RSS

الدكتور إدريس الحاج داوود في ذمة الله

01 Oct

 (3) الدكتور إدريس الحاج داوود في ذمة الله – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من العراق

صرّح مصدر في الحزب الإسلامي العراقي أن الأخ الحبيب إدريس الحاج داوود توفى صباح يوم الثلاثاء في 2 محرم 1427هـ الموافق 31 كانون الثاني (يناير) 2006م إثر نوبة قلبية لم تمهله.. شيع جثمانه في مسقط رأسه في الموصل بين إخوانه ومحبيه.

الدكتور إدريس الحاج داود

ولنا نحن الطلبة الذين كنا ندرس في استانبول في نهاية الخمسينيات مع الأخ إدريس ذكريات لا تنسى.. عشنا في ظلالها سنوات من الأخوة الغامرة، والمحبة الصادقة، والقلوب المؤتلفة، ما أنسانا بلادنا وأهلنا. فقد وجدنا على البعد بلاداً مثل بلادنا.. ووجدنا في إدريس وصحبه أهلاً مثل أهلنا.

كنت أزوره في نهاية كل أسبوع.. فأجد في بيته عدداً من الإخوة، كلهم مثلي جاءوا يشحذون هممهم، ويستمتعون بصحبة أخيهم إدريس.. كان يكبرنا بعدة سنوات.. ولكن نظرتنا لأخينا إدريس لم تكن تأتي من هذا الفرق في السن.. بل كانت مستمدة من أخلاقياته العالية، وتواضعه الجم، وابتسامته الآسرة، وحديثه العذب ينساب هادئاً قوياً، فيملأ جوانحنا بالأمل.. نخرج من جلسته وكلنا يرى الإسلام منتصراً.

ولمدة أسبوع آخر.. وحتى نلتقي بالأخ إدريس.. نشعر أن المستقبل لهذا الدين.. تخرج الأخ إدريس.. طبيباً متخصصاً.. وغادرنا إلى الموصل التي أحبها وكان كثيراً ما يذكرها ويذكر إخوانه فيها.

في أول فرصة لي ، وقد تخرجت وعملت في الكويت.. ذهبت لزيارة أخي إدريس في الموصل.. وجدت الأجواء كما كانت في استانبول.. فقد جمع إدريس إخوانه الذين تخرجوا معه أو بعده.. وأقاموا معاً مجتمعاً مثالياً رائعاً.. مثل ذلك المجتمع الذي صنعناه في استانبول.

يوم كتبت ذكرياتي عن استانبول.. تساءلت: لماذا استطعنا إقامة مثل هذا المجتمع المتحاب المتفاهم المتكافل في استانبول..؟

هل بسبب قيادة أخينا إدريس الرائعة..؟

أم بسبب ايحاءات دار الخلافة..؟

أم بسبب وجود ثلة رائعة تلاقت من مختلف بلدان المسلمين للدراسة في استانبول.. فوجدت القائد.. ووجدت الجنود.. ووجدت البيئة الصالحة..؟

يومها قلت: كلما وجدت هذه العناصر.. يمكن بناء مجتمع مماثل.

وانقطعت بيننا الأسباب.. فلا حديث في الهاتف.. ولا تزاور ولا لقاء.. لقد حالت الأنظمة الديكتاتورية بين الناس أن يلاقي بعضهم البعض الآخر.. اتصال واحد لم يستطيعوا أن يمنعوه.. وهو تواصل القلوب.. وهتاف الأرواح.. ودعاء الأسحار.

ويوم تداعت القوى الصليبية واحتلت العراق.. قالوا: لأن فيها أسلحة دمار شامل يستطيع صدام أن يستعملها ضد أمريكا والغرب.. وهو يحتاج إلى 45 دقيقة فقط حتى تصل هذه الأسلحة فتضرب عواصم الحضارة الغربية! وان صدام على صلة بمواقع الإرهاب الإسلامي في العالم.. وجاءت طائرات الغرب وأسلحته وقنابله التي تزن 8 طن من مادة  ت.ن.ت  تقصف المدن والقرى.. تقتل الناس، وتدمر البيوت على الرؤوس.. وتنهب المتاحف التي تذكرهم بماضينا العظيم..

يومها اكتشف الناس أن ادعاءاتهم كلها كذب ودجل.. فقالوا أخيراً لقد جئنا من أجل الديمقراطية ونشر لواء الحرية.

موضوعنا الذي نكتبه في رثاء أخينا إدريس لا يسمح لنا بالإجابة على ادعاءاتهم الأولى.. ولا الأخيرة.. وإلا لقلت: سحقاً لهم ولحريتهم ولديمقراطيتهم!!

كان قلبي معلقاً في الموصل.. عند إدريس وإخوانه: د.محمود الحاج قاسم، د.عبد الله الرحو، د.بشير حنون، د.عبد الجبار الحسن وغيرهم كثير.

كنت مشفقاً أن يكون أصابهم مكروه.. فالصواريخ الموجهة التي زعموا أنها ذكية ضربت جميع الأقطار المجاورة للعراق.. وضربت كل المدن والقرى العراقية.. عدد العراقيين المدنيين الذين ماتوا تحت وابل ديمقراطيتهم زادوا عن مائة ألف باعترافهم.

كنت في هذا الحديث مع نفسي.. حتى قرأت ما كتبه مراسل النيويورك تايمز الأمريكية الذي زار مقر الحزب الإسلامي في الموصل وتحدث مع د. إدريس الحاج داود أحمد قادة الحزب.. فرحت كثيراً لسلامته.. وأنست بكلماته للمراسل.. كما كنت استمتع بحديثه في استانبول.. زرته مرة فقال لي 34 ولم أفهم، وبعد قليل طرق الباب صديق آخر فرحب به وقال له أنت 35.. ففهمت أنه استقبل اليوم حتى الآن 35 زائراً.. وغداً امتحانه النهائي.

تحدث الدكتور إدريس للمراسل عن الحزب الإسلامي فقال:

لقد قرر الحزب الإسلامي العودة إلى العراق بعد عشرات السنين التي قضاها في المهجر، موضحا أن القائمين على الحزب أعادوا تشكيله ونشره بين العراقيين، خاصة بعد انهيار نظام صدام حسين، وبعد أن رأينا رايات كثيرة لا تمتلك أي قاعدة شعبية تعود إلى العراق.

إننا نختلف عن هؤلاء، فنحن نمتلك قاعدة حقيقية منذ عام 1944 عندما بدأ العمل الإسلامي على يد الدكتور حسين كمال الدين موفد الإمام حسن البنا رحمه الله، لكن حكومة نوري السعيد لم تسمح لنا بأن نطلق على أنفسنا اسم الإخوان المسلمين، لذلك أنشأنا جمعية الأخوة الإسلامية التي قامت بدور ملموس في التربية الدينية للشعب العراقي، وكان على رأسها الشيخان أمجد الزهاوي ومحمد محمود الصواف.

عام 1960 وبعد انقلاب عبد الكريم قاسم، الذي أنهى الملكية وأسس الجمهورية ومكن للشيوعيين، أسسنا الحزب الإسلامي.

ومثل كل الانقلابات العسكرية التي تعد الشعوب بكل الخيرات: ديمقراطية، حرية، أحزاب، وحدة عربية، تحرير فلسطين، عدالة اجتماعية.. وما أن يصدق الناس ويبدأوا بالحديث عن مشاريعهم المستقبلية.. حتى يبدأ النظام بالاعتقالات وبالقتل والسحل ومحاكم الشعب التي تشبه محاكم التفتيش أو أسوأ منها.. ولقد أصاب الحزب الإسلامي الذي تفاعل معه الشعب العربي والكردي، السني والشيعي.. ما أصاب الآخرين.. مطاردات واعتقالات وإغلاق المقرات.. فقد اكتشف النظام المستبد أن هؤلاء الإسلاميين رجعيون وعملاء ومن أعداء الشعب ولا حرية لأعداء الشعب!!

ويتابع الدكتور إدريس فيقول: تم حظر الحزب عام 1961 وفرّ قادته إلى الخارج، فيما بقي الحزب يعمل سراً في الموصل التي تحولت إلى قاعدة مهمة للعمل الإسلامي. لم يستطع حزب البعث، على الرغم من الإرهاب والملاحقات البوليسية التي تعرض لها الأفراد، والإجراءات المشددة التي فرضت على المساجد، أن يقضي على هذا الحزب.. فالإسلام عميق الجذور في نفوس أهل الموصل.

أما مراسل الصحيفة الأمريكية فيقول: عندما زرت مقر الحزب وجدت عدداً من أعضائه يوزعون مناشير وكراسات تدعو إلى الإسلام بالطرق السلمية. ويؤيد الحزب إقامة نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب في البلاد.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي: أن القوات الأمريكية تعي حقيقة وجود هذا الحزب في العراق، لكنها لا تنوي حظره.

وأضاف أن الأمريكيين يرغبون في الحد من تأثير الإسلاميين في الشارع وتقليص نفوذهم، من خلال برامج إعادة الإعمار ونشر الطمأنينة والاستقرار، وتوفير فرص عمل للمواطنين، بالإضافة إلى إشاعة حرية التعبير عن الرأي.

ووفقاً للمسؤول، سيضمحل الحزب الإسلامي العراقي، مع الوقت بعد تشكيل حكومة علمانية ينجذب إليها المواطنون وتكون قادرة على توفير الرخاء.

وينتهج الحزب في المرحلة الحالية أسلوب عمل معتدل شبيه بالأحزاب الإسلامية في تركيا ومصر وباكستان. وينشط أساساً في مجالات العمل الخيري، إذ افتتح في الأيام الماضية عدداً من العيادات الطبية المجانية، وسيّر عدداً من الدوريات الشعبية لمكافحة عمليات النهب والسرقة، ويوزع أنصاره الصدقات على الفقراء والمستشفيات.

وقال مراسل الصحيفة: أن مكتب الحزب في الموصل عبارة عن خلية من العمل الدؤوب، في بحر من الفوضى خلفتها الحرب في المدينة التي انقطعت فيها الكهرباء والماء ولم يعودا إلا قبل عشرة أيام فقط. واتخذ الحزب مقراً له مكاتب اللجنة الأولمبية التي أصبحت رمزاً لنظام صدام والتي كان يسيطر عليها ابنه عدي. وفي الطابق الثاني شاهد المراسل عدداً من الشبان يعملون على أجهزة كومبيوتر وطابعات وآلة تصوير ضوئي (فوتوكوبي) تبرع بها للحزب احد رجال الأعمال في المدينة. وكانت الآلة تعمل بلا توقف لإنتاج المناشير. وينفي مسؤولو الحزب تلقيهم أي مساعدات من الخارج، ويؤكدون أن تمويلهم يأتي من رجال الأعمال المحليين(الحياة نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز (24/4/2003)).

ويسأل المراسل: وماذا عن علاقة الحزب بالقوات الأمريكية؟

ويجيب الدكتور إدريس:

 إن موقفنا من الأمريكيين واضح، نرفض وجودهم على الأرض العراقية، ونعتبر قواتهم قوة احتلال. ونرفض التعاون معهم، ولن نكون في يوم من الأيام طرفاً في الحكومة التي يعتزم الإحتلال تشكيلها.

ونحن متفقون في هذا التوجه مع جميع الفصائل الوطنية والقومية والدينية في الشعب العراقي.

والحكومة الوحيدة التي نعترف بها، ونتعامل معها هي الحكومة المنتخبة من قبل العراقيين تحت إشراف دولي.

وشدد على أن أقطاب حزبه في المهجر لم يشتركوا في أي مفاوضات مع الأمريكيين أوالبريطانيين قبل غزو العراق.

واشتكى أعضاء الحزب من الاستفزازات التي يواجهونها من الجنود الأمريكيين في الموصل. وأشاروا إلى واقعة جرت عندما توقفت دورية أمريكية أمام مقر الحزب وطلبت من الحارس الواقف أمام المدخل وبيده رشاش كلاشينكوف الدخول إلى المقر وعدم الوقوف مع سلاحه خارجه، فيما كانت طائرات هليكوبتر تحوم في السماء(الحياة نقلاً عن نيويورك تايمز (24/4/2003)).

اللقاءات الأخيرة مع الأخ إدريس

في الآونة الأخيرة تعددت بيننا اللقاءت..

في استانبول أكثر من لقاء.. و في الجزائر في إطار ملتقى الشيخ محفوظ النحناح.. وفي الكويت أكثر من لقاء..

كنا كلما التقينا قلبنا صفحات الذكريات.. وتحدثنا في شؤون المسلمين.. كان يريد أن تكون للحزب الإسلامي قناة فضائية تبث من العراق.. فللجميع أقنيتهم.. يريد أن يسمع الشعب العراقي الصوت العريق الأصيل.. ولقد حقق الله حلمه.. فها هي محطة بغداد تبث يومياً ما كان أخونا إدريس يطمح إليه.

رحم الله أخانا إدريس رحمة واسعة.. وإذا ضاقت علينا الدنيا.. فلم تتسع لمزيد من اللقاءات.. فإننا نرجو الله أن نلتقي مع إخواننا الغرباء في جنات النعيم على سرر متقابلين.

أما ماذا قدمنا حتى نطمح لمثل هذا المقام.. فليس عندنا غير ما قاله ذلك الصحابي الجليل عندما طلب من رسول الله أن يكون رفيقه في الجنة.. فسأله رسول الله: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء سوى أني أحب الله ورسوله.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب.

2006/2/19م

Share
 
Leave a comment

Posted by on October 1, 2013 in خواطر حول العالم

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *