RSS

مَوتُ الغَربِ

03 Mar

د. أشرف نجم

 

طوال اثنتي عشرة سنة كنت أتجول في شوارع القاهرة “معشوقتي”، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، حتى كدت أن أحفظها شارعاً شارعاً، ثم انطلقت أزور مدن مصر الأخرى، فأحببت منها الإسماعيلية وأسوان والإسكندرية والغردقة ومرسى مطروح والعريش، وطوفت بكل المدن الكبرى – تقريباً – وكنت ألحظ قاسماً مشتركاً في شوارع مصر كلها، هو أن معظم من يتجولون فيها من الأطفال والشباب … ولم يكن ذلك مثار تعجب بالنسبة لي فأنا أعلم أني أعيش في بلد 60% من سكانه تحت سن الثامنة عشرة .. إنها أمة شابة فتية.

ولم تتغير نظرتي هذه للأمور حتى بعد أن عشت في الكويت وزرت جدة والحجاز والدوحة ودبي وصنعاء، فالعالم العربي كله يحوي من الأطفال والشباب أضعاف ما يحوي من الكهول والعجائز … وظلت نظرتي أيضاً كما هي بعد أن تجولت في شوارع اسطنبول – المدينة التي أحببتها من أول نظرة – وطفت في أزقة كوالالمبور – عاصمة ماليزيا – لأني أدركت أن العالم الإسلامي كله أمة شابة فتية … وحين تجولت في حواري جوايانا – إحدى دول أميركا الجنوبية 20% مسلمون – أدركت أن دول العالم الثالث أيضاً تشارك المسلمين تلك الروح الشابة الفتية.

ولم تبدأ صدمتي إلا حين خرجت إلى ما يسمونه “العالم الأول” أو “الأمم المتقدمة” … فأنت حين تسير في شوارع هذه المدن “المتحضرة” لا تكاد ترى طفلاً يلعب، أو شباباً يتسامرون، بل معظم من تقابلهم من أهل البلد فوق سن الأربعين، وكثير منهم قد تجاوز الستين وربما بأكثر من عشر سنين … رأيت ذلك في لندن ودبلن بأوروبا، كما رأيته في نيويورك وواشنطون وسان فرانسيسكو وبوسطن بأميركا، ورأيته أيضاً مؤخراً في تورنتو بكندا … عندها أدركت أن هناك عالماً آخر لا يتمتع مثل بلادي بالشباب والحيوية … إنها بلاد من الكهول والعجائز.

فارق آخر يلاحظه المرء بين أممنا الشابة والغرب الكهل، ذلك هو “الوحدة المجتمعية”، فمجتمعاتنا – في معظمها – تتكون من نسيج واحد تقريباً من البشر، تجمعها لغة وتاريخ مشترك وعادات وتقاليد متوارثة متشابهة إلى حد كبير … بيد أن المجتمعات الغربية أصبحت تموج الآن بالمهاجرين من أطراف المعمورة فغدا المجتمع خليطاً من شعوب العالم المختلفة في أشكالها ولغاتها وتاريخها وعاداتها ودياناتها.

ورغم أن لذلك بعض المزايا إلا أن له ماله من العيوب لاسيما ذوبان الرجل الأبيض في طوفان من الخليط البشري المصطنع .. ونظرة واحدة لمنتخب فرنسا لكرة القدم تكشف لكم أنه شبيه بمنتخب مالي أو ساحل العاج أو غيرهما من الدول الأفريقية السمراء .. إنها الهجرة بما لها وما عليها.

وأمر ثالث لا يمكن لأحد تجاهله هو فرق صارخ بين مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية، إنه “التدين والارتباط بالسماء” … ولست أظنني في حاجة أن ألفت انتباهكم إلى تجذر الدين في مجتمعاتنا وانتشار التدين في كافة طبقات المجتمع، في المدن والقرى، في الرجال والنساء، وفي الشباب والكهول على حد سواء … وليس ذلك خاص بالمسلمين وحدهم بل يشاركهم فيه أصحاب الديانات السماوية الآخرى، بل وحتى غير السماوية منها.

وفي المقابل، تعاني المجتمعات الغربية من تآكل الدين يوماً بعد يوم، بل تآكل حتى الارتباط بالسماء أو بالروح أو بما وراء المادة، حتى أصبح من المألوف أن ترى كنائس تفلس وتـُباع لتناقص روادها مع الزمن، وحتى أصبح طبيعياً أن يسأل الناس بعضهم بعضاً: “هل أنت ممن يؤمن؟” يعني هل تؤمن بما وراء المادة؟ .. وحتى اضطر البابا في عدة مناسبات أن يطلق نداءً بعودة أوروبا والغرب إلى مسيحيتها.

في محاضرته عن تاريخ الحضارات تحدث الأستاذ مصطفى الطحان عن كتاب لواحد من كبار الكتاب الأمريكان يدعى “بوكانن” سماه (موت الغرب) … وطوف بنا المحاضر في جنبات الكتاب الذي يحوي الكثير من الدراسات الاجتماعية للمجتمعات الغربية ليخلص في النهاية إلى حقيقة يراها ماثلة أمام عينيه، وهي “أن الغرب يموت .. وأن الحضارة الغربية تحتضر”.

وللحضارات أعمار كأعمار البشر، ولها ” دورة حياة ” تماماً كدورة حياة الإنسان أو أي كائن حي آخر … تبدأ ضعيفة صغيرة، ثم تقوى وتنمو فتصبح صلبة شابة فتية، ثم ما تلبث أن تضعف وتضمر حتى تمرض ثم تموت.

هذه القاعدة صحيحة دائماً إذا ما استثنينا “الحضارة الإسلامية” التي كما يقال عنها “حضارة قد تمرض وتشيخ، لكنها أبداً لا تموت” … ربما لأنها ترتبط بدين الله الوحيد الخالد (إن الدين عند الله الإسلام)، وربما لأنها تحمل كتاب الله تعالى الأخير الباقي، الذي تكفل سبحانه بحفظه إلى يوم الدين (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وربما لأنها تحمل في طياتها بذور النماء التي ما أن تجد التربة الخصبة والمناخ المناسب حتى تثمر من جديد.

بعد المحاضرة طلبت الكتاب من المحاضر لأطلع عليه، فزودني به – مشكوراً – وزادني كتاباً آخر قديم نسبياً ولكنه قيم جداً عن (المسلمون حول العالم) .. عكفت على قراءة الكتابين خلال رحلتي الأخيرة غبر الأطلسي إلى تورنتو بكندا مروراً باستابول … ثم قررت أن أشرككم معي في متعة المعرفة .. والنظرة للمستقبل.

فاسمحوا لي في مقالات متتالية أن أعرفكم على الكاتب، ثم أجوب بكم في فصول الكتاب وأبوابه نستخرج منها العبر، وتعرف بها على الواقع، ونستشرف منها المستقبل .. فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

25 يناير 23/2/2012م

Share
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *