ القريب والبعيد..؟ ويعلم أن البقاء للأصلح..

(وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

4- موقف أخير.. في هذا المقال الصغير.. عندما جاء اربكان من المجهول وطالب بتشكيل حزب اسمه حزب النظام عام 1970.. اشتم الطاغوت من اربكان رائحة الإسلام.. فاستشاروا عصمت انينو رئيس الجمهورية السابق، ورفيق أتاتورك.. فنصحهم بقبول تشكيل الحزب الجديد.. وعندما سألوه: وكيف ذلك؟

قال: ليحاولوا.. وسيجدوا أنا حرثنا الأرض جيداً.. فلم يبق فيها إسلام.. لقد طلبنا من (الله) أن يرحل من بلادنا.. ولقد رحل..

سنة واحدة وعدة أشهر.. استطاع اربكان القادم من المجهول والذي لا يستطيع أن يتلفظ بكلمة واحدة عن الإسلام بصراحة.. أن يكتسح الساحة.. فكان انقلاب عام 1971 وإلغاء الحزب..

وأخيراً.. أريد أن أخبر جمال مبارك.. أن حزب المستقبل هو الحزب الذي ينبثق من أشواق الجماهير.. من عقيدتها ودينها وتراثها.. ومن معاناتها ولقمة عيشها ومدرسة أبنائها..تبذل دماءها دفاعاً عنه.. وعندما يقتلهم الطغاة يعدهم ربهم بأنهم أحياء عنده يرزقون.

وأريد كذلك أن أقول للمتعجلين: اقرأوا التاريخ أولاً.. ثم امضوا على بركة الله.

2006/1/4م

Share
 
 

الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

(5) الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من مصر

الأستاذ محمد مهدي عاكف

أحداث متلاحقة.. كلها تؤثر في مسيرة الدعوة والحركة.. فقد تم الإعلان عن وفاة المرشد العام محمد مأمون الهضيبي.. الرجل الذي وصفه زملاؤه بأنه كان مثالاً  في الانضباط والحكمة، متفانياً في عمله، محباً لإخوانه، مهتماً لأحوال أمته، يتألم لآلامها ويفرح لفرحها، وكان حريصاً على متابعة أخبار العالم كله، وخاصة تلك التي تهم المسلمين.. والمسلمون اليوم يواجهون تحديات كبرى فقد وضعتهم قوى الاستكبار العالمي في قفص الاتهام.

ولم يكن أمام أحد من المسلمين، وخاصة إخوان الفقيد وأحباؤه، إلا التسليم بقضاء الله، والدعاء للفقيد بالرحمة والغفران.

وسرعان ما أُعلن أن الأستاذ محمد هلال المحامي هو من سيقوم بأعمال المرشد العام للإخوان المسلمين إلى أن يختار الإخوان مرشدهم الجديد.. ولقد أعلن الأستاذ محمد هلال يوم 14 يناير 2004م أن إجراءات انتخاب المرشد العام الجديد قد تمت وفقاً لأحكام النظام الأساسي للجماعة وتم اختيار الأستاذ محمد مهدي عاكف مرشداً عاماً للإخوان.

وكما حزن الإخوان في أنحاء الدنيا لفراق مرشدهم الهضيبي.. الذي كان متميزاً بعطائه وحكمته.. فقد تفاءلوا بالمرشد الجديد.. الذي عرفوه في ساحات العمل المختلفة.

ذكرياتي مع المرشد الجديد

كنت أسمع عن الأستاذ عاكف من خلال مواقفه وهو مسؤول عن قسم الطلبة، وعن قوته في إدارة ملحمة الجهاد ضد قوات الاحتلال في القنال.. وعن جرأته أيام السجون والمعتقلات في كل العهود.. كنت اسمع عن ذلك.. ومع كل ملحمة يزداد جيلنا إعجاباً بهذه الدعوة المعطاء.. وبهذا الجيل الفريد الذي ربّاه الإسلام فأحسن تربيته وأوقد شعلة الحماس فيه الإمام الشهيد حسن البنا.. على هدي الدعوة الأولى.

أول لقاء لي مع الأستاذ عاكف فقد كان في الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض، فقد كان مسؤولاً عن مخيمات الندوة التي أقامتها في مختلف أنحاء العالم.. وكنت عضواً في الأمانة العامة للندوة، وكان طبيعياً أن نلتقي ونتحاور ويزداد إعجابي بالرجل.. سمعت منه العبارة التي أثّرت في شخصيته وأثّرت فيّ كذلك وهي (من أراد الجنة فلا يرى لنفسه حقاً على أحد.. ولا ينقص من أقدارنا أن يهاجمنا بعض الناس، ويتهموننا بالباطل، ولكن الذي ينقص من أقدارنا هو أن نخطئ نحن..).

أكثر هذه المخيمات أثراً في نفسي كان مخيم جنة قلعة في تركيا الذي عقد في سبتمبر 1980 قبيل الانقلاب العسكري الذي قاده رئيس أركان الجيش التركي كنعان أفرين ضد مجموعة حزب السلامة الإسلامي الذي كان يتزعمه الدكتور نجم الدين أربكان.. أصرّت الحكومة التركية أن لا يحضر أربكان المخيم.. وأصرّت إدارة المخيم أن يحضر ويحاضر.. وعندما جاء وتحدث حصل زلزال في أرض المخيم من كثرة الهتافات والتحيات.. قلنا يومها هكذا تكون القيادة!

والتقيت مع الأستاذ عاكف في ميونيخ عندما أصبح مديراً للمركز الإسلامي هناك.. وعاكف بابتسامته المشرقة وهمته العالية ودأبه الذي لا نظير له.. حوّل هذا المركز الجميل الخامل إلى خلية نحل تضجّ بالحركة والعطاء.

وأهم هذه المواقف يوم جاءني لأعمل معه في قسم الطلاب.. وكنت متردداً لأسباب تخصني.. فأنا من الصنف الذي أعرف وأنكر.. وأقبل وأرفض.. وإذا كنت جندياً ألبي النداء.. وألتزم الصف في كل الظروف.. إلا أن طبيعتي هذه ألبّت عليّ الكثيرين.. احتضنني وطمأنني ولم أستطع أن أرفض،، وكل ما فعلته أن بكيت بشدة وهو يحتضنني.. لقد كان معي الأب والأخ معاً.

لقد صدق وعده.. وشعرت بالأمان معه.. ولم أشعر بمثل هذا الحنان منذ زمن طويل.. ومع الأمان كان العطاء الكبير الذي امتد على ساحات العالم وما زال يمتد.. والفضل في ذلك لله.. وللأخ الكبير محمد مهدي عاكف الذي يحسن التعامل مع أطياف الناس، يطمئنهم، ويستخرج منهم أقصى عطائهم.

وأصبح أربكان رئيساً للوزراء.. وأصبحنا معاً عاكف وأنا.. مسؤولين عن التجمعات الإسلامية في العالم.. نلتقي مع كل حركة أو حزب أو تجمع إسلامي في العالم.. ندرس أوضاعه، ونتعرف على مشاكله، ونعمل على حلها ما وسعنا الأمر..

ما أجمل تلكم الأيام التي قضيناها في استانبول.. يأتيني عاكف ماشياً فما زال يعتز بفتوته وشبابه وذكرياته.. نلتقي على ساحل بحر مرمرة الجميل نتذاكر في شؤون وشجون المسلمين..

كنت معه في المدينة المنورة قبيل اعتقاله الأخير بسبب حزب الوسط.. حدثني عن الحزب.. وأخبرني بأنه سيعتقل فور عودته.. هؤلاء هم صنّاع الأحداث لا يهربون من المعارك.. بل يواجهونها مع إخوانهم بمنتهى القوة والوضوح.

ويخرج الأستاذ عاكف من السجن.. ونتواعد على اللقاء في مكة المكرمة.. ألا ما أجمل السويعات التي قضيناها في رحاب الحرم.. فما زالت لذائذها تملأ جوانحي.. وما زال الحب الذي ربط قلبينا في أعلى درجات تألقه..

وأخيراً.. أعلنت القاهرة اختيار الأستاذ محمد عاكف مرشداً عاماً للإخوان المسلمين..

فهل أقول أنه اختيار موفق؟ هذا الأمر يعرفه جميع الإخوان على اختلاف مواقعهم ومستوياتهم وأعمارهم..

وهل أقول أنه شديد الاعتزاز بهذه الدعوة المعطاء المباركة؟ إنه تحصيل حاصل يعرفه ضباط السجون.. وقضاة المحاكم العسكرية.. ويعرفه الإخوان في العالم الذي التقى بهم الأستاذ عاكف في تطوافه عليهم.

وهل أقول أنه متفائل.. لا يعرف اليأس ولا القنوط؟ وهذه صفة يحتاجها كل قائد يتصدى للأمر الجلل..

وأخيراً هل أقول أنه يمثل بالنسبة لي الأخ والأب.. ويمثل اليوم المرشد العام الذي نؤدي إليه التحية ونقول له بلغته: حاضر أفندم؟

Share