RSS

الفجر

05 May

(1) الفجر – من سلسلة خواطر حول العالم

الفجر.. ساعة تنفس الحياة في يسر، وفرح، وابتسام، وإيناس ودود ندى، والوجود الغافي يستيقظ رويداً رويدا، وكأن أنفاسه مناجاة وكأن تفتحه ابتهال..

الفجر هذا لنا معه قصة..

قصة طويلة.. زمانها أربعة عشر قرنا..

ومكانها.. كل الأرض التي شهدت تعظيم الله وتكبيره..

في رأس الجبل البعيد عن مكة حيث ينقطع لغو الناس وحديثهم الباطل.. ويبدو السكون الشامل المستغرق.. في هذه القمة السامقة المنزوية شهد الفجر محمداً صلى الله عليه وسلم منقطعاً عن العالمين متجهاً بفؤاده المشوق إلى رب العالمين.. في هذا الغار المهيب المحجب.. كانت النفس الكبيرة تتلوى حسرة وحيرة لا تدري لها مخرجاً.. هناك كان الأمين يتعبد ويصقل قلبه وينقي روحه ويقترب من الحق جهده ويبتعد عن الباطل وسعه..

في هذا الغار ينزل وحي السماء نورا يسطع على القلب العاني إلهاماً وهداية وتثبيتا وعناية.. وهكذا شهد الفجر ميلاد الرسالة تنزل من علياء السماء على قلب الرسول الكريم..

وبدأت الرحلة الطويلة.. مع الفجر..

الإغراء يكبر.. والأمين ثابت على العهد..

والتهديد والتعذيب يشتد ويقسو والأمين وأصحابه كالطود الأشم لا تلين لهم قناة ولا تضعف لهم نفس..

تساموا على الأرض وما فيها من ظلم..

(أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك.. لك العتبى حتى ترضى.. ولا حول ولا قوة إلا بك..)

وتمضي القصة بكل جلالها وعظمتها تُشهد الفجر والحياة بقية فصولها.. في ثلث الليل قبيل الفجر.. خرج الثلاثة والسبعون رجلا من رحالهم لميعادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسللون تسلل القطا مستخفين في ظلام الليل.. ليلتقوا مع الرسول الكريم.. فيبايعوه أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم.. وهكذا شهد الليل قبل الفجر ميلاد الدولة الجديدة تقام في أرض المدينة.

ويأبى الطغيان أن يسمح للموكب الكريم أن يتقدم بيد الخلاص ليمسح شقاء الإنسان.. فيجتمع الطغاة في دار الندوة ليأتمروا بالرسول الركريم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه.. (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)( الأنفال-30).

وثلاث ليال طوال بقي الرسول الكريم مع صاحبه العظيم أبي بكر في غار ثور.. وفي كل مرة يشهد الفجر الصراع الأزلي بين الطغيان بكل عنجهيته وجبروته وبين الحق بكل نصاعته وإخلاصه.. وحين يبكي ابو بكر.. يهمس له الرسول الكريم: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما..).

لا تخف يا ابا بكر على حبيبك فالله سيرعاه ليبلّغ الرسالة ويؤدي الأمانة..

وانتقل الرسول الكريم إلى المدينة بين أصحابه وأنصاره.. ليقيموا هناك المجتمع المسلم.. وليأسسوا أول دار للإسلام.. ولكن هل انتهت القصة.. ؟

لا.. فما زالت لها فصول تطول.

فمن فصول القصة معركة بدر..

ومن فصولها معركة أحد..

ومن فصولها غزوة الأحزاب..

الشرك بكل فصائله: قريش ومعها قبائل العرب واليهود ومعهم كل أرض النفاق..

من داخل المدينة ومن خارجها اشتد الأمر على المسلمين..

ويحاولون اقتحام الخندق واحتلال بيت النبي صلى الله عليه وسلم..

ووقع ثقل المقاومة على أصحاب الإيمان الراسخ.. كان عليهم أن يكبتوا مظاهر القلق والخوف.. وسألوا الرسول عن المخرج فقد بلغت القلوب الحناجر..

قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا)..

فستر الله عوارتهم.. وآمن روعاتهم.. وصرف عنهم كيد الشرك والطغيان..

ولكن هل انتهت القصة.. لا.. فما زالت لها فصول تطول..

واقترب الرحيل.. (أيها الناس: فمن كنت جلدت له ظهراً، فهذا ظهري ليستقد منه ومن كنت شتمت له عرضا، فهذا عرضي فليستقد منه)،

ألا وإن الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني..

أيها الناس: (من كان عليه شيء فليؤده.. ولا يقل فضوح الدنيا.. ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة.. أيها ناس.. من خشي من نفسه شيئا فليقم أدع له..

فقام رجل فقال: يا رسول الله إني لكذاب إني لفاحش إني لنؤوم، فقال النبي: (اللهم ارزقه صدقاً وإيماناً وأذهب عنه النوم).

وفي صلاة الفجر.. فجر الاثنين وقد اصطف المسلمون قياما خلف أبي بكر أحب الرسول الكريم أن يلقي نظرة أخيرة على أصحابه فبرز للناس.. وعاد بعدها ليلقى ربه وهو يقول: (بل الرفيق الأعلى والجنة).

فهل انتهت القصة برحيل القائد العظيم والرسول الكريم والزعيم صاحب الرسالة.. كلا.. بل لها فصول تطول..

فلئن غاب الرسول الكريم فكل اصحابه أمناء على الدعوة باقون على العهد..

وهكذا فإن موكب الدعوة إلى الله الموغل في القدم، الضارب في شعاب الزمان ماض في طريقة اللاجب، ماض في خطه الواصب مستقيم الخطى ثابت الأقدام يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل، يقاومه التابعون من الضالين والمتبوعين ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء.. والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد.

صراع طويل ودائم بين الطغيان والطغاة..

وبين الإيمان والدعاة..

الزمان: عام 1928.

المكان: الإسماعيلية في مصر.

في هذا الزمان والمكان شهدت الدنيا ميلاد جماعة الإخوان المسلمين..

جماعة مؤمنة تدعو الناس إلى الله..

وبدأت الدعوة تنتشر وتقوى حتى كانت حرب فلسطين عام 1948م ودخلت كتائب الإخوان الأرض الطيبة تدافع عنها وتحميها..

الزمان: 26 مايو 1948.

المكان: مستعمرة رامات راحيل في فلسطين..

كان جنود الهاجاناه ينامون ملء جفونهم مطمئنين إلى حصونهم القوية حتى انتصف الليل أو كاد وبدأت أشباح الإخوان تنطلق من مركز القيادة حيث يبتلعها الظلام الكثيف ثم تلتقي في سكون في مناطق مختلفة في الجبال المحيطة بالمستعمرة، ثم انطلقت إشارة ضوئية زحف بعدها مجاهدو الإخوان.. وعندما دقت ساعة الكنيسة الكبيرة دقتين بعد منتصف الليل ارتجت الأرض تحت دوي المدافع وتمزقت حجب الليل المظلم من وهج القنابل التي انقضّت كالشهب على المستعمرة الساكنة.. ولم تمض إلا دقائق حتى شبت الحرائق وتفجرت الألغام وبدأ الزحف.. وفي لمح البصر كان الإخوان يفجرون الألغام تحت الأسلاك الشائكة ومن ورائهم فصائل الاقتحام لتحتل الأغراض التي خصصت لها..

واستمات اليهود في الدفاع عن مستعمرتهم.. ولكن ثبات الإخوان وحبهم للموت أسقط في أيديهم وبدأوا يجلون عبر ممراتهم السرية إلى مستعمرة (تل بيوت) على مقربة من القدس.. وحين كان آخر يهودي يغادر المستعمرة هارباً كان صوت المؤذن يتهادى مع نسيم الفجر.

(الله أكبر الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله..)

وكان عدد قتلى اليهود في هذه المعركة أكثر من مائتين.. ولم يزد شهداء الإخوان عن تسعة وشهيد من إخوان الأردن الذين كانوا يرابطون في صور باهر بقيادة أخيهم عبد اللطيف أبو قورة رئيس الإخوان المسلمين في الأردن يومذاك.

الزمان: 5 يونيو 1948.

المكان: تل بيوت القريبة من القدس في فلسطين.

انطلقت جماعة الإخوان إلى مستعمرة تل بيوت.

وقرب الفجر سمعت بيت لحم انفجاراً مدويا وتهدمت ثلاثة حصون من تل بيوت وعاد بعدها حسين حجازي قائد مجموعة الإخوان هناك.

محمد سلطان من الإخوان المسلمين يزحف على بطنه حاملاً لغماً هائلا وهدفه أحد مراكز الحراسة، ينتبه إليه الحراس وهو على قيد خطوات من هدفه، فيطلقون عليه رصاصات تصيبه في ذراعه وتعجزه عن المضي في زحفه.. ولكنه يتحامل ويتحامل ويظل يجاهد بعناد حتى يقترب من هدفه فيفجر اللغم ليدمر مركز الحراسة ويقضى على البطل الفذ محمد سلطان..

عمر عبد الرؤوف.. يستشهد فيقول: (أترون ما أرى.. إني أراها وأشم رائحتها.. الجنة) وهذا عبد الرحمن عبد الخلاق.. وغيرهم كثير كلهم جاءوا ليطبقوا عمليا شعار دعوتهم.. الموت في سبيل الله اسمى أمانينا.

ولكن هل انتهت القصة.. كلا.. فلها فصول تطول..

وهل يسكت الاستعمار عن هذا الوعي الذي ظهر، وعن هذه الروح التي نمت..

وعن هذه الجماعة المسلمة التي بزغت.. وعن هذه القيادة المؤمنة التي توضحت.. فالإخوان يعودون من أرض فلسطين لا إلى بيوتهم ولكن إلى المعتقلات.. ولا ليجدوا مرشدهم وزعيمهم حسن البنا فلقد اغتالته يد آثمة.

ولكن هل انتهت القصة.. كلا فلها فصول تطول..

فالاستعمار المتمثل بالإنكليز جاثم على أرض مصر يحتل قناتها وأهم مراكزها.. فماذا يكون رد فعل المؤمنين..؟

الزمان: عام 1951.

المكان: قناة السويس.

ها هو عصام الشربيني وفتحي البوز اثنان من فدائيي الإخوان المسلمين يهاجمون دورية مصفحة دأب العدو على إخراجها في منطقة جنوب القنطرة ويلقون على الدورية قنابلهم التي لم تنفجر ورشاشاتهم التي أطلقت رصاصات وتوقفت.. واستطاعوا الانسحاب.. هكذا بدون سلاح إلا سلاحاً من بقايا الصحراء الغربية يتصدى به الرجال المؤمنون للجنود المدججين بالسلاح.

وفي الإسماعيلية حيث القائد يوسف طلعت يرقب تحركات الإنكليز ويوجه رجاله يضربون العدو في كل مكان يفجرون الذخائر ويضربون السيارات المصفحة ويقتلون رجال العدو.. كل ذلك بخنجر مرهف أو قنبلة قديمة قد تنفجر وقد لا تنفجر وبرشاش قديم قد ينطلق وقد يتوقف.. ومعركة التل الكبير.. هل سمعت بها يا أخي المسلم..

أقرأ عنها.. فهي ملحمة جهادية رائعة تذكرك بجهاد خالد وعكرمة ولقد تناقلت الأنباء يومها الشيء الكثير، من معركة التل الكبير مشيدة ببطولة شباب الإخوان المسلمين الخارقة وكيف صمد عشرات من شباب الإخوان المسلمين بالبنادق الخفيفة ساعات طويلة أمام مجموعة لواء من المشاة البريطانيين تؤازرهم الدبابات والمدفعية واستشهد عمر شاهين واستشهد أحمد المنسي وأسر عشرات غيرهم.. كل هذا لا شيء أمام أن ينتصر المعنى الكبير.. الجهاد في سبيل الله أسمى أمانينا.. ولكن هل انتهت القصة.. كلا.. فلها فصول تطول..

وتتالت قوافل الشهداء..

عبد القادر عودة: الرجل التقي النقي الذي لم يند عن مسلك الطهر والشرف في أية مرحلة من حياته..

محمد فرغلي   : الرجل الذي قال إنني أموت وأنا مطمئن إلى أن شعب مصر سيدرك أننا متنا في سبيل استعادة حرياته من مغتصبيها.

يوسف طلعت   : جزار الإنكليز في ساحة الشهادة.

يا يوسف إن أمثالك من الصديقين يضيق عنه قرن بأكمله فلا يشهده الناس إلا مرة كل بضعة قرون..

إبراهيم الطيب.. هنداوي دوير.. محمود عبد اللطيف.

هناك في سجن مصر البائسة حيث يخفق علم اسود، ستة من الإخوان المسلمين شنقوا في صباح 8/12/1954.

هذه هي القافلة الأولى من شهداء الإخوان

محمد السيد عفيفي، الشيخ رائف، عمر جمعة، سعد الدين محمود شوقي، سيد العزب صوان، فهمي إبراهيم نصر، محمد هريدي، علي إبراهيم حمزة، محمد أبو الفتوح معوض، عثمان حسن عيد، أحمد عبود متولي، سمير عثمان، مصطفى حامد علي، خير الدين إبراهيم عطية، لطيف محمد نظمي، أحمد محمود الشناوي، عبد الله محمد سميح، عبد الفتاح محمود عطالله، وجدي عبد الله، عصمت عزت عثمان، عبد الله عبد العزيز الجندي، فريد أحمد، رزق حسن إسماعيل، إبراهيم محمود أبو الدهب، محمود عبد الجواد العطار، السيد علي محمد، أنور مصطفى أحمد، أحمد حامد علي قرقر، محمد محمد سليمان.

وهذه قافلة أخرى سقطت في السجون..

سيد قطب

محمد يوسف هواش

عبد الفتاح إسماعيل

قافلة ثالثة.. من قوافل الكفاح

(وتتبدل الأحوال، ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى، وينظر إلى غالبه من علٍ مادام مؤمناً ويستيقن أنها فترة وتمضي وإن للإيمان كرة لا مفر منها، وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأساً، إن الناس كلهم يموتون أما هو فيستشهد، وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة وغالبه إلى النار وشتان شتان، وهو يسمع نداء ربه الكريم (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ. لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ..)( آل عمران (96-98)).

في هذا الضجيج يقف المؤمن قابضا على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع الشارد عن الدين وعن الفضيلة وعن القيم العليا، وعن الاهتمامات النبيلة، وعن كل ما هو طاهر نظيف جميل وهو يقول (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)( هود- 38)..

هل انتهت قصتنا مع الفجر..

ساعة تنفس الحياة في يسر، وفرح وابتسام، وإيناس ودود ندى، والوجود الغافي يستيقظ رويدا رويدا، وكأن أنفاسه مناجاة وكأنما تفتحه ابتهال..

لا ابدا أبداً.. فلنا مع الفجر فصول تطول..

فصول عرضناها خطوطا عامة سريعة..

وفصول مازال موعدنا معها.. مع الفجر القريب القريب..

ويومها يفرح المؤمنون بنصر الله..

Share
 
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *