RSS

القذافي ينسحب من الجامعة العربية

09 Sep

(3) القذافي ينسحب من الجامعة العربية – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من ليبيا

صرح العقيد القذافي لوكالة (فرانس برس) فقال: لقد تخليت عن الشأن الليبي نهائياً. وسأتفرغ لمهمات استراتيجية ودولية في محاولة لإخراج العالم الإسلامي من قفص الاتهام والحيلولة دون قيام حرب صليبية جديدة.. وأعلن أنه يسعى لتشكيل تجمع إسلامي عالمي على غرار تجمع جوها نسبرغ (قمة الأرض) على أن لا يكون مقتصراً على الحكومات وقادة الدول الإسلامية، بل تتواجد فيه فعاليات العالم الإسلامي والعربي.

معمر القذافي

وأضاف أن المهمة الأخرى التي سأتفرغ لها هي الفضاء الأفريقي، وهي مهمة غير سياسية، سأحاول ربط النهر الصناعي العظيم في ليبيا مع الأنهار الطبيعية الأفريقية من النيل إلى بحيرة تشاد، وتحويل الصحراء إلى جنة(الحياة 5/9/2002م).

وإذا كان القذافي بصدد مراجعة سياساته وأفكاره وتجاربه فلا بأس أن نقف على بعض محطاتها.. فهي محطات مشتركة لا تخص ليبيا وحدها.. ولكنها تخص جميع الدول الثورية التي وصلت إلى السلطة على ظهر دبابة..!!

وإذا كانت المرحلة التي تمر بها الدول العربية والإسلامية، مرحلة عصيبة فمن المناسب أن نتناول قضايا هذه الأمة بشيء من التوضيح.

القذافي والوحدة العربية

من المعروف أن القذافي الذي قام بانقلابه العسكري في الأول من سبتمبر عام 1969.. والذي باركه زعيم القومية العربية جمال عبد الناصر الذي كان خارجاً من هزيمة عام 1967 أمام إسرائيل.. فقال له: أرى فيك شبابي.. وبعد سنة من مقولة عبد الناصر هذه.. توفي زعيم القومية العربية.. فتسلم منصبه العقيد القذافي..

نادى بالوحدة.. ولم يترك بلداً عربياً إلا وحاول أن يتحد معه.. مع تونس، والمغرب، ومصر، والسودان. كانت فلسفته في الوحدة.. أن ليبيا فيها الزعيم وأرصدة البترول.. فكان يحتاج شعباً كبيراً يحكمه.. وفشلت بالطبع كل هذه التجارب وانقلبت في كثير من الأحيان إلى مآس وحروب.. كما حصل بين مصر وليبيا.. ومع الزمن أدرك القذافي أن فكرة الوحدة مع الأقطار العربية تحتاج نوعاً آخر من المبادئ والظروف والزعامات.. فقلب صفحتها.. وصرح في أيامه الأخيرة.. أن ليبيا لا تستطيع التعلق بعواطفها مع العرب.. وان الجامعة العربية لا معنى لها.. فهي ذليلة وفاشلة ولا تساوي شيئاً، وأنه قرر الانسحاب منها.. وأصرّ على موقفه رغم زيارة الأمين العام للجامعة السيد عمرو موسى والرئيس مبارك إلى ليبيا.

وحاول القذافي – شأنه شأن جميع القادة الثوريين – أن يستغل القضية الفلسطينية.. فتدخل بالمال والسلاح مع الفصائل الفلسطينية المتواجدة في لبنان.. ولكنه انتهى في آخر المطاف إلى اتهامه بتصفية الإمام موسى الصدر الذي مازالت قضيته مفتوحة حتى اليوم.. وإخراج الفلسطينيين الذين يعملون في ليبيا وتركهم بالصحراء على الحدود المصرية، مع أسرهم وأطفالهم بحجة اعتراضه على اتفاقيات أوسلو.. وكأن الشعب الفلسطيني هو المسؤول عن انحرافات زعمائه.. ومن أجل تحرير القدس.. وآخر إنجازاته في القضية الفلسطينية هو دعوته لتشكيل دولة إسراطين!! بين إسرائيل وفلسطين.. وأرسل وفداً من عملائه لزيارة إسرائيل!!

وكان القذافي شديد الاهتمام بالثورة التحررية العالمية.. فهو مع كل فريق يناهض الاستعمار.. يقدم لهم المال والسلاح.. وأخيراً اتهموه بنسف الملهى الليلي في ألمانيا، وبتسليح الجيش الجمهوري الإيرلندي، وبإسقاط الطائرة الفرنسية (يوتا) فوق صحراء النيجر عام 1989، وإسقاط طائرة البان أمريكان في لوكربي عام 1988.. وردّت أمريكا على تصرفاته بهجوم جوي على ليبيا.. وبفرض الحصار عليها.. وها هو بعد هذه التجارب الثورية يصرّح بأن بلاده ستنصاع من الآن فصاعداً للشرعية الدولية التي احتجت عليها لفترة طويلة، واعترف بانه لا يمكننا إلا أن نستسلم للشرعية الدولية مهما كانت مزورة من قبل أمريكا وإلا سنداس بالأقدام. ولقد اضطر إلى دفع تعويضات تقدر بعشرة ملايين دولار للفرد الواحد من ضحايا طائرة لوكربي.

ردة الفعل هذه.. هي من نوع الفعل.. وإذا كان الفعل متهوراً. فإن ردة الفعل ستكون على نفس المستوى من الإسفاف والهوان.

ونقل القذافي احلامه من الوحدة العربية إلى الاتحاد الأفريقي.. الذي أعلن عن قيامه في دربان في جنوب أفريقيا في 9 يوليو 2002م.

كان القذافي يحلم بأن تستضيف ليبيا مقر الاتحاد عوضاً عن اديس أبابا العاصمة الإثيوبية.. وأن تعقد قمة إعلان الاتحاد على أرضها فهو أول من نادى بهذا الاتحاد.. وان تستضيف البرلمان الأفريقي.. فهل سينجح القذافي في أفريقيا فيما أخفق فيه في العالم العربي..

هل سيتذكر الأفارقة حربه في تشاد واحتلاله الشريط الحدودي (اوزو) الذي قيل انه غني باليورانيوم؟ وهل سيتذكر الأفارقة تفاهماته مع فرنسا على حساب حركة تحرير تشاد (فرولينا) وتصفية قياداتها التي كانت تنطلق من ليبيا بحماية الملك إدريس السنوسي؟

لا أعتقد أن الأمر سيغيب عن الأفارقة.. ولقد حملت صحيفة ميكروري الصادرة في جنوب أفريقيا على القذافي ووصفته بالديكتاتور الذي يبغض الديمقراطية.

أما تفرغ القذافي للمهمات الاستراتيجية، وتخليه نهائياً عن الشأن الليبي.. فهذه فكرة قديمة جديدة!

أثناء حرب الخليج الثانية.. حضرت مؤتمراً عقد في طرابلس الغرب لمعالجة هذه القضية.. وعلى العشاء كنت مع الأستاذ نجم الدين أربكان والأستاذ محمد أحمد الشريف رئيس جمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا وعدد من الضيوف..

سألت الأستاذ الشريف وهو من المقربين للعقيد القذافي: ماذا تفعلون حتى تتجنبوا المصير الذي آلت إليه الحكومات الثورية باعتمادها على أجهزة المخابرات وقمع المعارضة وفتح السجون لكل من يتكلم ضد السلطة.. فأجاب: ليس عندنا سلطة، الحكم عندنا للشعب..!!

فتفرغ القذافي للمهمات الاستراتيجية هو ادعاء قديم.. والسلطة للشعب في داخل ليبيا ما زال الكثيرون يعتقدون أنها مجرد ادعاء.. وأن كل شيء في ليبيا هو بيد قائد الثورة.. والمراقبون يتساءلون: لماذا لم تتضمن الموازنات الصادرة عن الحكومة الحجم الفعلي لعائدات الجماهيرية من النفط، ولا مردود الاستثمارات الخارجية، ولا صادرات ليبيا من البتروكيمياويات..؟

وإذا تفرغ القائد للشؤون الخارجية.. فلمن سيعطي هذه الصلاحيات..؟ الأمر في مجمله مجرد شعارات تستر مواقف لا تمت للديمقراطية أو الحرية أو الشفافية بصلة.

وتطرق القذافي مؤخراً إلى أن السجون في ليبيا ستكون فارغة اعتباراً من هذا العيد (يقصد عيد الانقلاب) باستثناء مجموعة من الزنادقة.. ويقصد بالزنادقة الإخوان المسلمين.. الذين يعتبرهم عملاء الأمريكان.. وكل من يحتاج الإطلاع على وثائق عمالتهم.. فليحضر إلى مكتبه في مجلس قيادة الثورة..! عندما حدثنا في المؤتمر الذي عقد بمناسبة حرب الخليج بهذه التفصيلات.. قلت في نفسي: من يقول أن القذافي تحرسه دولة المخابرات.. ما دام بإمكان أي صديق زيارته في مكتبه؟!

القذافي يهوى التجديد.. فالشهور أعاد تسميتها.. والتقويم الهجري يبدأ من تاريخ وفاة الرسول.. وإذا لم يعجب الناس في ليبيا كتابه الأخضر فهو على استعداد لتطبيق الكتاب الأحمر.. شيء واحد.. اتفق فيه القذافي مع بقية الثوريين.. فهو يهيؤ أبناءه ليكونوا ملوكاً في المرحلة القادمة!!

مطار طرابلس الغرب 6/11/2002م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 9, 2013 in خواطر حول العالم

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *