RSS

رسالة من أعماق السجون في ليبيا

05 Sep

(2) رسالة من أعماق السجون في ليبيا – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من ليبيا

قرأت الرسالة التي بعث بها عدد من المعتقلين في سجون ليبيا.. والتي نشرتها مجلة (المسلم) لسان حال الجماعة الإسلامية في (ليبيا).

تقول الرسالة: من داخل السجون ومن تحت الآرض نكتب إليكم رسالتنا هذه، لعلها تصل إلى من يكون سببا في إنقاذ أخوانا له يعانون من كرب شديد وآلام مبرحة، ويقاسون العذاب والضرب المبرح والهوان. ها هي سنة تمر ومعها بضعة أشهر ولا ندري أيعلم بنا أحد أم لا. آلاف الشباب المسلم سجنوا منذ 15 يناير 1989 ولا أحد من أهليهم وأقاربهم يعلم عنهم شيئا. هنا نلاقي الذل والهوان والتعذيب من قبل زبانية القذافي الذين جبلوا على كراهية الإسلام وأهله.

أخواننا، وتزداد جراحنا غورا ودموعنا انسيابا عندما نرى، وعلى الهواء مباشرة بعض القيادات الإسلامية التي تحضر مؤتمرات القذافي وهم يصافحون تلك اليد التي ما زالت تقطر من دماء المسلمين.. بل والأدهى من ذلك أن هؤلاء القادة يصلون خلف القذافي.

لقد كان الزبانية يقولون لنا.. انظروا إلى مشايخكم كيف يجلسون مع القائد وكيف يصلون خلفه!!

ماذا فعل هؤلاء القادة؟

وأي جرم اقترفوه في حق المسلمين عامة وفي حقنا خاصة؟

قرأت هذه الرسالة المؤثرة.. وأنا وإن كنت لا أعرف أسماء هؤلاء الشباب ولم أتشرف بالنظر إلى وجوههم النضرة.. ولكني أعرفهم جيدا.. إنهم صنف واحد من الشباب النظيف الذي آمن بسمو دعوة الإسلام وعظمتها، وأعتقد أنه بالإسلام وحده يستطيع أن يجلب الخير لأمته والسعادة لشعبه.. وآمن كذلك أن الله يوم خلق الإنسان كرّمه وحرّره فلم يتردد يوما أن يتحدث بما يعتقد أنه الحق.. فإن أصاب حمد الله، وإن أخطأ، ففي مجال الحوار الهادف البناء متسع للتراجع والتصحيح. ولكن أنى للجبابرة المتألهين أن يسمحوا بذلك.. فقد قننوا الأفكار وتولوا زمامها.. وصادروا الحريات وأعطوها لمن يشاؤون بمقدار.. وطالبوا الشعوب بأن لا يتوقفوا عن الشكر للزعيم  الملهم الذي يفكر بالنيابة عنهم.. بل ويتصدى للإصلاح العالمي والأممي.. فما عليهم إلا أن يضحوا في سبيل هذه الغاية العظمى.. وبالرغم من أني لم أشاطر هؤلاء الشباب أماكن إقامتهم.. ولم أتعرف على كيفية معاملتهم.. إلا أن ذلك معروف تماما.

فالزنزانة الانفرادية.. والتعذيب الوحشي الذي لا يمت للبشرية والإنسانية بصلة.. والمعاملة المهينة.. التي لا تقرها شرائع الأرض أو السماء.. ولا يقبلها إنسان تجري في عروقه دماء الآدمية.. هذه هي أماكنهم.. وهذه هي طريقة التعامل معهم.. نعرف هذا ليس في سجون ليبيا فقط.. ولكن في جميع سجون بلدان العالم الإسلامي.. خاصة من ابتلي منها بالثوريين..

أما لماذا أوجه اليوم هذه الرسالة لإخواني الشباب في سجون ليبيا فلأني كنت واحدا من هؤلاء المدعوين لحضور مؤتمر جمعية الدعوة ومؤتمر القيادة العالمية الإسلامية.. التي نصّبت القذافي قائدا لها.. بل ولربما القائد الأوحد للعالم أجمع..

وعلى الرغم من أنني لم أسكت عن خطأ قالوه، أو منكر أتوا به، ولكنني أعترف أن مثل هذه اللقاءات لا يستفيد منها بالأصل إلا من دعا إليها.. أما قراراتها فمهما عظمت فلن تكون أكثر من حبر على ورق.

ولم يلجأ هؤلاء الحكام إلى مثل هذه المؤتمرات.. إلا لأهداف خاصة بهم..

ولم يتعود قادة العمل الإسلامي حضور مثل هذه المنتديات، ولم يحضروها إلا وأحدثت ندبة في قلوبهم وعقولهم.. يناقشون كل شيء بعيد.. وينسون قضايا أمتهم الحقيقية ومنها وجود إخوانهم في زنازين القائد.. وأنى لأصوات هؤلاء المعتقلين الضعيفة أن تصل إلى المؤتمرين من خلال الزنازين التي لا منافذ لها أو من خلال نوافذ الفنادق المحكمة الإغلاق!

عندما تهبط في مطار طرابلس.. تشعر بكثافة المخابرات التي تحصي على القادم حركاته وسكناته.. وإياك إياك أن تكون أحضرت في محفظتك بعض الكتب الإسلامية فأرض الجماهيرية لا تقبل مثل هذه الزندقة!!

تسير في الطريق الذي غالبا ما يوصلك إلى الفندق الذي تزين كتفه مجموعة كبيرة من النجوم فلا ترى إلا تماثيل القائد.. تمثالا له وهو قائم وآخر له وهو جالس.. هذا تمثال كبير وغيره صغير.. هنا يتكلم القائد.. وهنا يبتسم.. وهنا يضع حجر الأساس لأعظم جماهيرية عظمى في العالم.

إن كنت في غفلة عن الرقيب فلا يمكنك إلا أن تبتسم وتسخر من عقلية هؤلاء الذين رفض الشعب أن يعترف بعظمتهم.. فنحت لهم البناؤون عظمة من أحجار صماء.

ولم يكتفوا برفع صور الزعيم.. بل ورفعوا شعاراته الخالدة!

لا نيابة عن الشعب والتمثيل تدجيل.. والمجالس النيابية تزييف للديمقراطية.. وما للشعب والديمقراطية والحرية أفلا يكفيه أن منّ الله عليه بقائد ملهم.. ألهم الجماهير رشدها وجاءها بما لم تأتها به حتى الرسالات السماوية.. إن المجالس النيابية تزييف والتزييف حرام.. أما السجون فهي التي تستوعب أعداء الشعب.. ولا حرية لأعداء الشعب.

من تحزب خان.. فلا يصح أن يلتزم المناضلون بالأحزاب.. فالأحزاب تطالب بالتغيير وهل يصح التغيير في دولة الجماهير؟!

الاستفتاء تدجيل على الديمقراطية.

لا ديمقراطية بدون مؤتمرات شعبية.

اللجان في كل مكان.. الديمقراطية رقابة الشعب على نفسه.

شركاء لا أجراء.. البيت لساكنه.

لوحات وشعارات لا حصر لها.. تحمل كلمات جوفاء.. عبّر عنها أحد إخواننا الذين حضروا المؤتمر معنا فقال: (إن هناك شعارات مرفوعة ركيكة الصياغة فارغة المعنى.. ومع ذلك يظنها البعض بعض التنزيل.. أو الاحكام الحاسمة لإصلاح العالم).

إن أحوال ليبيا ليست بدعا عن أوضاع العالم الإسلامي وليس مصادفة أن المسلمين من بين خلق الله أجمعين.. يحكمهم حكام ديكتاتوريون يتكلمون عن الحرية.. وجهلاء يتكلمون عن الحكمة.. أفقروا شعوبهم وأذلوها.. بينما أعداؤنا الذين ما زالوا يسيطرون على أرضنا ومقدراتنا يضحكون بملء أشداقهم مما نحن فيه.. يصح فينا قول الشاعر:

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.

فهل ينتبه هؤلاء الحكام إلى أنفسهم.. ويعيدوا تقييم مواقفهم.. فيعيدوا للشعب حريته.. ويتجاوزوا فكرة القائد الملهم والأوحد والدائم؟!

طرابلس الغرب 14 أكتوبر1990م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 5, 2013 in خواطر حول العالم

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *