RSS

رحيل الأستاذ محفوظ النحناح (1941 – 2003)م

12 Sep

(1) رحيل الأستاذ محفوظ النحناح (1941 – 2003)م – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من الجزائر

منذ سنة تقريباً.. والأستاذ الفاضل محفوظ النحناح يصارع المرض الخطير الذي استقر في دمه وفي عظامه.. المرض الذي وصفه الشاعر المتنبي بقوله:

وزائرتــي كأن بها حـيـاء     فليس تزور إلا في الظلام

فرشت لها المطارف والحشايا         فعافتها وباتت في عظامي

كان يصارع المرض بالنشاط والحركة.. وفي بعض الأحيان تتغلب عليه آلامه.. فتهدأ حركته، ولا يشكو.. وكيف يشكو من أصبح مسؤولاً عن حركة؟!

الشيخ محفوظ النحناح

كنت معه في أنقرة.. وكان معنا ثلة من رجالات الفكر والسياسة، كان يخرج من الندوة.. ويغيب أحياناً ثم يعود.. كنت أستغرب الأمر.. وبعد أكثر من سنة أخبرني بأن الآلام كان تضطره إلى مثل هذا الخروج.. حتى لا يلاحظ ذلك أحد.

وأخيراً وفي يوم الجمعة 20 حزيران (يونيو) 2003م جاءنا نعيه على لسان الناطق الرسمي باسم الحركة الأستاذ سليمان شنين، فقد نعى إلى العالم الإسلامي والعربي وفاة الشيخ محفوظ النحناح رجل الوسطية والاعتدال والتسامح.. مشيراً إلى أن رحيل رئيس حركة مجتمع السلم سيترك فراغاً كبيراً على المستويين الوطني والدولي، فهو يتولى منذ العام 1981 منصب مسؤول تنظيم الإخوان المسلمين في الجزائر.

وكان عاد إلى الجزائر الأسبوع الماضي بعد ثلاث شهور من العلاج في فرنسا، فقد تأكد الأطباء استحالة شفائه من مرض سرطان الدم الذي تمكن منه.. فأراد هو وأراد إخوانه أن يموت في بلده.. بين أهله وأسرته.. وبين إخوانه الذين أحبهم وأحبوه.

كانت الجزائر كلها دولة وأحزاباً وهيئات وشخصيات تشهد جنازة قالوا عنها: ثاني أكبر جنازة في تاريخ بلادهم.. الأولى حين أقاموها لرئيسهم الراحل هواري بومدين.. وهذه هي الثانية عندما أقامها الناس والدولة للشيخ محفوظ نحناح ليعيدوا إليه لقباً وتسمية ومهمة انتزعوها منه في انتخابات رئاسية سابقة، فقد ردّد الجميع: رحمك الله أيها الراحل.. فقد عشت شيخاً ومت رئيساً.

ذكرياتي مع الفقيد

وأجدني  – وأنا أقف أمام هذا الحدث الجلل- أقلب أوراق الذكريات الغالية مع الشيخ الرئيس محفوظ النحناح.

التقيته أول مرة عام 1972 في إطار لقاء الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض.. شاباً في الثلاثين (ولد في يناير 1941).. كل ما فيه ينطق: لسانه ورأسه ويداه.. ومنذ كنت وحتى اليوم عندما أحضر لقاءً مثل هذا، أتفرس في وجوه القوم، وأختار واحداً أو أكثر ممن تظهر عليهم علامات الوعي والحركية والتفاؤل.. فأصل أسبابي بأسبابهم.

في عام 1973 كنت في زيارة إلى الشمال الأفريقي بدأتها بالمغرب.. ثم الجزائر.. وعندما أنهيت معاملة الوصول وخرجت.. وجدت الأخ محفوظ يستقبلني فاتحاً ذراعيه.. لا أنسى حرارة ذلك اللقاء وأهميته وفائدته.

ذهبنا في سيارته الصغيرة (الفولكس فاجن) إلى بلدته (البليدة) وهي على مسافة 50 كيلو متراً إلى الجنوب من العاصمة الجزائر، وأقمت عنده في بيت العائلة الواسع الكبير.. كل من يصادفك في هذا البيت يؤكد في ذهنك التدين والتواضع والخلق الحسن.

في طريقنا إلى أحد مساجد العاصمة الكبيرة، لنستمع إلى أحد الدروس التي  اعتاد أن يلقيها الأستاذ محفوظ في العديد من مساجد العاصمة ومساجد البليدة.. هناك جلست أمام النهر المتدفق.. كلمات واعية.. وإيماءات واضحة.. وتوجيه سليم.. وأخوة شباب يلتفون حولنا يسألون الشيخ عن درسه.. وعما بعد الدرس..

واستغربت أن يكون  مثل هذا الطرح الجريء.. والأيام أيام (أبو مدين).. والتوجه اشتراكي علماني.. ويظهر أن شيخنا قرر أن يقول كلمة الحق واضحة، ويعتصم بالحق والصبر مهما تكن النتائج.

وذهبنا معاً إلى مسجد الطلبة في الجامعة المركزية.. وكانت الجامعة هي بداية التحول في البلد كله.. فهي النواة التي تفرعت عنها الاتحادات الطلابية والتجمعات المهنية.. فأصبح الطلاب أطباء ومهندسين ومحامين.. ملأوا الفراغ في المجتمع المدني الجزائري.

الأخ محفوظ (رحمه الله) هو من ساهم في افتتاح مسجد الجامعة، وهو أول من أدى صلاة الجمعة فيه.

في المسجد التقيت بالأخ الدكتور مصطفى براهما.. ربطتني معه الرسائل منذ سنوات، حتى كان لقائي به في مسجد الجامعة.. زرنا سكن الجامعة.. وتحدث الأخ محفوظ وتحدثت بعده.. اللغة نفسها والروح والتوجه كذلك.

في زيارتنا للجامعة.. كانت الأوضاع والمظاهر بعيدة كل البعد عن الشكل الإسلامي.. لباس الطالبات.. حركاتهن مع زملائهن، وهن رائحات غاديات أو جالسات على المقاعد أو مستلقيات في الحدائق.

سألته: الأوضاع صعبة يا شيخنا.. أجابني: ولتعلمن نبأه بعد حين.

اصطحبني الأخ محفوظ إلى لقاء حميم.. حضره جميع قادة العمل الإسلامي من مختلف الاتجاهات: الإخوانية والسلفية والإنقاذية والجزأرة والصوفية وغيرها.. جميعهم كانوا في هذا اللقاء..

لقاء هؤلاء أمرٌ طبيعي.. وخلافاتهم التي تعمقت فيما بعد مفتعلة.. كلفت الدعوة والدعاة كثيراً من العناء والإرهاق والخسائر التي لا تقدر بثمن.

لو اقتصر أعداء الإسلام على مهمة إيغار صدور الإسلاميين بعضهم على بعض، لكفاهم.. فهو الأمر الذي ينهك العمل الإسلامي ويدمر الدعوة والدعاة..

لا أنسى أبداً الزفرات الحرى التي كان يطلقها أخونا محفوظ حزناً على رفيق دربه رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الشيخ محمد بوسليماني، عندما سقط برصاصات على يد بعض الإسلاميين عام 1994. واستغربت الأمر.. فلم يكن يدور في خلدي أن الأخ يمكن أن يقتل أخاه.. وسألت الأخ محفوظ: وهل أنت متأكد أنهم هم الذين قتلوه؟

قال والألم يعتصره: نعم نعرفهم بأسمائهم.. وليس الأمر أمر شهيد واحد بل عشرات.. ونحن نصبر ونحتسب فلا نريد أن نشمت بنا الأعداء.

في هذه السنوات كنت أزور الجزائر مرة في السنة على الأقل، وأستمتع بصحبة وأفكار وأنشطة أخينا محفوظ.. وفي مرة زرنا معاً القاهرة وكنا على موعد مع رجالات الدعوة الذين خرجوا لتوهم من غياهب السجون التي قضوا فيها ما يزيد على عشرين سنة على يد طاغية آخر من طغاة بلادنا.. كانت سعادة الجميع بادية على وجوههم..

الشيوخ سعداء بأن الدعوة التي رعوها، ودفعوا أثماناً باهظة من حياتهم وحياة إخوانهم.. ومن سنوات نفيهم إلى الصحارى في معتقلات الأنظمة من أجلها.. قد أثمرت وأينعت في العديد من البلدان.. والشباب كانوا سعداء فما أعظم أن يلتقي شاب مثلنا(في تلكم الأيام)، مع قيادات شامخة كنا ندرس فكرهم ونتتلمذ على كتبهم.. ونتأسى بصبرهم وثباتهم وتجاربهم..

ما أجمل أن تتضام السواقي مع النهر المتدفق لتشكل جميعاً تياراً عريضاً.. يزداد اتساعاً وعمقاً مع الأيام.

هذه هي مهمة الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية الذي أنشأناه وكنت أمينه العام.. الدعوة في غياب الدعاة.. سألني بعضهم في نهاية اللقاء.. وما علاقتنا بعد هذه البيعة بكم؟ قلت: لقد انتهت مهمتنا.

عام 1975م وبعد مناقشة الميثاق الوطني.. تم اعتقال الشيخ محفوظ النحناح والحكم عليه 15 سنة بعد نشره بياناً بعنوان: إلى أين يا بو مدين؟

ليس محفوظ النحناح وحده الذي حوكم وحكم ظلماً وعدواناً.. بل الأمة بكل أطيافها.. باستثناء الطغاة (أو السوبر باشوات) كما سماهم الكاتب حسين مؤنس.. دخلوا السجن الصغير.. أو السجن الكبير.. وليس أضر بالشعوب من إخافة الناس، وتهديد أمنهم وإهانتهم، وإهدار كرامتهم، وخاصة إذا جاء ذلك كله على يد أولياء الأمر، لأن الشعب يتربى بالقدوة، ويتعلم بالمثل الصالح، فإذا كانت القدوة سيئة.. كانت البلية بلا حدود.

كان لابد من زيارة الحبيب في سجنه.. وسافرت إلى الجزائر مع الأخ راشد الغنوشي.. ولظروف خاصة لم أستطع الوصول إلى أخينا، بل لم يسمح لي بمغادرة المطار، المهم أني قمت بما أستطيع.. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

ما أظلم هذه الأنظمة عندما تمنع الغرباء أن يتبادلوا التحية والمحبة!

ومات بومدين.. وقام استفتاء شعبي على الدستور الجديد في فبراير 1989.. وبإقرار الدستور ألغيت حقبة كاملة من تاريخ الجزائر بكل مكوناتها الاشتراكية والعلمانيـة والديكتاتـورية.. وكان هذا التاريخ يمثل ميلاد الجمهورية الثانية ونهاية احتكار حزب جبهة التحرير الوطني للسلطة لمدة 27 سنة.

في هذه الأجواء.. استعاد المسجد دوره.. وظهرت الحركات الإسلامية قوية تهيمن  على الشارع.. وأفرج عن الشيخ محفوظ بعد قضائه 4 سنوات في السجن..

في لقاء لي معه في الكويت سألته: ولماذا لم تأسسوا حزباً سياسياً.. فالسياسة مواسم وإذا مر الموسم.. فقد لا يعود.. أو قد تتأخر عودته.. قال لي: ليجرب الآخرون الأحزاب.. فالوقت ما زال فيه متسع.. ولم أوافقه ولكني تصورت أن أهل مكة أدرى بشعابها.

في مارس 1989 أنشأ عباسي مدني الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وظهرت جمعية الإرشاد والإصلاح بقيادة الشيخ محمد بو سليماني، وحركة المجتمع الإسلامي (حماس) بقيادة الأستاذ محفوظ النحناح.. وهي الفرع الجزائري للإخوان المسلمين.

واختلطت الأمور.. جبهة الإنقاذ تفوز في الانتخابات البلدية.. وفي المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية.. وكثرت التصريحات التي تعتبر الديمقراطية كفراً.. والتي تهاجم رئيس الدولة الذي فتح صفحة الحريات.. فاغتنمها الجيش فرصة فبطش بالجبهة وزعمائها.. وبرئيس الدولة وأنصاره.

قالوا أن المحنة تكون في الضراء وهي أسهل.. وتكون في السراء وهي أصعب، وكذلك كانت محنة الإسلاميين في الجزائر..

واستطاع الأستاذ محفوظ النحناح أن يتخذ له طريقاً وسطاً.. كان كمن يمشي على سلك مشدود.. الجيش يخشاه والإنقاذيون يتهمونه.. ومع ذلك فقد سار في الطريق الصعب.. لينقذ إخوانه وينقذ الحركة التي أقام بنيانها والتي أصبحت الرقم الأهم في الواقع الجزائري.

لقيته في طرابلس الغرب عام 1990م.. وكان الاجتماع الذي حضرته وفود من أنحاء العالم العربي والإسلامي لمناقشة قضية الاحتلال العراقي لدولة الكويت.. كانت معظم الأصوات تؤيد العراق.. وقليل منها كان مع حق الكويت وحرية أبنائه. ورأيته يزأر كالأسد ويقول: كلكم مهتم بحفظ ماء وجه صدام.. ولا أرى أحداً يهتم بدماء أهل الكويت!

هكذا كانت مواقفه عفه نظيفة شريفة.. مثل أخلاقه العالية الرفيعة.

وترشح الأخ محفوظ النحناح للانتخابات الرئاسية التي أجريت بالجزائر في نوفمبر 1995م، وفاز بالمركز الثاني بعد حصوله على 3 ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة.

يومها كتبت للأخ محفوظ.. وقلت له: أن هذا الذي حصل يدل على أن الإسلاميين على اختلافهم بدأوا يتجمعون.. وكان هذا بفضل سياسة النفس الطويل والصبر الجميل الذي قمتم به.. وهذه الـ25% من الأصوات التي حصلتم عليها تساوي النصر، فـ25% من الأصوات المعارضة أقوى وأهم من 90% مما يحصل عليه قادة بلادنا زوراً وبهتاناً.

وتمكنت الحركة التي يرأسها الأخ محفوظ النحناح من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، حيث شاركت بسبع حقائب وزارية في الحكومة الجزائرية.

وكان للأخ محفوظ النحناح دور كبير في نبذ العنف والإرهاب وإدانته وكرّس مشواره الدعوي منذ أكثر من ثلاث عقود في الدفاع عن العقيدة الصحيحة، وقيم الوسطية والاعتدال.

كان اللقاء الأخير في استانبول في يوليو 2002م، جاء إلى استانبول مع أسرته لقضاء فترة نقاهة بعد آلام مرضه المبرحة ومعالجات طالت.. لم أعرف يومها ذلك.. فقد كانت صلابة المجاهد تغلب عليه.. خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصه.

وإني يا شيخنا محفوظ محزون لفراقك.. ولا نقول إلا ما يرضي الله..

وأنتم يا إخوان محفوظ في الجزائر وخارجها.. أذكروا أخاكم بدعوة صالحة وليس عندي ما أضيف الآن غير قولة المتنبي:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر               فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

رحم الله أخي الوفي الشجاع محفوظ النحناح رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

الكويت 25/6/2003م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 12, 2013 in خواطر حول العالم

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *