RSS

حديث المحظرة عند حاجز المعرفة

21 Sep

 (1) حديث المحظرة عند حاجز المعرفة – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من موريتانيا

كيف يمكن الجمع بين الحقيقة والخيال..؟

وهل الخيال إلا بعض درجات الحقيقة.. فالقضية نسبية وشخصية في كثير من الأحيان. فإذا حدثك أحدهم قبل عصور من الزمان أن بناية شاهقة تتسع لعدة مئات من البشر، أحب سكانها أن يقوموا بنزهة في الفضاء فقامت البناية من مكانها وحلّقت فوق الغيوم وحملت كل ما يحتاجه قاطنوها من طعام وشراب وأمتعة.. هل كنت مصدقه..؟ فإذا طرحت هذه القضية اليوم على طفل في السابعة من عمره.. أجابك: قديمة!… إنها الطائرة.

كثير من منجزات اليوم.. كانت غرائب بل خيالات بالأمس.

وكثير من منجزات الغد.. قد تكون من الغرائب أو الخيال اليوم.

وهكذا الحياة.. قفزة بعد قفزة لا تنتظر أحدا.. ففي شرعتها أن الانتظار ممل بل لا يليق بغير الكسالى.

هذا حديث الأمس واليوم والغد.

ولكن الأغرب من ذلك أن تعيش اليوم في مكانين لا تفصل بينهما غير ساعات من الزمان تنتقل بينهما من الحقيقة إلى الخيال.. في مكان واحد وعلى سطح واحد.. وتسأل نفسك بين الفينة والأخرى لتتأكد من أنك في تمام عقلك ووعيك… وأنك في يقظة كاملة.. وأن الخيال الذي ترى إنما هو واقع لا ريب فيه…!

تسع سنوات عجاف.. استمر شعبنا خلالها ينظر باستمرار إلى أعلى… إلى السماء ينتظر المطر… حتى تحوّلت السماء التي كانت تهب الخير والعطاء، إلى قطعة معدن زرقاء تحليها في الليل قطع بيضاء.. وطال الانتظار حتى نسينا المطر.. بل إن أطفالنا لم يعرفوه..!

هل ترى هذه الجبال من الرمال التي تزحف كالأفعى؟ إنها تقتل كل شيء.. هذه الأشجار العجفاء اليابسة.. كانت قبلا باسقة مترعة.. الأرض التي لا تكاد تستقر كانت خضراء جميلة.. تتقلب بين جنباتها قطعان الماشية.. الغنم والماعز .. بل وتتيه الخيول والجمال في مشيتها كأنها تعلن فرحتها المطلقة في هذه الأرض المعطاء..

هل ترى تلك الفتاة التي تاهت نظراتها.. وقد غطى خمارها معظم وجهها.. لقد تحجّرت ابتسامتها وغاض ماء الحياة من وجنتها.. بل وكادت تنسى وعد حبيبها أن يحضر لها المهر عندما يمتلئ الضرع وتمرع الحياة، كادت تنسى من طول الانتظار..!

هذا الرجل الأشيب.. الذي تلتقط أصابع رجله قطعة صغيرة هي بعض حذاء.. أسماله وخماره ونظراته كلها صورة زيتية رسمها فنان متشائم للتعبير عن الانتظار.. والانتظار الطويل..!

حتى الطريق المعبد تقف على رأسه الجرافات لتعيده من فم التنين بعد أن تغمره الرمال.

جميع الخواطر.. والقراءات.. والخيالات.. ازدحمت في رأسي وأنا أعبر هذه التجربة.. تجربة اجتياز الحاجز حيث تتعانق الحقيقة والخيال.

مرت في خاطري ذكريات (ليوبولد فايس) الذي سمى نفسه محمد أسد، عندما كان يجتاز صحراء الربع الخالي في جزيرة العرب.. وصور جبال الرمال كيف تنتقل من مكان إلى مكان تنشئ واديا وتحدث جبلا وتنسف موقعا.. إذا حولت نظرك من مكان إلى مكان تغير الذي كان..!

ومرت في خاطري في الزمن الأقدم كيف عاشت أمة العرب في مثل هذه الفيافي الملس.. كان أحدهم إذا رأى قطعة من حجر مسحها ونظفها ونظم فيها قصيدة.. أو رأى شجرة عجفاء نصف يابسة تصورها منظرا أخاذا يصلح لموعد غرام يحلو فيه الحديث وتتوه فيه النظرات.. وإذا رأى خمارا ساترا لوجه لم يره تصور قمره بدرا فأخذت قصائد الغزل تخلد ليلى وديارها.

ومرت في خاطري الحكمة التي تولّدها الشدة فكانت حكمة زهير بن أبي سلمى.. والإباء والفروسية والكرم التي تولد مع امتداد الأفق ونفوذ الشمس وقوة الرمال التي تصل الأفق بالأفق فتسده.. وتحجب ما بين الأرض والسماء فتظلمه.. فكان حاتم الطائي وعنترة بن شداد وكانت مكارم الأخلاق على امتداد الساحة.. القفراء القاسية.

بل ومرت في خاطري الحكمة المطلقة.. الوحي.. يتدفق من العناية الربانية إلى موسى عليه السلام من جانب الطور الأيمن في صحراء سيناء.. وإلى الأمين محمد صلى الله عليه وسلم من جانب الغار الأنور الأعلى في صحراء العرب.

خواطر كثيرة تتزاحم.. عندما قطعها مرافقي وسأل.. كيف ترى؟.. لقد اقتربنا من الهدف..

كنا في طريقنا إلى (النباغية) إحدى أشهر (المحاظر) في بلاد شنقيط التي أطلقوا عليها موريتانيا في العهد الجديد. وبلاد شنقيط أو موريتانيا هي المنطقة الممتدة من بلاد المغرب إلي بلاد السنغال، فجمع شعبها بين السمرة التي أخذوها من العرب.. وبين السواد الذي ورثوه عن أفريقيا.. وأحاطهم البحر المحيط الأطلسي بمياهه كالسوار.. في النقطة نفسها التي وقف عندها القائد المجاهد عقبة بن نافع رضي الله عنه وقال قولته المشهورة: (والله يا رب لولا هذا البحر لمضيت مجاهدا في سبيلك).

امتاز أهل شنقيط عبر التاريخ بشدة البأس، والقوة، والعلم، والحكمة.. وزادهم بأسا الإسلام الذي وفد إلى بلادهم فاتحا وهاديا في النصف الثاني من القرن الأول الهجري. عندما فتح المسلمون هذه البلاد، كان سكانها البربر شديدي المراس.. كلما فتحت بلادهم مرة انقلبوا على الفاتح وأعلنوا تمردهم.. حتى إذا دخل الإسلام قلوبهم.. صاروا الجند الأكثر إخلاصا للإسلام.. في بلادهم قامت دولة المرابطين.. ودولة الموحدين.. وكلتا الدولتين حاولتا نجدة المسلمين في الأندلس فأنقذتاهم المرة بعد المرة قبل أن يقعوا نهائيا في أيدي الأسبان.

والمحاظر جمع (محظرة) جامعة مصغرة يفد إليها طلاب العلم من جميع أنحاء موريتانيا ومن خارجها في بعض الأحيان، فهم لا يعترفون بهذه الحدود، فعدوى الجاهلية لم تصلهم بعد.. وعلى بابها يلقون رحالهم.. يدخلونها أبناء عشر ويخرجون منها وهم أبناء عشرين أو ثلاثين يحفظون القرآن ويدرسون علومه.. والحديث والفقه على مذهب الإمام مالك والنحو والصرف والشعر والنثر ولا يتركون بابا من أبواب المعرفة إلا ويتقنوه. يعيش الطالب بين زملائه وأساتذته حياة إسلامية بسيطة، يقرأ ويكتب وينام ويأكل ويلبس، وليس في جيبه أحمر ولا أصفر، فقد أممت محاظر موريتانيا العلم ووفرته للجميع تأميما أورث العلم والفضل، وليس كتأميم الزعماء لم يورث سوى افقر والجهل والمرض.

وإذا كانت أوضاع المحاظر، صفوفها وأساتذتها وطلابها، في حال من الفقر والضيق المادي لا مثيل له، إلا أنه فقر بالتساوي، تماما مثل فعل الأشعريين.. جمعوا ما لديهم في إناء ومدت إليه جميع الأيدي.

الحديث عن المحاظر يظنه السامع أو القارئ حديث خرافة أو طرفة.. وما درى هذا أنه حديث فصل وما هو بالهزل.. فمن هنا تخرج العلماء.. ومن هنا قام الشعراء ولم يبالغ من قال إن شنقيط هي بلاد المليون شاعر.. من هنا انتقل طلاب العلم ليدرّسوا في الجامعات.. بل وليتسلموا قيادة جامعات عصرية من هذه التي يكثر عددها ويقل شأنها وأثرها.

قال مرافقي: لقد أوشكنا أن نصل.

ولم ينعكس قوله على وجهي بأي أثر فقد كان يلقي عليّ عبارته تلك كلما أحس في وجهي الضيق من طول الطريق ووعثاء السفر.. ولكنه كان جادا هذه المرة ووصلنا بالفعل إلى (محظرة النباغة).

وهنا أدركت الزمن يختصر نفسه، يجمع أجيالا ويلغي آمادا، يبرز الماضي في حضرة الحاضر، وإذا الحقيقة والخيال أمر واحد، جمعتهما همة الرجال العظماء في قلب الصحراء، فصنعوا بدون وسائل ولا أسباب المعجزات… هذا حديث المحظرة كما رأيته عند حاجز المعرفة.

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 21, 2013 in خواطر حول العالم

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *