RSS

Author Archives: Mustafa

سورية.. تاريخ جديد يكتبه الشعب

الجزء الثاني

مصطفى محمد الطحان

 مقدمة

ها هو التاريخ يكتب من جديد في سورية، بعد أن هدم حاجز الخوف، وانقضت السنون العجاف لوطن سوري ظل يرزخ تحت حكم عائلة الأسد منذ أكثر من أربعة عقود، تستبد بالرأي، ملغية الحياة السياسية في البلاد بواسطة دستور عام 1973م، الذي فصّل على مقاس العائلة ورئيسها حافظ الأسد ووريثه من بعده!

حافظ وبشار الأسد

ولقد ظلت تلك العائلة مغلقة آذانها عن سماع نصح المخلصين للوطن، فزجّت بكل من لم يرض بسيرتها الذاتية، المدمرة لكل شيء: السياسة والاجتماع والاقتصاد.. إما في السجون، أو في القبور، أو في المنافي، أو بمصائر غير معروفة حتى الآن لما يقارب عشرين ألف مواطن مفقودين.

فلما طفح الكيل، ولم تجد الكلمة الناصحة المخلصة مكاناً لها عند أصحاب السلطة، بدأ الناس بكسر حاجز الخوف الذي صنعه البطش الوحشي والقتل العشوائي في الشوارع والدوائر والسجون والبيوت في ثمانينيات القرن الماضي(الكاتب السوري محمد السيد (المجتمع 16/4/2011م)).

أخي القارئ

هذه هي الحلقة الثانية من البحث الذي كتبته حول الأحداث المأساوية التي تجري حالياً في سوريا.

(2)
الركائز الفكرية عند البعث

1-   القومية العربية

القومية العربية في نظر البعث ونظر منظّره ميشيل عفلق، دين جديد، بكل ما تحمله كلمة دين من معنى. وإذا كان البعض يرى أن حزب البعث تجاهل الإسلام، فإن الأمر أكبر بكثير من مجرد التجاهل. فهو يحاول أن يصوغ ديناً جديداً ويعبّد الناس به بهدوء وروية وصبر عجيب. فهو يبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم باعتباره (ممثلاً للنفس العربية في حقيقتها المطلقة، وأن كل عربي في الوقت الحاضر يستطيع أن يحيا حياة الرسول العربي ولو بصورة جزئية ما دام ينتسب إلى الأمة التي أنجبت محمداً)( في سبيل البعث- عفلق، ص- 44).

ولقد كان عفلق يحلم شخصياً أن يلعب دوراً مشابها للدور الذي قام به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم(البعث- مصطفى دندشلي، ص- 38). أما الإسلام فلم ينظر إليه عفلق باعتباره وحياً إلهياً وإنما اعتبره مُفْصِحاً عن عبقرية الأمة العربية، وأن هذه الأمة تعبّر باستمرار عن نفسها، تمخضت قديماً عن الإسلام، وهي اليوم تتمخض عن الثالوث المعروف (الوحدة العربية والحرية والاشتراكية). فهذا الثالوث الذي تعبر فيه الأمة العربية، عن نفسها، يساوي الإسلام من حيث أهميته ورساليته. يقول أحد منظري البعث: (فالأمة العربية فكرة خالدة وقيمة مطلقة)، وبكلمة واحدة إنها الروح. ويمكن القول إن القومية العربية قد ارتفعت إلى مستوى الروح العلوية بالقدر الذي كان للدين)( البعث- مصطفى دندشلي، ص- 80).

ويزيد عفلق الأمر وضوحاً فيقول:

(لكل أمة في مرحلة معينة من مراحل حياتها محرك أساسي يهز فيها انتباه الأمة وتكون مفصحة عن أعمق حاجاتها في مرحلة ما. فإذا نظرنا إلى العرب في الماضي، وجدنا أن هذا المحرك الأساسي كان في وقت ما عند ظهور الإسلام هو الدين. فقد قَدِر وحده على استثارة كوامن القوى في النفس العربية. أما اليوم فإن المحرك الأساسي للعرب في هذه المرحلة من حياتهم هو القومية. التي هي كلمة السر التي تستطيع وحدها أن تحرك أوتار قلوبهم وتنفذ إلى أعماق نفوسهم. وكما استجاب العربي في الماضي لنداء الدين فاستطاعوا أن يحققوا الإصلاح الاقتصادي، فإنهم يستطيعون اليوم تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين، وضمان الحرية بين العرب جميعاً نتيجة للإيمان القومي وحده)( في سبيل البعث- عفلق، ص- (87-88)).

فإذا كانت القومية العربية هي الدين الجديد الذي أفرزته الأمة العربية في الوقت الحاضر، فإن البعث بالتالي هو الحركة التي جسّدت هذه القومية. وإذا كان علم الكلام قد أساء للدين وزجّه في إطار ليس له أساساً، فإن القومية العربية كالدين تماماً لا يمكن أن يستوعبها تحليل نظري جاهز. وإذا كان الدين قديماً يقول كلمته في أوضاع الأمة جميعاً، فإن القومية العربية اليوم (هي نظرية متكاملة للحياة ونظام للمجتمع، لها رأيها الصريح في الاقتصاد والنظام والأخلاق والإنسانية والدين)( البعث- مصطفى دندشلي، ص- 77).

2- الأمة العربية

والأمة العربية حسب تعريفات عفلق (هي فكرة خالدة، وكيان روحي صرف، كلي الوجود، وفائق القوة والإبداع)( في سبيل البعث- عفلق، ص- 77). (فهذه الامة التي أفصحت عن نفسها وعن شعورها بالحياة إفصاحاً متعدداً متنوعاً في تشريع حمورابي، وشعر الجاهلية، ودين محمد، وثقافة عصر المأمون، فيها شعور واحد يهزها في مختلف الأزمان، ولها هدف واحد بالرغم من فترات الانقطاع والانحراف)( في سبيل البعث- عفلق، ص- 77). (في وقت من الأوقات وقبل البعثة، كانت الأمة العربية مجرد فكرة ومثال لا يقابلها في عالم الواقع شيء، ولا يحققها شخص حي، ثم انتظرت فأبدعت مع ظهور الإسلام واقعها من فكرتها، وجسّدت نفسها في رجل واحـد هو محمد. وفي الوقت الراهن تحاول الأمة العربية أن تعبر عن نفسها، ويحق للشخص الذي تتجسد فيه هذه الفكرة أن يتكلم باسم المجموع)( البعث- مصطفى دندشلي، ص- 78).

فإذا سلمنا بأن البعث هو رسالة هذه الأمة، ودينها الجديد الذي أفرزته في التاريخ المعاصر، فإن زعيم البعث هو النبي الجديد الذي يحق له أن يتكلم ليسمع الناس. ولم يكن هذا التعريف الذي تبنّاه عفلق للأمة العربية موضع ترحيب من بعض البعثيين الآخرين، ومن القوميين العرب على العموم، الذين كانوا يميلون إلى تعريفات ساطع الحصري: (بأن الأمة العربية جماعة من الناس تكونت بفعل عوامل أساسية، أبرزها اللغة والتاريخ المشترك، وبفعل عوامل أخرى تأتي في المقام الثاني كروابط الثقافة والتقاليد والسلوك والدفاع والمصالح الاقتصادية المشتركة)( البعث- مصطفى دندشلي، ص- 79).

ولم يكن عفلق غافلاً عن مثل هذه التعريفات، فقد كان يهمه أن تصبح القومية ديناً جديداً وليس مجرد كلمات وتعريفات.

3- البعث والعلمانية

وكما تجاهل دستور البعث مجرد الإشارة إلى الدين، فقد تجاهل ذكر العلمانية كذلك. والعلمانية معناها بالمصطلح الغربي الذي تسرب إلينا منه، هو فصل الدين عن الدولة، أو الحكمة التي تنسب للنصرانية (دع ما لقيصر لقيصر ودع ما لله لله) أو كما يقال: (تصلي وتموت وفق تعاليم الإسلام، وتفهم الاقتصاد حسب تعاليم ماركس، والاجتماع حسب تعاليم دركايم، وعلم النفس حسب تعاليم فرويد).

والبعث والعلمانية توأمان، فكل الأحزاب التي قامت على أساس القومية أو الوطنية أو الماركسية أو الليبيرالية علمانية، وحتى ثورة العرب الكبرى التي كان يقودها زعيم مكة. كانت علمانية، ولقد صرح قادتها بهذا مرات كثيرة، فلماذا إذن تجاهل ميشيل عفلق أن يذكر العلمانية في دستور البعث؟ كان عفلق سياسياً أكثر مما كان مُنظّراً، ولو رجعنا إلى جُلّ كتاباته الفكرية لاستطعنا إرجاعها بسهولة ويسر إلى كتابات ساطع الحصري أو قسطنطين زريق، ولكنهه كان سياسياً أمهـر من الاثنيـن. فكمـا مجّد عفلق الإسلام، ليقيم مكانه ديناً جديداً اسمه القومية العربية، وكما مجّد محمداً الذي صنعته أمته، والأمة اليوم صنعت قائداً جديداً. كذلك تجاهل العلمانية، لأنها ضد الاعتراف بالدين الجديد والنبي الجديد. وإذا كانت لا بد من إضافة، فيقرر عفلق أنه لابد من (التمييز بين الإسلام كمظهر ديني، والإسلام كثقافة عربية)، أما الإسلام كمظهر ديني فقد انتهى ليحل محله الدين الجديد، وأما الإسلام كثقافة عربية أو (الإسلام المعرب) كما يسميه عفلق، تراث ثقافي للأمة العربية لا يمكن الاستغناء عنه، وهو يتساوى بالطبع مع تراث امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى والجاحظ وقسطنطين زريق ومع أدبيات عفلق بالطبع.

وحتى لا يبقى أي لبس في فهم الموضوع، يضيف عفلق(في سبيل البعث- ميشيل عفلق، ص- 144) فيقول: (إن علمانية البعث هي التي تحرر الدين من ظروف السياسة وملابساتها.. وتسمح له بالتالي أن يتحرر وينطلق في حياة الأفراد والمجتمع).

4- البعث والإسلام

في محاضرته حول ذكرى (الرسول العربي) التي ألقاها عفلق في جامعة دمشق عام 1943م قال فيها:

(لا يفهمنا إلا المؤمنون، المؤمنون بالله، قد لا نُرى نصلي مع المصلين، أو نصوم مع الصائمين، ولكننا نؤمن بالله لأننا في حاجة ملحة وفقر إليه عصيب، ونحن وصلنا إلى هذا الإيمان ولم نبدأ به، وكسبناه بالمشقة والألم ولم نرثه إرثاً، ولا استلمناه تقليداً)( في سبيل البعث- ميشيل عفلق، ص- (42-52)).

فعفلق والبعثيون (حسب هذا النص) مؤمنون بالله، لا يعرفون شعائر الإسلام، ولم يرثوا دينهم ممن سبقهم بل وصلوا إليه عن تجربة ومعاناة ذاتية!

وحتى لا يتركك تظن الظنون يقول لك: (إن البعث يستقي مباشرة من (جوهر الدين) وبهذا (الموقف الجذري) فقط تستعيد الأمة العربية شخصيتها. أما الاعتقاد الديني الشائع فإنه على العكس، بما يرافقه من نفعية ونفاق وجهل، يخنق باسم الدين كل اندفاع روحي، وبالتالي كل يقظة للشخصية القومية)( في سبيل البعث- ميشيل عفلق، ص- (204-205)).

فالإسلاميون مثلاً الذين أخذوا بالفهم الديني الشائع، الذي يرافقه دائماً النفاق والجهل والنفعية، يخنقون القيم الروحية باسم الدين!

ويستطرد عفلق حتى لا يترك نقطة بدون توضيح: (إن الرجعية الدينية التي تقوم على المظاهر الخارجية للدين، تكوّن مع الرجعية الاجتماعية معسكراً واحداً يدافع عن المصالح ذاتها ويهدد الدين بخطر كبير)( في سبيل البعث- ميشيل عفلق، ص- (204-205)).

هؤلاء هم الخطر (على الدين)، الذين يقومون على المظاهر الخارجية للدين، أما عفلق وقومه فقد استقوا من النبع والجوهر وطهّروا الدين ممن يستغلونه، فهل فهمنا دين عفلق؟

ويحذّر عفلق أنصاره بأن يتلطفوا وهم يبشرون بالدين الجديد فيقول: (إن جمهور الشعب مازال متأخراً وخاصة لتأثير رجال الدين ولكافة المذاهب والطوائف فينبغي أن لا ننتقد أمامه الدين بطريقة عنيفة)( في سبيل البعث- ميشيل عفلق، ص- (132-134)).

وإذا كان الإسلاميون أو من هم على شاكلتهم يرون أن القومية العربية تتعارض مع تعاليم الإسلام، وأنه (أي الإسلام) وحد بين الشعوب المختلفة، وجعل المؤمنين أخوة، ونبذ العصبية والتفرقة بين العرب وغيرهم، فإنه لا قيمة لكلامهم فهو ظاهر من القول.

يقول عفلق: (إن أوروبا اليوم، كما كانت في الماضي، تخاف على نفسها من الإسلام. ولكنها تعلم الآن أن قوة الإسلام قد بُعثت وظهرت بمظهر جديد هي القومية العربية.. لذلك فهي توجّه على هذه القوة الجديدة كل أسلحتها، بينما نراها تصادق الشكل العتيق للإسلام وتعاضده. فالإسلام الأممي الذي يقتصر على العبادة السطحية، والمعاني العامة الباهتة، آخذ في التفرنـج، ولسـوف يجيء يوم يجد فيه القوميون أنفسهم المدافعين الوحيدين عن الإسلام، ويضطرون لأن يبعثوا فيه معنى خاصاً إذا أرادوا أن يبقى للأمة العربية سبب وجيه للبقاء)( في سبيل البعث- ميشيل عفلق، ص- 49).

هل يظن القارئ أن هذا من غباء عفلق؟

أبداً، فهذا هو التخطيط لإرساء قواعد الدين الجديد.

أفلا يستحق عفلق بعدها جائزة البابا؟

وقد أحال الإسلام إلى دفعة ألم من آلام العروبة، وإن هذه الآلام قد عادت إلى أرض العرب بدرجة من القسوة والعمق لم يعرفها عرب الجاهلية. فما أحراها بأن تبعث فينا اليوم ثورة مطهّرة مُقوّمة كالتي حمل الإسلام لواءها(في سبيل البعث- ميشيل عفلق، ص- (52-61)).

كما أن محمداً كان كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمداً(في سبيل البعث- ميشيل عفلق، ص- (52-60)).

وهل فهم القارئ معنى شعار البعث: أمة عربية واحدة – ذات رسالة خالدة؟ وليس هذا رأي عفلق لوحده، فهذا جلال السيد العضو المؤسس الآخر لحزب البعث، وهو من العناصر المعتدلة نسبياً يقول: (والإسلام نبع من العرب، وعبّر عن حقيقتهم في طور من أطوار تاريخهم، وهو ليس كالمسيحية بالنسبة إلى الرومان. وإذا صحّ هذا، فهو لا يصح على العرب أجمعين بل إنه يصح على عرب الحجاز وما جاورها. أما الأقوام الأخرى من غير العرب، فقد دخلت في دين الإسلام (الدولة) ولم تدخل في دين الإسلام (العقيدة). ولم يستطع الإسلام أن يحل في نفوسهم ويتركز في أعماقهم ويصبح لهم عقيدة إلا بعد ما عملوا فيه تبديلاً وتعديلاً وتحريفاً حتى أخرجوه في بعض الأحيان عن أهدافه المثلى وغاياته السامية) (البعث- جلال السيد، ص- 34).

وهذا الكلام لا يختلف كثيراً عن رأي عفلق وحتى الأرسوزي عن الإسلام.

5- البعث والاشتراكية

بقي أن نقول كلمة مختصرة حول موقف البعث من الاشتراكية.. والبعث حركة قومية نادت طويلاً بالوحدة والحرية ثم بدأت تنادي بالاشتراكية..

والاشتراكية – أساساً- نظام للحياة يبتدأ بالتفسير المادي للتاريخ، ويبني فلسفته في الحياة على أساس الصراع الطبقي، وإذا كانت كل من القومية والاشتراكية من بنات أفكار الغربيين.. فإن القومية مرحلة أولية هلامية لا قوام لها على وجه التحديد.. وهي تصلح كقضية عاطفية تناشد الأقوام بأن ينفضوا عنهم كابوس التخلف والاحتلال، وأن يتقدموا أسوة بالأمم المتحضرة.. فإذا جاءت هذه الساعة وتحرر القوم، فماذا تستطيع القومية أن تقدم لهم بعد ذلك؟ هنا يأتي دور الفلسفات العامة التي تمثل النظام الكامل للحياة، كالإسلام أو الرأسمالية أو الاشتراكية.. التي تعالج كل أوضاع الحياة ضمن خطوط محددة مقدّرة.. ولقد حاول البعث طويلاً أن يدعي بأن (اشتراكيته عربية، وأنه لن ينشدها في كتب ماركس ولينين، وإنما يرى أنها دين الحياة، وظفرُ الحياة على الموت، فهي بفتحها باب العمل أمام الجميع، وسماحها لكل مواهب البشر وفضائلهم أن تتفتح.. تحفظ ملك الحياة، للحياة ولا تبقى للموت إلا اللحم الجاف والعظام النخرة)( في سبيل البعث).

وكلمات عفلق هذه عن الاشتراكية العربية كلمات فضفاضة أدبية لا معنى لها.. وكان عفلق يهاجم الشيوعية فهي – على حد زعمه – (التي تمنع العرب من التفكير في اشتراكيتهم والاهتداء إليها لأنها بادعائها أن الاشتراكية هي الماركسية قد شوهت الاشتراكية الصحيحة التي يحتاجها العرب. والماركسية نظام كلي أممي.. في حين إن الاشتراكية ليست أكثر من نظام اقتصادي مرن متكيف مع حاجات كل أمة. وليس بعسير على العرب إذا ما تخلصوا من كابوس الشيوعية أن يهتدوا إلى اشتراكيتهم)( في سبيل البعث- ميشيل عفلق، ص- (71-75)).

وعندما اقترب البعث من الحكم اضطر إلى اللجوء إلى الاشتراكية بل إلى الشيوعية.. وفي أول حكومة يشكلها صلاح البيطار بعد انقلاب 8 آذار 1963 البعثي، يصرح في جريدة البعث أن الاشتراكية العلمية (أي الشيوعية) هي دليلنا للعمل الثوري.

ومنيف جورج الرزاز الذي أصبح أميناً عاماً للحزب بعد عفلق ألقى محاضرة بعنوان: (لماذا الاشتراكية الآن؟) قال فيها: (الاشتراكية ليست مذهباً اقتصادياً، إنها تقدم حلولاً لكثير من المشاكل المتعلقة بالإنتاج وإعادة توزيع الثروات، والملكية… إلخ، غير أن جميع هذه الحلول ليست سوى مظاهر للاشتراكية. ويضيف: إن النظر إلى الاشتراكية من ناحية اقتصادية فقط يؤدي إلى فهم خاطئ لا ينفذ إلى الأعماق فهي كالرأسمالية والإقطاعية لا يمكن تقليصها إلى مجرد أوضاع اقتصادية معينة.. إنها أوضاع حياة لا أوضاع اقتصاد فحسب)( محاضرات لمنيف الرزاز – القاهرة – عام 1965).

وهكذا عاد البعث إلى أمه الاشتراكية العلمية رفيقين في درب واحد.. أهم أهدافهما محاربة الإسلام، وتوطين أفكار الغربيين أو الشرقيين في بلاد المسلمين.

والاشتراكية البعثية من أكثر الشعارات التي أرهقت الحزب وفرقته.. ففي البداية كانت اشتراكيته لا تعني أكثر من بعض التأميمات مع صيانة الملكية الفردية.. ثم بدأت (تتمركس) حتى صار فلاسفة البعث يتغنّون باشتراكيتهم العلمية.

ولقد استغلت أجنحة الحزب المتصارعة اليمينية منها واليسارية هذه الأوضاع فانقلبت على بعضها.. ففي العراق انقلب يمين البعث على يساره ورحّل قادة اليسار بتاريخ 11 نوفمبر 1963 إلى خارج العراق.

وفي سوريا اعتبر انقلاب 23 فبراير 1966 ردة يمينية، وتآمر على قيادته القومية ومفاهيمه الماركسية.. أما في المؤتمر القومي السادس الذي انعقد في دمشق في 5 أكتوبر 1963م فقد أقر التقرير العقائدي (الذي كتبه ياسين الحافظ) وهـو مـاركسي سـوري.. الـذي بدّل جميع مفـاهيم الحزب القومية إلى مفاهيم ماركسية، على أن يعاد النظر في كل ما كتب سابقا سواء ما نشر منه داخل الحزب أو خارجه. وحول هذا المؤتمر.. اشتد الجدل وسقطت هالة الزعامة التقليدية للحزب وتبني من بقي فيه مفاهيم ماركسية مائة بالمائة.

وبدلاً من كلمة: (اشتراكية عربية) التي اعتاد الحزب أن يسميها فقد صارت كلمة: (الطريق العربي إلى الاشتراكية) هي المستعملة.

فالاشتراكية ذات مضمون عالمي واحد.. والطرق إليها قد تختلف من بلد لآخر.

 

 
Leave a comment

Posted by on May 3, 2011 in خواطر

 

التغيير في سوريا

الجزء الأول

مصطفى محمد الطحان

مقدمة

قال الشاعر السوري بدوي الجبل:

بِدْعَةُ الذُلِّ حينَ لا يذكـرُ الإ    نسانُ في الشام أَنّهُ إنسـانُ

بدعةُ الذُلِّ أن يُصاغَ من الـ    فـردِ إلـهٌ مُهَيْمِـنٌ دَيَـانُ

يا لَهَـا دَوْلـةً  تُعَاقَـبُ فيها    كالْجُنَـاةِ  العقولُ والأذهانُ

أيـنَ حُـرِّيتي  فلم يبقَ حُرّاً    من جهيرِ  النداءِ إلاّ الأذانُ

سُبَّةُ الدهرِ أن يُحاسَـبَ فكرٌ    في هَوَاهُ وأنْ يُغَـلَّ لسـانُ

لا يُهينُ الشعوبَ  إلاّ رِضَاهَا    رضيَ الناسُ بالهوانِ فهانوا

هكذا هو الأمرُ في سورية؛ فالحكمُ الدكتاتوريُّ الصارمُ المستمرُّ في بلادنا لم يسلبْ شعبنا حريته وكرامته وأمنه ورزقه فقط؛ وإنما سلبه إنسانيته أيضا، وكيفَ تبقى لإنسانٍ أو شعبٍ إنسانيّتُهُ إذا حرم الحرية والكرامة وحقَّه الطبيعيَّ المشروع في التفكيرِ والشعورِ والاختيارِ الحرّ، وإمكانيةِ التعبيرِ المشروعِ عن الفكر والشعور والرأي ، والعمل المشروع المسؤول لتجسيد ذلك في عالم الواقع.

إنّ هذا الوضعَ القائمَ في بلادنا الآن لا يمكن أن يدوم، ولا يجوز أن يدوم، ولا نقبل أن يدوم.

اسمعوني جيّداً، فأنا صادقٌ معكم، ناصحٌ لكم، ولا تستمعوا إلى المرائين والمنافقين والانتهازيين الذين سينقلبون عليكم عندما تنقلب الأمور.

شعبنا يريد التغيير، لا ما تحاولونه الآن من الترقيع والتسكين..

وأنتمْ يا إخواننا وأخواتنا… يا شبابنا وشاباتنا… يا فتياننا وفتياتنا… يا أفلاذَ أكبادِنا … يا صنّاعَ تحرّرنا ومستقبلنا.

يا من خرجتم وتخرجون في درعا ودمشق وحمص وحلب وبانياس والقامشلي ومدن ومناطق أخرى.. تتحدّون بصدوركم العارية، وأيديكم الفارغةِ الخوفَ والإرهاب، والقمع والبطش، والرصاص والموت، لتشتروا بأمنكم وسلامتكم ودمكم لأمتكم وبلادكم الحريةَ والعزّةَ والمستقبلَ الكريم.. رجاؤنا إليكم، ومناشدتنا لكم أن تحافظوا أَشدَّ المحافظةِ على سلمية حركتكم، وألاّ تُسْتدْرجوا أبداً إلى عنف أو تخريب أو انتقام، فثورتُكُم السلمية النقية ثورةٌ لرفع الظلم والطغيان عن الجميع، وتحقيق العدل والمساواة والحريّة للجميع، ولَمِّ شتاتِ البلادِ كلِّها كلِّها، بمختلفِ أديانها وأعراقها وأطيافها، على أساس جديد من المواطنة والمساواةِ والعدل والإحسان، والمودة والتآلف والتعاون على الأهداف المشتركة وعلى خير البلاد كلِّ البلاد(عصام العطار (21/3/2011م)).

أخي القارئ

بهذه المقدمة الرائعة التي كتبها الأستاذ عصام العطار ابن دمشق، الذي ألجأته ظروف سوريا أن يعيش وحيداً بعيداً في بلاد الاغتراب.

الأستاذ عصام العطار

وسأتحدث فيما يلي عن الأحداث في سوريا.. وما دهاها وما أصابها.. ولكن الحديث قد يطول.. وسأقدمه لك على حلقات إن شاء الله.

 

(1)
حزب البعث العربي

كان حزب البعث العربي أهم الأحزاب السياسية التي تبنت القومية العربية، ونادت بالوحدة العربية في أوائل الأربعينيات من هذا القرن.

وإذا اختلف الكُتّاب في نشأة هذا الحزب إلا أنهم لم يختلفوا في منطلقاته الفكرية والأيديولوجية.. فميشيل عفلق هو مفكر ومنظّر الحزب الأول والأخير، وكتاباته هي الشاهد على هذا الحزب، له أو عليه..

وإذا كان جلال السيد وهو أحد أربعة شكلوا حزب البعث بالإضافة إلى صلاح البيطار ومدحت البيطار وميشيل عفلق، يقول(حزب البعث العربي- جلال السيد، ص- 28): (بأن فكرة البعث كانت نتيجة مداولات طويلة بينه وبين عفلق في البداية ثم انضم إليهما صلاح الدين البيطار ومدحت البيطار بعد ذلك، وأن الاجتماعات بينهم كانت يومية ومكثفة وصريحة حتى وصل الأمر إلى حد الاعتقاد بأن أفكارنا واحدة لا خلاف حتى في جزئياتها وتفاصيلها وفرعياتها، وقد اتخذ الأربعة المذكورون من أنفسهم لجنة تنفيذية لحزب البعث العربي وأعلنوا المباشرة بالتنظيم وقبول المنتسبين وكان ذلك عام 1943م).

ولسامي الجندي أحد أوائل الذين اشتركوا بالتأسيس له رأي آخر.. فهو يقول: (إن عام 1933 شهد مولد (عصبة العمل القومي) بزعامة الأستاذ عبد الرزاق الدندشي. وإنها خلال عمرها القصير الذي امتد حتى عام 1940 ضمّت أعداداً كبيرة من الشباب القومي. وإن زكي الأرسوزي الذي كان يقود المقاومة في لواء الإسكندرون كان أعطى العصبة زخماً وقوة كبيرين وإن انسحابه منها عام 1939م كان سبباً لانهيارها وإنه (أي الأرسوزي) أسس فيما بعد (الحزب القومي العربي) وكانت مبادؤه:

* العرب أمة واحدة.

*  للعرب زعيم واحد يتجلى عن إمكانيات الأمة العربية يمثلها ويعبر عنها اصدق تعبير.

*  العروبة: وجداننا القومي، مصدر المقدسات، عنه تنبثق المثل العليا وبالنسبة إليه تقدر قيمة الأشياء.

*  العربي سيد القدر.

وانتهى هذا الحزب وتفرق رواده بعد سفر المعلّم (الأرسوزي) إلى العراق. وفي نوفمبر 1940م (ذكرى سلخ لواء أسكندرون) التقى ستة نفر منهم: الأرسوزي، وعبد الحليم قدور، وسامي الجندي، وشكلوا (حزب البعث العربي) الذي ما لبث أن تفرق أنصاره. وفي عام 1943 أسس ميشيل عفلق وصلاح البيطار حزباً حمل اسم البعث تارة وحركة الإحياء العربي تارة أخرى.. وهكذا قام بعث عفلق على أنقاض بعث الأرسوزي)( حزب البعث – سامي الجندي، ص- (19-32)).

والتوفيق بين الرأيين ممكن إذا علمنا أن الأرسوزي كثير التردد سريع التنقل، ففي سنة واحدة أسس أكثر من حركة ثم تركها تتلاشى.. ولا يبعد أن يكون هو الذي أطلق كلمة البعث.. ثم تبناها غيره فيما بعد.

المهم أن حزب البعث العربي الذي لعب دوراً رئيساً في أحداث سوريا.. وفي أحداث العالم العربي فيما بعد.. هو الحزب الذي أسسه ميشيل عفلق عام 1943م ثم أعلن عنه رسمياً عام 1947م. فلقد عُقد في دمشق في السابع من أبريل عام 1947 المؤتمر التأسيسي الأول.. اشترك فيه جميع الأفراد الذين انتسبوا للحزب من سوريا ولبنان وكان عددهم لا يتجاوز مائة عضو. ترأس الاجتماع عضو اللجنة التنفيذية جلال السيد. وقد برز في المؤتمر تياران: الأول: وصف بالاعتدال يتزعمه ميشيل عفلق وصلاح البيطار. والثاني: وصف بالتطرف يتزعمه الدكتور وهيب الغانم الذي كان يصر على إبراز الهوية الاشتراكية للحزب.

أهم النقاط التي دارت حولها المناقشات هي:

* موقف حزب البعث من الدين والرجعية الدينية.

*  مفهوم الوحدة والسياسة الخارجية على الصعيد العربي.

*  الحرية الفردية.

*  مفهوم الاشتراكية العربية(حزب البعث العربي الاشتراكي- مصطفى دندشلي 1: 49).

ولقد انتهى المؤتمر بعد إقرار دستور الحزب وانتخاب لجنته التنفيذية الجديدة التي تشكلت من ميشيل عفلق والبيطار وجلال السيد ووهيب الغانم، واعتبر هذا التاريخ هو الميلاد الرسمي لحزب البعث العربي.

تيارات داخل الحزب

في المؤتمر التأسيسي لحزب البعث وأثناء إقرار دستوره، برزت تيارات رئيسية لا بأس من الإشارة إليها لأنها ستؤثر على مجريات الأحداث القادمة في حزب البعث العربي الاشتراكي.

أولاً: الجناح اليميني

وكان يمثله عضو اللجنة التنفيذية جلال السيد.. وإلى حد ما مدحت البيطار أحد مؤسسي الحزب كذلك. يقول مصطفى الدندشلي في كتابه عن البعث: (إن جلال السيد كان مؤيداً للعراق الهاشمي ويعمل للاتحاد معه.. وإليه يرجع السبب في الإشادة بثورة الشريف حسين عام 1916 في دستور البعث الذي أقر عام 1947).

كان هذا الاتجاه يرى أن القبيلة العربية هي التي تمثل حقيقة القومية العربية، فهي ما زالت (على حد زعمه) مؤتمنة على الأخلاق العربية والتقاليد العربية. كما كان يرى أن سياسة الحياد التي ينادي بها حزب البعث جزء من لعبة الاتحاد السوفياتي. وكان ينادي بالتعاون مع دول العالم الإسلامي باعتباره رصيداً كبيراً ينبغي استثماره. وأكد جلال السيد أن الوحدة العربية لم تكن مرتبطة بحزب البعث بأي شرط من الشروط. بل إن الاشتراكية هي إحدى عوائق هذه الوحدة الشاملة.

ومع الزمن تخلص الحزب من هذا الاتجاه اليميني كما تخلص من جميع الوثائق الرسمية التي تحمل اسم جلال السيد، وحتى المفاهيم الأساسية عن الحرية والوحدة أصبحت مرتبطة بالاشتراكية وليس بأي عامل قومي.

ثانياً: الجناح اليساري

يؤكد مصطفى الدندشلي في كتابه عن البعث أن وهيب الغانم هو الذي كان يمثل هذا التيار وأنه عكف على هذا الفكر اليساري الاشتراكي ابتداءً من بروز الاشتراكية السوفياتية بعد انتصارات ستالينغراد.. وأن عفلق والبيطار زاراه في بلده اللاذقية وتناقشاً معه لمدة طويلة، حتى اقتنع عفلق رغبة منه في إنشاء حزب موحد.

ويصف جلال السيد هذا الجناح فيقول: هناك فئة من الماركسيين والمتحللين اندسوا في صفوف الحزب من غير إعلان، وبعدما سار الحزب ردحاً من الزمن فإن الفئة المحافظة اختنقت بمناخ الحزب الجديد، فانسحب أفرادها بالتدريج إلى أن أصبح الحزب كلياً من اليساريين على تفاوت في درجات تطرفهم وتعصبهم للماركسية(البعث- جلال السيد، ص- 36).

ثالثاً: جناح الأرسوزي

ويمثل هذا الجناح فئة من الشبان تأثروا بمنهج الأرسوزي وانطبعوا بأفكاره. والأرسوزي قائد طائفي.. وأكثر الشباب الذين تأثروا به من النصيريين الذين نزحوا من اللواء وانتقلوا إلى دمشق، وأشرف الأرسوزي عليهم مباشرة مادياً ومعنوياً.

كان هذا التيـار معادياً للإسلام مستهتراً بالـدين(البعث- جلال السيد، ص- 36)، يعتبر الإسلام قدحة من قدحات زناد الأمة العربية وناحية من نواحي عبقريتها، وهو ليس بالأمر المهم إذا قيس بالأمة العربية، فالعصر الجاهلي هو عصر هذه الأمة الذهبي. بل أكثر من ذلك فالإسلام بغيض لهؤلاء.. لأن الأتراك مسلمون.. وكل مسلم فهو تركي.. والأتراك هم الذين حاربوا القومية العربية في لواء الأسكندرون الذي جاء الأرسوزي منه.

ويعتقد الكثيرون أن هؤلاء لا يؤمنون بغير طائفيتهم ولو نادوا بشعارات العروبة والقومية والإنسانية ويكفي أن نعرف أنه بعد سيطرة الطائفيين على حزب البعث (أحلّوا الأرسوزي أباً روحياً للحزب بدل ميشيل عفلق تنفيذاً لخطة قديمة بعد تمهيد طويل، بدأ قليلاً بعد انقلاب 8 آذار 1963م. فلقد كان المدنيّ الوحيد الذي يزور القطاعات العسكرية ويحاضر فيها، بينما حُجبت حجباً كاملاً عن المدنيين القياديين في الحزب. أيقظوا فيه طموح الشباب والانتماء الطائفي!

يقول سامي الجندي: يتساءل الناس هل هو (أي الأرسوزي) طائفي أم لا؟ قد يكون وقد لا يكون، أميل للاعتقاد أنه غير طائفي، ولكنه مسؤول عنها، اعتمد عليها ونظمها وجعلها حزباً وراء الحزب) (البعث- سامي الجندي، ص- 19)..

رابعاً: الجناح القومي المعتدل

وهم أولئك النفر الذين ينساقون وراء الدعوات العاطفية فيأخذون ظاهرها، ويجهلون حقيقتها، فيتركون مواقعهم كلما توضحت لبعضهم حقيقة الصورة.. فحزب البعث في بداياته كان يزعم أنه مع الدين وان الرسالة الخالدة ليست سوى الإسلام.. وكان يزعم أنه حزب للحريات ومعاد للاستعمار.. وانه حزب وحدوي.. فلما تبين لهؤلاء مواقف الحزب الحقيقية البعيدة كل البعد عن مثالياته تركوه.. وها هو أحد أركان البعث يقول فيه: (من كان يظن منا أن يوماً يأتي نخجل فيه من ماضينا، نفرّ منه كذنب اقترفناه عن عمد فيلاحقنا في عيون البشر احتقاراً. آثار التعذيب الوحشي في الأجساد أرّقني، أين وصلت عشائر البعث العربي الاشتراكي)( البعث- سامي الجندي، ص- 160).

كلمة حول المؤسسين

وقبل أن ندخل في تفصيلات هذا الحزب.. يحسن بنا أن نعطي فكرة مبسطة عن مؤسسيه وخاصة أولئك الذين تركوا بصماتهم على فكره ومواقفه.

زكي الأرسوزي

كتب عنه تلميذه سامي الجندي فقال: (كان الأرسوزي زعيم المقاومة العربية في لواء أسكندرون، استقطب إعجاب شباب سورية وتأييدهم قاطبة، وغدا رمزا وطنياً، كان اول من جاء للسياسة بتحليل متأثر بالثقافة والفكر الأوروبي.. انضم إلى عصبة العمل القومي وانسحب منها، وحاول بالاشتراك مع ميشيل قوزما وعفلق والبيطار وإليس قندلفت إنشاء منظمة حزبية ولكن الاجتماعات فشلت ولم تسفر عن شيء، ثم أسس الحزب القومي العربي الذي ما لبث أن تلاشى، ثم أسس عام 1940م حزباً آخر أسماه حزب البعث العربي.. من أفكاره أن للعرب زعيماً واحداً هو صورة علمانية حديثة لإمام الزمان الذي يُقتدى به بالصلاة، ويطاع فيما يقضي فيه، فهو الحاكم السياسي الديني. العروبة عنده هي الوجدان القومي الذي انبثقت عنه المقدسات. كان يعتبر نفسه ذروة المنحنى العربي.. بل هو الذي أعطاه معناه الفلسفي والحضاري.. كان متمرداً على كل القيم القديمة، عدواً لكل ما تعارف عليه البشر، ألحد مع مريديه بكل الطقوس والعلاقات والأديان. اتُهمنا (ما زال الحديث لسامي الجندي عن أستاذه) بالإلحاد وكان ذلك صحيحاً.. كنا عرقيين معجبين بالنازية، فقرأنا كتبها ومنابع فكرها وخاصة (نيتشه) و(فيخته) و(تشمبرلين) و(داره). كان يرى الجاهلية مثله الأعلى، يسميها المرحلة العربية الذهبية.. تبنى كل ما كان جاهلياً في الإسلام.. كان إنسان الرفض ورفضنا معه.. ناقشته سنة 1946 بالقرآن فعاب علي نزعتي الدينية قائلاً: أنت راهب في ثياب ثوري. اعترضت قائلاً: إن الإيمان بالأفكار هو دينيُّ الملامح، فأجاب: إن الثورة نفسها إيمان صوفي. وجدتُ أنه لم يقرأ القرآن.. وقد لا يعلم كثيرون أنه بدأ يدرس اللغة العربية عام 1940، وقبل ذلك كان يفضل الحديث بالفرنسية. كان متوتر الأعصاب يقضم نفسه. وبدأ الشك يسيطر عليه على منطقه حتى غدا مريض الاضطهاد: كل من حوله جاسوس)( البعث- سامي الجندي، ص- (21-28) بتصرف).

زكي الأرسوزي

كان أقرب إلى التفكير النازي بل إنه أقرب إلى التفكير الروماني في تقسيم الناس إلى عبيد وسادة() البعث- جلال السيد، ص- 18).

هذا هو زكي الأرسوزي فيلسوف حزب البعث.. رجل طائفي نصيري، متقلب، متشنج، لا يعرف لغة العرب، ولا يثق بأحد حتى بأقرب الناس إليه، مثله الأعلى الجاهلية وزعيمه الأعظم امرؤ القيس الشاعر العربي.. درس الفلسفة في السوربون وتأثر بالفلاسفة (برغسون، نيشه، فيخته، ديكارت وكانْت).

ميشيل عفلق(حزب البعث العربي الاشتراكي- مصطفى دندشلي، 1: 19 وما بعدها)

 ميشيل عفلق

المؤسس الحقيقي لحزب البعث العربي.. طبع الحزب بطابعه الشخصي وأثّر فيه تأثيراً عميقاً، ليس فقط على الصعيد الأيديولوجي، بل وعلى صعيد التنظيم الحزبي والعمل السياسي واتخاذ المواقف. من هنا فلدراسة حزب البعث دراسة عميقة وصحيحة ينبغي أن ندرس حياة مؤسسه ومنظّره عفلق. ولبلوغ ذلك يمكننا أن نتناول الموضوع بالتركيز على مظاهر ثلاثة: الاهتمامات الأدبية لعفلق، وعلاقاته مع الماركسية، وأخيراً الملامح المميزة لشخصيته.

البدايات الأدبية لعفلق

بعد عودته إلى دمشق، بعد أن أمضى قرابة أربعة أعوام في باريس (1929-1933) أظهر ميشيل عفلق اهتماماً كبيراً بالقضايا الأدبية. وكان ينظر إليه في ذلك الوقت كقصاص وشاعر. كان أحد مؤسسي مجلة الطليعة الشيوعية، ومن كتابها بالإضافة إلى يوسف يزبك، كامل عياد، ورشوان عيسى، ورئيف خوري، وكان هؤلاء من بين الأعضاء الأوائل للحزب الشيوعي السوري. كما أنه كان يكتب في جريدة (الأيام) التي يغلب عليها الاتجاه الشيوعي.

تأثر بالكتّاب الفرنسيين أمثال (أندريه جيد، رومان رولان) ولقد صرّح لجريدة الأيام أنه قلما يقرأ القصص العربية (لأني لا أجد فيها نفسي (والحديث لعفلق).. أما إذا اشتقت أن أسمع صدى نفسي فانشده في قصة فرنسية أو روسية).

علاقاته مع الشيوعية

يدعي الشيوعيون أنه ما بين 1940 و1945 كان عفلق عضواً في الحزب الشيوعي السوري وأنه طرد منه على إثر صدام احتدم بينه وبين خالد بكداش على مركز الأمانة العامة الأمانة العامة للحزب.

ولقد كتب صلاح البيطار وعفلق عام 1944 نشرة بعنوان: (القومية العربية وموقفها من الشيوعية) يقولان فيها: بعد فترة قصيرة من الإقامة في باريس لاحظاً أن التعاطف مع قضية بلدهما لم يكن يأتي إلا من جانب الشيوعيين وبعض النواب الاشتراكيين في البرلمان الفرنسي. وكان ذلك هو السبب الذي حببهم إلينا. وبعد العودة إلى الوطن كان من الطبيعي (والحديث مازال لهما) أن يوحدا جهودهما مع الحركة التقدمية الممثلة في ذلك الوقت بالحزب الشيوعي السوري الناشيء. ويظهر أن كلاً من البيطار وعفلق قد توقفا عن الاستمرار مع الشيوعيين خاصة بعد أن نشر (أندريه جيد) ملهمهما والذي كان عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي ما بين (1931 – 1936م) كتابه (العودة من الاتحاد السوفياتي) عبّر فيه عن خيبة أمله نتيجة للفارق الفاصل بين الصورة التي رسمها عن روسيا السوفياتية والواقع السياسي للنظام القائم. وأن روسيا لم تحتفظ بالشيوعية الأممية إلا في دعايتها الخارجية وأنها في الداخل امة تمشي حثيثة الخطى نحو نظام خاص بها وتتهيأ للتوسع شأنها شان غيرها من الدول الكبرى. من أجل ذلك (والحديث ما زال لهما) لا نألوا جهداً في مكافحة الشيوعية وتحذير النشء العربي من خطرها.

الملامح المميزة لشخصية عفلق

ولد عفلق عام 1910 في حي الميدان في دمشق. كان أبوه يوسف تاجر حبوب على رغدٍ من العيش.. وبحكم عمله فقد كان له علاقات وثيقة مع المزارعين والوجهاء في جبل الدروز. بعد أن أنهى عفلق دراسته الثانوية في دمشق، سافر إلى فرنسا وحصل من جامعة السوربون على إجازة في التاريخ.. عاد بعدها ليدرّس نفس المادة في ثانوية التجهيز في دمشق التي تخرج منها. الأمر الذي يلفت الانتباه في شخصيته هو ذلك البطء المحير، البطء في طريقته بالتفكير والحياة. وهو كمفكر ومنظّر لحركة البعث، لك يظهر أبداً كرجل عمل وممارسة. نظراته يلقيها بخجل، وحساسيته تبلغ حد الإفراط. كان يتضايق لأقل الأسباب خصوصاً عندما كان يوضع خطُّه أو فكره السياسي موضع التساؤل. كثير التردد والتقلب يجد صعوبة فائقة باتخاذ أي قرار مهما كانت أهميته. كان عفلق يلوذ بالكتمان إلى درجة يصعب فيها حتى على أقرب المقربين إليه أن يدركوا حقيقة نواياه. يدّعي عبد البر عيون السود (وهو أحد مؤسسي حزب البعث): أن عفلق يتمتع بذكاء خاص. ويقول سامي الجندي: إن عفلق من أكثر السياسيين ذكاء، فقد استطاع أن يحتفظ بمنصبه كامين عام للحزب طيلة خمسة وعشرين عاماً. أما الكثيرون من زعماء الحزب الذين يعرفون عفلق جيداً فلا يشاطرون الجندي ولا (عيون السود) رأيهما هذا.

وعفلق وإن كان يجذبه النفوذ والأبهة.. إلا أنه كان متواضعاً في حياته الخاصة والعامة. لم يكن قارئاً جيداً. يذكر للصحفي الفرنسي (إيريك رولو) بأنه فقد الصلة مع تيارات الفكر الغربي مع مطلع الحرب العالمية الثانية(حزب البعث العربي الاشتراكي- مصطفى دندشلي، 1: (19-32) بتصرف).

هذا هو عفلق، مؤسس ومنظر البعث، كان رجلاً نصرانياً بطيئاً في الفهم متردداً في اتخاذ القرار، ذكاؤه ينحصر في قدرته على الاحتفاظ بمنصبه، مثله الأعلى الفكر الفرنسي.. كان مع الشيوعية يوم كان (أندريه جيد) معها، وتركها عندما تركها فيلسوفه المفضل.

 
Leave a comment

Posted by on May 1, 2011 in خواطر

 

أيام (سايكس بيكو) الأخيرة

إعادة رسم خريطة المنطقة

يبدو أن الخريطة الإقليميَّة لمنطقة الشرق الأوسط ستشهد إعادة ترسيم، بعد اندلاع الانتفاضات الشعبيَّة من أجل الحصول على الحرية, بما يبتعد كل البعد عن اتفاقية سايكس بيكو (1916) وغيرها من الاتفاقات, التي تقسِّم منطقة الشرق الأوسط إلى دول منفصلة.

هذا عن الأخبار الجيدة، أما الأخبار السيئة فتكمن في احتماليَّة أن تشهد خريطة الشرق الأوسط في السنوات المقبلة دولا جديدة مثل جنوب السودان وكردستان وفلسطين، وربما برقة أيضًا في شرق ليبيا, والصحراء الغربيَّة في المغرب, وجنوب اليمن, بل من الممكن أن تنقسم سوريا إلى ثلاث دول للسنة, والعلويين، والدروز، وبالطبع تراقب إسرائيل عن كثب هذا التشرذم والانقسام وكيفيَّة الاستفادة منه؛ ذلك أن السياسة الخارجيَّة الإسرائيليَّة, حتى قبل قيام الدولة, كانت تتكئ دومًا على اصطناع وإذكاء روح المشاحنة بين الدول العربيَّة ونظيراتها الإسلاميَّة المجاورة، وحدوث انقسامات أكثر في المستقبل يعني سهولة المناورة بالنسبة لإسرائيل.

بيدَ أن إسرائيل والغرب مرتاعان فعلا مما يحدث في البلدان العربيَّة من ثورات وانتفاضات شعبية، قد تُفضي في النهاية إلى زوال كثير من عملائهما في المنطقة؛ لذا سارع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز إلى تحذير من أن “التغييرات الجذريَّة في العالم العربي تتطلَّب بذل كل الجهود الممكنة لتجديد محادثات السلام على الفور”!

لكن الغرب وصنيعته – إسرائيل- ينظرون إلى تداعيات هذه الثورات، وغيرها من الأحداث التي شهدتها المنطقة في العقد الأخير, آملين أن تزيد من انقسام الدول العربيَّة والإسلاميَّة إلى دويلات ومن ثم إضعاف شوكتها، راجين أن يتمَّ رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط في القرن 21 بشكلٍ مختلف, سواء عن طريق الحروب أو الانقسامات, يكمل ما بدأه الغزو الأمريكي للعراق قبل ثماني سنوات, حيث استطاع أن يسحق النظام المركزي, ويكون مناطق عرقيَّة متنازعة بدلا منه, وما حدث مؤخرًا من استفتاء على تقسيم السودان إلى دولتين في الشمال والجنوب.

في كتابه الجديد “كيفيَّة إدارة العالم” والذي نشر قبل ثورتي تونس ومصر, توقع باراج خانا, الباحث في مؤسسة أمريكا الجديدة, أن العالم سيضمُّ 300  دولة مستقلة, ذات سيادة في العقود القليلة المقبلة, في مقابل حوالي 200 دولة في الوقت الراهن, حيث يلاحظ “أن العديد من الدول التي تخلَّصت من الاستعمار تشهد منذ استقلالها نموًّا سكانيًّا لا يمكن السيطرة عليه, وتعاني من الدكتاتوريات الفاسدة والقمعيَّة, وتفكك البنى التحتيَّة والمؤسسات, كما تشهد استقطابا عرقيًّا أو طائفيًّا”, ويمكن أن تنطبق الأسباب ذاتها لتفسير التقلبات الحالية في الدول العربيَّة.

الإسلام اليوم 16/4/2011م

 

صحيفة: زوجة زين العابدين بن علي عميلة للموساد

ذكرت صحيفة الشروق الجزائرية أن عبد الرحمن سوبير الحارس الشخصي للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي خرج عن صمته مرة أخرى وكشف من خلال “الفيسبوك” حقائق خطيرة عن العهد السابق للرئيس التونسي زين العابدين بن علي.

وحسب ما جاء في “الشهادة الالكترونية” قال سوبير “ليلى بن علي جندت عميلين بالمخابرات التونسية سنة 1991 لاغتيال رجل أعمال تونسي كان من الأصدقاء المقربين من بن علي والذي عارض بشدة زواجه منها”.

وأضاف: “صهر الرئيس المخلوع كان وراء مقتل طفلة لم تتجاوز الأربع سنوات من العمر سنة 1992 بمنطقة الرديف، والتي أثبتت تحقيقات أمن الدولة حينها من خلال تقرير سلمه علي السرياطي إلى جهاز أمن الدولة أن القاتل كان شخصا مكلفا من طرف صهر الرئيس المخلوع بذبح الفتاة”.

وكشف سوبير معلومات جديدة عن وجود كنوز أخرى موجودة بقصر قرطاج أكثر بكثير مما تم العثور عليه سابقًا، مؤكدًا أن هذه الكنوز مجموعة من الأوسمة الموشحة بالذهب والياقوت.

وقال الحارس الشخصي للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي: “هذه الكنوز كان يقع تجميعها من طرف ليلى وشقيقها بلحسن، إضافة إلى أسرار عن محمد العربي المحجوبي المعروف باسم الشاذلي الحامي الذي كان يشغل منصب كاتب دولة لدى وزير الداخلية سنة 1990 بتهمة التواطؤ والتخابر مع الموساد”، مشيرًا إلى أن تلك العملية كانت وهمية ومفتعلة من قبل بن علي وزوجته لتهدئة الرأي العام التونسي.

وأضاف: “بن علي وليلى الطرابلسي متواطئان مع إسرائيل، وإن ليلى عميلة للموساد ولها يد في عديد الاغتيالات التي استهدفت القادة الفلسطينيين في تونس”.

يشار إلى أن تونس شهدت اغتيال عدد من قادة منظمة التحرير من أبزرهم ابو جهاد خليل الوزير، التي اغتالته فرقة صهيونية خاصة قادها وزير الحرب الحالي ايهود باراك.

مفكرة الإسلام 17/4/2011م

 

حفيد محمد نجيب:عبد الناصر الأكثر ظلما لجدي والسادات شوه صورته ومبارك طردنا

كشف محمد يوسف محمد نجيب حفيد الرئيس الراحل محمد نجيب أنه منذ وفاة جده عام 1984طردت عائلته من المنزل الذي كان مخصصا لهم فى المرج والتى عاش فيها نجيب منذ تحديد اقامته بعد خروجه من الحكم، وكانت عملية الطرد فى نفس اليوم الذي أقيمت فيه الجنازة العسكرية وتشييع جثمان جده وفى نفس اللحظة كان يتم طرده وشقيقته من المنزل عن طريق قوات من الأمن المركزي بطريقة مهينة جدا وتركوا فى الشارع حتى عودة أسرته من الجنازة، ولفت يوسف إلي أن والده وجده لأمه اختفيا بعد وفاة جده لأبيه “محمد نجيب “بيومين ولم يعرفا مكانهما علي الاطلاق وخلال الفترة من 1985 حتى 1999 عاشوا فى شقة فقيرة منعوا فيها من الاختلاط بالناس أو تعريفهم بأنهم من اسرة الرئيس الراحل.

الرئيس الراحل محمد نجيب

وأضاف حفيد أول رئيس لمصر أن الرئيس السابق مبارك لم يذكر اسم جده منذ توليه الحكم حتى أن جمال عبدالناصر حذف اسم جده من كافة سجلات الحياة وقت حكمه وكان يعتقل كل من يذكر اسم محمد نجيب، فيما قرر الرئيس السادات رفع قرار حظر الاقامة عليه رغم أنه سبق وشارك فى تشويه صورة نجيب عند الشعب المصري بعد تولي عبدالناصر الحكم، وقال أنه لا يوجد أى رئيس مصري أعطي لجده حقه الاعلامي والسياسي.

وأكد حفيد محمد نجيب أن غالبية عائلته من الضباط أحيلوا الى المعاش بعد تحديد اقامة جده فكان عبدالناصر هو أكثر من ظلم جده.

وأضاف حفيد محمد نجيب أنه حتي الان لا يعرف سبب المعاملة السيئة التى يتعرض لها وأسرته رغم أن جده لم يكن خائنا لبلده ولم يضرها ولم يسرق أموالها،وطالب بأن يتم التعامل مع جده بنفس الطريقة التى يتم التعامل بها مع رؤساء الجمهورية بالاحتفال بذكري وفاتهم أو ميلادهم الى جانب المنزل الذي كانوا يعيشون فيه والذي لا يزال خال حتي الأن لابد أن يعود الى أسرة محمد نجيب ليكون منزل عائلة أول رئيس فى مصر، والحصول على المخصصات المالية التى تخصص لأسرة أى رئيس جمهورية سابق.

وأكد حفيد نجيب أن الشخص الوحيد الذي وقف الى جوار أسرة الرئيس الراحل كان المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع الحالي.

الدستور 23/3/2011م