RSS

المنتدى الدولي للشهيد محمد بو سليماني

16 Sep

(3) المنتدى الدولي للشهيد محمد بو سليماني – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من الجزائر

الشيخ محمد بوسليماني

دعيت للمشاركة في المنتدى الأول للشهيد محمد بو سليماني في مدينة البليدة في الجزائر خلال الفترة (1-2) فبراير 2006م. وكان لابد من الاستجابة لهؤلاء الأخوة الذين ارتبطنا بهم في وقت مبكر.. وتبادلنا معهم  أنخاب الحب الخالص.. الحب في الله الذي ربطه رسولنا العظيم بالإيمان، فقال: (لن تدخلوا الجنة  حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا).

وما أن استقر بنا المقام في أحد فنادق العاصمة.. حتى كانت السيارة تنتظرنا لنذهب إلى الملتقى. وفي الطريق إلى البليدة التي تبعد عن الجزائر العاصمة حوالي 50 كيلومتراً.. تركت نفسي مع الذكريات تتقلب صفحاتها.. وهي وإن مر على بعضها قرابة ثلث قرن من الزمان إلا أنها ما زالت حية حاضرة في نفسي، أشعر بأنفاس أخي محفوظ الحرّى، وتلهفه على العمل الإسلامي أن ينهض ويتقدم ويأخذ بزمام الأمور كما كان الحال يوم انطلقت حركة الجهاد باسمه.

وتصورت أنني معه في سيارته الفولكس فاجن الصغيرة متجهين من المطار إلى البليدة.. يقودها بشيء من العصبية، كأنما يريد أن يسابق مع سيارته الصغيرة الزمن.

وفي البليدة نزلنا في بيت العائلة الكبير.. أنت في بيته كأنك في الريف الجزائري.. أشجار من كل نوع، وورود من كل لون.. يومها قال لي أن أصل تسمية البليدة هي الوريدة أي مدينة الورود.

أسبوع قضيناه كأنه دهر.. قضيناه مع إخوان البليدة ومنهم الرجل الشهيد الذي نحتفى بذكراه اليوم.

قد يمر الدهر على الإنسان التائه فلا يُشعر به.

وقد تمر السويعات المضمخة بعطر الإيمان.. تعيشها وكأنك في كهفها إلى الأبد.

هل رأيت لحظات لقاء المؤمنين بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم على الصفا.. هل استطاع بلال أن ينساها رغم التعذيب والاضطهاد والإرهاق والإذلال.. كان الطاغوت الذي يعذب بلالاً يتمنى أن يسمع منه كلمة واحدة تستعطفه.. ولم يكن بإمكان لسان بلال أن ينطق بكلمة أخرى غير أحد أحد.. فما زالت لحظة بيعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرة معه.

في المسجد

في اليومين التاليين استمعنا في أحد مساجد العاصمة إلى محاضرة ألقاها الشيخ محفوظ.. الجمل نفسها، والتعابير والروح والتجاوب ذاته.. يا سبحان الله ما هذا الإسلام الذي يجمع الناس على اختلاف مواقعهم وبلدانهم ولغاتهم.. يتحدثون بهمٍّ واحد ولسان واحد.. كأنهم أخوة من أب وأم واحد.

في الجامعة

وفي إحدى الأمسيات قضيناها مع شباب الجامعة.. كلمات وأسئلة وحوار.. والكل يتطلع أن ينطلق بالإسلام، فيركز رايته في أعلى مكان في جبال الجزائر، يراها كل عالي الهمة، يستشعر المسئولية تجاه هذا الدين.

وإذا كان إخواننا قادة العمل الإسلامي في الجزائر.. قد اختاروا المسجد.. فلأنه المنطلق الذي اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبلغ دعوته.. فالمسجد محضن تربية.. وقاعة درس وحوار.. ومركز اتخاذ القرار.. هو كل شيء في حياة الأمة.

ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامته في المدينة بمجرد أن وطئت أقدامه أرضها.

إذا أهمّ المسلمين أمرٌ.. نادى بلال: أيها الناس، الصلاة جامعة.. وعندما هرعت إحدى النساء.. قالت له زميلتها: إنه ينادي الناس، قالت: وأنا من الناس. الكل معني بالنداء الصادر من المسجد: الأب الشيخ، والابن الفتى، والطالب والطالبة، ولسان حالهم جميعاً يقول: كلنا من الناس.

أما الجامعة.. فهي جزء من المسجد.. كانا معاً يوم كان المسجد يقوم بكل دوره.. وعندما لعبت ثقافات الغرب برؤوس الحكام.. وقالوا: المسجد للصلاة.. والجامعة للعلم المجرد.

ويحاول اليوم قادة العمل الإسلامي في الجزائر.. أن يقربوا الجامعة من المسجد، حتى تعود جامعاتنا مرة ثانية شامخة وعلومنا رائدة كما كانت يوماً في قرطبة، واشبيلية، وبغداد، والقاهرة، ودمشق، واستانبول، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة.. تنطلق من المسجد.. تجمع بين الإيمان العميق.. والعلم الوثيق.. والأصالة المتفردة.

ألوان الطيف في الجزائر

وفي يوم آخر جلسنا مع كل ألوان الطيف الإسلامي الجزائري.. هل سمعت بكل الأحزاب السياسية والجمعيات الإسلامية والشخصيات الإسلامية في الجزائر.. في ذلك اليوم التقينا معهم جميعاً.. ما كانوا يومها يحملون شارات أحزاب.. ولم تكن لديهم بطاقات تضعهم في هذه الجمعية أو تلك.. كلهم دعاة إلى الله يجمعهم الحب في الله.. ويحدوهم أمل واحد هو ذاك الذي هتف به محرر الجزائر ابن باديس:

شعب الجزائر مسـلم        وإلى الـعروبة ينتـسب

من قال حاد عن أصله     أو قـال مات فقد كـذب

أو رام إدماجــًا لـه          رام المحال من الطـلب

الشهيد بوسليماني

لقد أكثرنا الحديث عن الجزائر.. ونحن لآن بحضرة أحد قادتها الشهيد محمد بو سليماني في المؤتمر الذي أقيم لأجله.. وإذا كان هذا الحديث يصح بالنسبة للجزائريين.. فهم يعرفون بطلهم الذي  ولد في البليدة يوم 5 مايو (أيار) عام 1941.. كان والده سليمان متأثراً بالحركة الإصلاحية والشيخ الطيب العقبي علي الخصوص. شب الشهيد وسط عائلة قدمت 14 شهيداً، منهم أخوه أحمد خريج الكلية العسكرية في العراق. وعندما قامت ثورة الجزائر في أواخر الخمسينيات.. كان من رواد العمل الجهادي الذي انطلق باسم الله وباسم الإسلام لتحرير الجزائر من رجس الاستعمار والاستعباد والاستيطان الفرنسي.

أما الإخوة خارج الجزائر.. فننقل لهم ما تحدث به الأخ محمد بو سليماني فقال:

نحن الآن في بلد مستقل، نضع أسساً ومعالماً لمتابعة الدعوة الإسلامية في الجزائر حتى نصل إلى المستوى المنشود. بدأنا بدراسة بعض الكتب الدعوية. وكان على رأس هذه الكتب التي أعادت لنا حقيقة الصورة المشرقة للإسلام، كتب الشيخ محمد الغزالي، وبعدها بدأنا نقرأ كتب سيد قطب، وهي الكتب الأساسية التي فتحت أذهاننا على الدعوة الإسلامية وعلى الفكر الإسلامي الأصيل، وعلى فقه الدعوة الذي كان بعيداً عن الأذهان في هذا البلد، وبدأنا بوضع ما نسميه خططاً لمواجهة ما ينشر من بذاءات واتهامات ضد الإسلام والحركة الإسلامية، في وسائل الإعلام المختلفة المسموعة والمقروءة والمرئية. ووجدنا أن المنبر الأساسي الذي نستطيع منه أن نسمع صوت الحق هو المسجد.

يقول محمد بو سليماني(زهرة من باقة الشهيد محمد بوسليماني- يحيى دوري، ص- (18-23)): خلال الفترة من عام 1962 إلى عام 1965 عملت مدرساً في مدرسة بوادي العلائق القريبة من مدينة البليدة، وحصلت على نقطة التفتيش الأولى على مستوى أربع ولايات.. هذه الدرجة خولت لي أن أعين من طرف وزارة التربية للقيام بتعريب الإدارة.. فكانت أول تجربة لمدرسة ابتدائية مديرها معرب. والمدرسة كانت بالبليدة في قرية بوعرفة اسمها مدرسة الهداية.

وبعد حصولي على الليسانس في الأدب العربي انتقلت إلى التعليم الثانوي في ثانوية ابن رشد في البليدة.. ثم انتقلت مديراً لثانوية الفتح للإناث.

لم يكن في المدرسة فتاة محجبة واحدة.. عملت على إيجاد قاعة للصلاة.. وطلبت من الطالبات أن يصلين.. بعد شهرين احتجبت ثلاث فتيات.. وبعد ذلك بدأ اللباس الإسلامي ينتشر في هذه الثانوية.. ثم في الثانويات الأخرى.

لقد كانت بدايتنا من المدرسة.

ثم انتقلنا إلى المسجد.. وبدأنا الدعوة في حلقات ودروس مسجدية، حاولنا فيها أن نبين للناس معنى الإسلام الشامل الذي يتناول مظاهر الحياة جميعاً.. وبدأ الناس يتفاعلون.. وكانوا من قبل يعجبون من طرحنا ويتساءلون: هل للإسلام علاقة في البيع والشراء.. ما دخل الإسلام في الزواج.. وفي السياسة ونظام الحكم…؟!

استخدمنا في دعوتنا الكلمة الطيبة.. والأسلوب الهين الذي حدده لنا ربنا: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).. وكانت البداية عام 1963 بُعيد الاستقلال مباشرة.

وسقط النظام الأول.. وجاء نظام بومدين، وفيه كان الهجوم السافر على الإسلام، ورموز الإسلام، والقرآن والسنة، وطلب من الشعب الجزائري أن يقبل الإشتراكية.

وبدأنا نبحث عن أحسن الأساليب التي تجعل الشعب الجزائري يرفض ما فرض عليه..

وفي عام 1976 فرض النظام دستوراً مفصلاً على مقاس الحكم واشتراكيته، وأعلن ما يسمى بالميثاق، وتم انتخاب رئيس الجمهورية وفقاً لهذه الإجراءات..

ماذا نفعل..؟

هل نسكت..؟ وماذا سيقول الناس وهم ينظرون إلى الشعب المجاهد الذي حرر الجزائر بدمه، ودفع أكثر من مليون ونصف المليون من الشهداء الذين جادوا بدمهم لتحيا الجزائر؟

وفي عام 1982 حدث شجار في الجامعة بين الإسلاميين والشيوعيين، أسفر عن مقتل شاب من الشيوعيين، وكان من بلاد القبائل، وتحول الشجار إلى معركة يخوضها اليساريون بكل ما يملكون من أسلحة يهاجمون الإسلام ودعاة الإسلام..

إلى أين يا بومدين؟

وترجح عندنا أن نقوم بعمل ما.. نتصدى به لهجمة الكفر.

عرضنا الأمر على إخواننا في الجامعة، فمنهم من رفض الفكرة.. ومنهم من اعتذر عن المشاركة.. وبعض الجهات قبلت رأينا.. وكان منهم الشيخ سحنون والشيخ عبد اللطيف سلطاني وغيرهم..

وبالاتفاق مع هؤلاء الإخوة كتبنا بياناً بعنوان: إلى أين يا بومدين؟.. تناول البيان ردوداً موزونة واضحة على كل الخلل الذي جاء في الميثاق والدستور.. ومما جاء في البيان:

    * لابد من الرجوع إلى كتاب الله وتحكيمه.

    * وانتقدنا الثورة الزراعية التي تبنتها الدولة.

    * وانتقدنا الحرب بين الجزائر والمغرب، وقلنا ليس هذا أسلوب التعامل مع الأشقاء.

    * إلى غير ذلك من الأمور الداخلية والخارجية.

البيان كان بإمضاء الموحدون.. صاغه الشيخ محفوظ النحناح.

في السجن

وأعلنت الحكومة النفير.. فقد وضعت يدها على المؤامرة الرجعية التي تتآمر على سلامة البلاد!!

وألقي القبض على الأخ محمد بوسليماني والشيخ محفوظ النحناح.. وعلى 17 أخاً آخر.. في السجن لاقينا من صنوف التعذيب، والإهانة والشتم، والطعن، وحجز الممتلكات.. الشيء الكثير.

لم نكن نادمين على جهادنا من أجل تحرير الوطن.. ولكنها كانت ساعات عصيبة مررنا بها.. عندما وجدنا أن للوطن الذي حررناه من أجل حرية الإنسان، له زنازين يوضع فيها.. ويعذب فيها.. المجاهدون!!

حكم علينا بالسجن مدداً تتراوح بين سنة و 15 سنة.

والسجن مدرسة إذا أحسنت الاستفادة من أوقاتها.. تتأكد فيها الأخوة.. وتنضج فيها الأفكار.. ويعاد النظر في الأساليب.. مع الإيمان بأن طريق الدعوة هو كما وصفه ربنا: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)(العنكبوت- (2-3))

ويتابع أخونا بو سليماني فيقول: مكثت في السجن ثلاث سنوات.. وبعد هلاك بومدين.. والعفو الذي أصدره الرئيس الشاذلي بن جديد خرجنا إلى الحرية. وكان ذلك عام 1980.

ذكريات السجن ليست كلها مريرة.. فقد وجدنا بعض حراس السجن.. أناساً طيبين.. كانوا في شهر رمضان يأتون لنا بالطعام من بيوتهم.. ويعاملوننا معاملة كريمة. فليس كل فرد يتعامل مع النظام كافر.. كما تدعي بعض الصرعات الإسلامية..

الصحوة تبحث عن قيادة

خرجنا من السجن.. فوجدنا صحوة إسلامية عارمة..

صحوة انطلقت من عقالها بعد وفاة الرئيس بومدين الذي أحصى على الناس حركاتهم وسكناتهم.. وألزمهم الانسياق وراءه وليس لمن يأبى إلا الزنازين..

لقد كان عهد الشاذلي بن جديد عهداً طيباً، تنسم فيه الشعب الجزائري أنسام الحرية.. ومع هذه الحرية وفي أجوائها وجدت الصحوة الإسلامية التي كانت تحتاج  إلى ترشيد، وإلى قيادة صالحة تأخذ بيدها نحو شاطئ الأمان.. وكان هذا دورنا.

حاولنا في البداية إعادة بناء البيت الداخلي، بخطى هادئة وثابتة وشققنا طريقنا بتوفيق من الله، ونزلنا إلى الشارع بثقل، ووضعنا أمامنا هدفاً وهو أن الدعوة الإسلامية لابد أن تكون على علاقة حسنة مع كل شرائح المجتمع، وأن تدخل كل زاوية من زوايا الحياة، وأن ترتبط بالمؤسسات التعليمية والثقافية والعمالية.. نفعل ذلك بقوة وثقة كما قال ربنا: (ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ)(المائدة-23)..

جمعية الإرشاد والإصلاح

ومن أجل تنظيم عملنا في الدعوة إلى الله.. أسسنا عام 1989 جمعية الإرشاد والإصلاح، التي تولى رئاستها الشيخ محفوظ النحناح.. وعندما ترأس الشيخ محفوظ حركة المجتمع الإسلامي (حماس).. تولى السيد محمد بو سليماني رئاسة الجمعية.

وكانت علاقة الجمعية مع الأحزاب القائمة.. علاقة مناصحة وتعاون وتكامل.. وعندما حلت الحكومة جبهة الإنقاذ.. دعونا إلى معالجة هذه القضية بالحوار الهادف البناء.

رابطة الدعوة الإسلامية

وعندما كثرت الجمعيات والأحزاب الإسلامية على الساحة.. كل منهم يدعي وصلاً بليلى.. رأى حكماء الأمة أن ينشئوا رابطة الدعوة الإسلامية برئاسة الشيخ أحمد سحنون، لتكون صمام أمان.. ومرجعاً يُرجع إليه عندما تضطرب الأمور.. وتختلط الرؤى.. وكان ذلك عام 1986.

الجبهة الإسلامية للإنقاذ

في هذه الفترة ظهرت حركة سياسية، هي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ظهرت في مسجد باب الواد بالجزائر العاصمة، ويوم الإعلان ذهب أحد أفراد رابطة الدعوة الإسلامية وهو الأستاذ محمد السعيد.. وحاول إقناعهم بعرض الفكرة على الرابطة قبل اتخاذ قرارهم، ولكنه ووجه بالرفض.. وأعلنت الجبهة.

ودخلت الجبهة أول انتخابات بلدية تعددية.. وفازت بمعظم المقاعد. فقد كان الناس يطالبون بالتغيير.. وكذلك حدث في الانتخابات التشريعية.. عندما أبطلت الحكومة نتائج الانتخابات وتدخل الجيش وأعلنت الأحكام العرفية.. وبدأت الاعتقالات في صفوف رجالات الجبهة.

لا نريد أن ندخل في تحليل إنشاء الجبهة.. وسلوك قادتها.. وتصرفات جماهيرها.. فهو مدخل معقد أدى إلى كل ما عانته الجزائر من دماء وشهداء.. ومآس واضطرابات.. فالسياق لا يحتمله.

من قتل بوضياف ؟

بعد توقف المسار الانتخابي، جيء (ببو ضياف) من منفاه في المغرب. كان بوضياف يحمل معه تصوراً معيناً لمعالجة الأوضاع في الجزائر، ووقع له ما وقع وسجلت قضيته ضد مجهول!! ومن يومها تعيش الجزائر فراغاً دستورياً على مستوى النظام، المجلس الوطني الشعبي منحل، رئاسة الجمهورية غير موجودة. تشكل ما يسمى المجلس الأعلى للدولة.. الذي يرفض أن يرشح أحد أعضائه للانتخابات الرئاسيةالعامة.

واستمرت موجة العنف.. والسؤال المطروح في الجزائر: من القاتل.. ولماذا قتل؟ بالنسبة لحركة حماس فقد تبنت موقفاً واضحاً.. وقفت ضد العنف بكل أشكاله.. ومهما كانت أسبابه وأهدافه، أما بالنسبة للجبهة الإسلامية للإنقاذ.. فلقد وقعت أخطاء بحل الجبهة وإيقاف المسار الانتخابي.. ونحن مع الحوار الذي يعطي لكل ذي حق حقه.

اللقاء الأخير

أحب أن أسجل هذا اللقاء الأخير.. الذي كان بيننا وبين أخينا محمد بوسليماني.. كان في باكستان في مؤتمر من مؤتمرات الجماعة الإسلامية.. عشنا معاً أياماً رائعة.. تحدثنا كثيراً عن الهم الجزائري.. عن البدايات.. وعن السجن.. وأخبرته بأنني سافرت إلى الجزائر قادماً من المغرب مع أخي راشد الغنوشي.. لأزور إخواني محمد بوسليماني والشيخ النحناح ورفاقهما في السجن.. ولكن سلطات المطار اضطرتني للعودة على الطائرة نفسها.. وإذا كان اللقاء مقدراً.. غير أن تصرفات أمن المطار ترك في نفسي غصة أني لم أستطع القيام بواجب الزيارة للأحباب.

أما المشهد الأخير في هذه الزيارة فقد كان لقاء مع رئيس جمهورية باكستان إسحاق خان.. كان معنا في هذا اللقاء أمير الجماعة الإسلامية الأستاذ طفيل محمد.. والأستاذ مصطفى مشهور.. والأستاذ مأمون الهضيبي.. والأستاذ خليل الحامدي.. والأستاذ محمد بوسليماني.. كان الرئيس الباكستاني مهتماً بما يدور في الجزائر ويتساءل عن الأسباب وعن المخرج..

وأجاب الأخ بوسليماني باختصار يناسب المقام.. ولكنه اختصار ينطبق عليه قولهم: خير الكلام ما قل ودلّ. وافترقنا يومها.. ولم نلتقي بعد ذلك..

لماذا قتلوه؟

كان الشهيد بوسليماني شديد التأثر بما وقع في الجزائر في محنتها الدموية، فلم يترك مجلساً إلا ودعا فيه إلى الصلح بين أبناء الجزائر، مقتنعاً أن الخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد، لا يحل بالعنف، بل بالحوار والمحبة والتراحم، إلا أن هذا النهج لم يعجب بعض مخالفيه الغلاة، فلم يراعوا في الرجل جهاده ولا إمامته ولا ريادته الدعوية ولا رمزيته الوطنية والعالمية، فاقتحموا عليه منزله المتواضع فجر يوم الجمعة 26 نوفمبر 1993م، فأفزعوا أهل بيته الذي طالما كان أيام الثورة التحريرية مأوى للمجاهدين، وأيام الاستقلال مثابة للدعاة والعلماء الخيرين، فاختطفوه وأرادوا منه فتوى بجواز قتل المخالفين، وما علموا أنه ليس ذاك الرجل الذي يشتري الدنيا بالدين، فكان له من الله الثبات على موقفه..

تم العثور على جثة الشيخ محمد بوسليماني رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح، ملقاة بطريقة لا تدع مجالاً للشك في أن مختطفيه الذين اختطفوه منذ حوالي الشهرين، كانت لهم مصلحة في إثارة الفتنة.. ومحاولة ضرب الجماعات الإسلامية بعضها ببعض. وعندما تعاملت حركة (حماس) مع حادث اختطاف أحد رموزها بوعي وضبط للأعصاب، أسقط في أيدي المغرضين .. فلم يجدوا أمامهم إلا التخلص منه بقتله لأنهم لو تركوه لفضح أمرهم أمام الرأي العام.

البلـيــدة 1/2/2006م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 16, 2013 in خواطر حول العالم

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *