RSS

غربة وذلة أم هجرة ونصرة.. ؟

10 May

(3) غربة وذلة أم هجرة ونصرة.. ؟ – من سلسلة خواطر حول العالم

عصرنا هذا هو عصر السرعة..

في ساعات تقطع المسافات التي لم يكن الإنسان يحلم أن يبلغها.. تدير قرص الهاتف فتكلم إنساناً في الطرف الآخر من الكرة الأرضية.. تضغظ أزرار التلكس فيقرأ رسالتك صاحبها قبل أن تفرغ من ضغط الأزرار.. حتى أحوال القمر والكواكب وسائر الأحلام التي كانت تداعب خيال الشعراء صارت حقائق يسجلها التلفزيون وعدسات المصورين.. فالإنسان يسبح في الفضاء، وينزل على القمر، ويقطع صخوراً من تربته، ويعود ليخبر سكان الأرض بأن أحلام الأمس صارت اليوم حقائق.

والناس ينتقلون من بلد إلى بلد.. بطائرات سريعة.. ثم أسرع.. ثم بالكونكورد وهي الأسرع من الصوت.. ويستقرون هنا أو هناك طلباً للارتزاق والعمل والعيش الكريم..

عندما اكتشفت أمريكا (العالم الجديد) بدأ الناس يهاجرون إليها من كل حدب وصوب.. واليوم الأمة الأمريكية خليط من كل الأمم.. يتكلمون مختلف اللهجات واللغات.. فيهم الأبيض والأصفر والأسود والأحمر.. ولقد وجد كل من هاجر إليها حتى العبيد، فرصة للعمل، وجامعة للدراسة، وجنسية أمريكية تعطى له بعد مرور خمس سنوات.

وتكرر هذا الموضوع في استراليا وفي جنوب أفريقيا.. وفي بلدان أخرى كثيرة انتقل إليها الناس وعاشوا فيها وكأنهم أصحابها..

فإذا كانت لقمة العيش قد دفعت بالكثيرين للهجرة إلى هذه البلدان، فإن الهجرة بدوافع الفكرة والعقيدة موجودة كذلك..

فعندما أحس النبي صلى الله عليه وسلم أن دعوته وصلت إلى جدار مسدود في مكة المكرمة هاجر إلى المدينة بالرغم من أن مكة هي أحب بلاد الله إليه.. وكذلك هاجر أصحابه تاركين وراءهم المال والعيال والأرض والوطن في سبيل الله ومن أجل عقيدتهم.. بل كان القرآن، في ذلك مفاصلاً.. قال تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا..)( الأنفال- 72).

ولقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.. فهم أمة واحدة بعضهم أولياء بعض. أما أولئك الذين آمنوا ولم يهاجروا فليس للمسلمين من ولايتهم من شيء..

مفاصلة كاملة بين دولة الإسلام بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المؤمنين السلبيين الذين آمنوا وأحبوا البقاء في دار الكفر يومذاك في مكة أو في بواديهم خارج المدينة.

واستجاب المؤمنون لنداء ربهم.. وسيرة قائدهم محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله.. فإذا واجهتهم صعوبات وبات عملهم في هذه المنطقة متعذراً فعليهم الانتقال إلى غيرها.. (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً)( النساء- 97).

واجه المسلمون ذلك في القديم..

ويواجهونه في الحديث.. والأمور تختلف مكاناً بعد مكان وزماناً بعد آخر..

في عام 1954م عندما هاجر إخواننا من مصر بسبب الاضطهاد الكبير الذي واجهتهم به حكومة الثورة المصرية استقبلهم إخوانهم في الأقطار العربية وخاصة في الأردن وسوريا أحسن استقبال، حتى أن الرجل فيهم كان محظوظاً إذا نزل عليه رجل من هؤلاء.. أنزلوهم في بيوتهم.. وأنفقوا عليهم من أموالهم.. وزوجوا من كان يرغب بالزواج من كرائم عوائلهم.. أصدروا مجلة المسلمون بعد أن أغلقها الطغاة في مصر، وحاربوا عبد الناصر بسواعد إخوانهم في الشام وأقلامهم وهممهم.. كان كبيرهم في ذلك الوقت يوصي إخوانه بهؤلاء ويقول لهم: عاملوهم كما عامل إخوانكم الأنصار إخوانكم المهاجرين..

وكذلك مع إخواننا السوريين الذين اضطرتهم الظروف القاسية مع حكومتهم إلى الهجرة منذ عام 1979م فوجدوا أحسن استقبال من إخوانهم في مصر وإخوانهم في الأردن، حتى إنك كنت تشعر أنك في أهلك وفي بيتك..

ولا يمكن أن ينسى المسلم السوري الشيخ الجليل الأستاذ عمر التلمساني يخطب في جموع الشعب المصري من مكان إلى مكان يتكلم في أسبوع الشعب السوري الذي يكافح الظلم ويحارب الطغيان.

ويختلف الأمر من مكان إلى مكان، فبعض الحكومات تنظر إلى كل إنسان على أنه مرتزق وتسميه أجنبياً.. وليس ذلك الذي نقصد.. فمن الطبيعي أن لكل دولة قانوناً.. وأن تسمي الناس وتعاملهم حسب مقتضيات هذا القانون..

الذي نقصده هم هؤلاء الإسلاميـون الذين يهاجرون هذه الأيام.. فراراً من ظلم الحاكم بعد أن قارعوه.. جاءوا وفي مخيلتهم صورة الأنصار والمهاجرين.. فماذا وجدوا؟

وجدوا الإسلام ألواناً.. تعطيه الأرض لونه.. فهذا إسلام خليجي وذلك عربي وآخر هندي وهكذا..

ووجدوا العواطف الكريمة محصورة في حدود اللون والجنس والأرض.. لا تتعداها بل لا يسمح لها بالتجاوز.. فلا غرابة أن تسمع من هؤلاء أقوالاً جاهلية وإن زعم أصحابها الإسلام.. ولا غرابة كذلك أن يستشعر المهاجرون الذلة بدلاً من انتظار النصرة..!

1983/6/27م

Share
 
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *