RSS

حزب النهضة الإسلامي الطاجيكي.. تحديات وعراقيل

02 Mar

علاء فاروق

 حزب النهضة هو الحزب الإسلامي الرسمي الوحيد في آسيا الوسطى الذي يتمتع بحرية النشاط والحركة في ظل نظام علماني يمنع قيام أحزاب دينية، وللحزب مسيرة نضالية طويلة انتهت في النهاية بالاعتراف به، وقيام كيانه رغم أنف العلمانية، وقد قاوم الحزب بكل قوة محاولات اجتثاثه، والقضاء عليه وعلى رجاله، وذلك لقدرته على الصمود عبر إدارة الصراع على الصعيدين العسكري والسياسي في آن واحد خلال أعوام 1992- 1997، وتوقيعه اتفاقية السلام الطاجيكية في موسكو في يونيو 1997، والعودة إلى كفاحه السلمي من جديد.

 خريطة طاجيكستان

وتولى سيد عبد الله نوري قيادة الحزب طيلة سنوات كفاحه السري منذ 1973 أثناء الحكم السوفيتي، مرورًا بسنوات الانفتاح والتغيير في عهد جورباتشوف، ثم في مرحلة الاستقلال بعد الانهيار السوفيتي وما تبعها من حرب داخلية شهدتها طاجيكستان، ثم مرحلة السلام والمشاركة في الحكم، إلى أن توفي عام 2006م، وخلفه محيي الدين كبيري الذي ما زال يتزعم رئاسة الحزب حتى الآن.

مسيرته مع الانتخابات

لم يكن حزب النهضة الإسلامي مجرد حزب “ديكوري” كغيره من الأحزاب، وكما هو معهود في هذه الجمهورية السوفيتية السابقة التي يهيمن حزب الرئيس الحاكم على حياتها السياسية، ورغم كل ذلك فإن هذا الحزب يتميز بإيجابية كبيرة في مشاركته في جميع الانتخابات البرلمانية التي تحدث، ورغم عدم حصوله إلا على مقعد أو اثنين في البرلمان المكون من 63 مقعدًا، فإنه يعيد الكرة مرة تلو الأخرى، وكله أمل أن يأتي اليوم الذي تكون له الأغلبية، ورغم اختلافنا مع هذه النظرة في ظل سيطرة الحزب الحاكم، فإن توقعها لم يعد مستحيلاً.

وللحزب مسيرة “نضالية” مع الانتخابات البرلمانية في البلاد التي تعقد كل خمس سنوات، حيث إن تجربته الانتخابية تؤكد أنه موجود وقادر على المنافسة إذا جرت الانتخابات في أجواء صحية ونزيهة، ولكن كما هي العادة في الكثير من جمهوريات آسيا الوسطى، طالما توجد شبهات تزوير في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ما يجعل فرصة هؤلاء الإسلاميين ومن يشابههم من معارضة، ضعيفة جدًا في الحصول على نصيب كبير في هذه الانتخابات، وربما إذا حدث هذه سيكون بعد عشرات السنين مع توافر عنصر الإصرار على التغيير.

وفي الانتخابات الأخيرة التي أجريت يوم الأحد (28 فبراير/ شباط الماضي)، وترشح فيها ثمانية أحزاب، وعلى رأسهم حزب الشعب الديمقراطي الحاكم “حزب الرئيس رحمان”، يليه حزب النهضة الإسلامي، وتمت الانتخابات في 41 منطقة في طاجيكستان، وبلغ عدد المرشحين في الانتخابات 135 فردًا يتوزعون كالتالي:

1- حزب الشعب الديمقراطي “39 فردًا”.

2- حزب النهضة الإسلامي “20 فردًا”.

3- الحزب الشيوعي “9 أفراد”.

4- حزب الإصلاح الاقتصادي “7 أفراد”.

5- الحزب الزراعي “4 أفراد”.

6- الحزب الاشتراكي الديمقراطي “شخصان”.

ويتوزع الباقون على أحزاب أخرى ليس لها ثقل أو شهرة، وبعضهم يترشح بصورة مستقلة، ويصل عدد الناخبين في هذه الجمهورية قرابة ثلاثة ملايين و500 ألف ناخب.

وجاءت النتائج كما توقع الخبراء والمحللون وتوقعنا معهم، أن هذه الانتخابات نتائجها محسومة قبل إجرائها، وفاز حزب النهضة الإسلامي بمقعدين، وكأن هذا العدد أصبح ملازمًا له، لا يزيد عنه ولا ينقص طيلة عمليات الانتخابات المتتالية، وكان ذلك تشجيعًا من الحزب الحاكم على مشاركة الحزب في إكمال الصورة الديكورية للانتخابات، والتي انتقدتها بعض المنظمات المراقبة لها.

يبدو من نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة أن العراقيل والتحديات مازالت توضع في طريق حزب النهضة لتضعه على المحك، وربما لا يكون أمام الحزب إلا أحد طريقين: إما أن يلجأ للتراجع، وترك الحياة السياسية، ويكون بذلك أضاع تاريخًا يمتد لما يقرب من 20 عامًا من النضال السياسي على الصعيدين الرسمي والشعبي، وإما أن يلجأ لخيار العنف وعودة الحرب الأهلية مرة أخرى، وهو قادر على ذلك لما يمتلكه من شعبية وأيديولوجية لتحريك أنصاره، وهذا أيضًا سيعقد الأمور أكثر، ويفقده تاريخه السلمي الذي انتهجه منذ تأسيسه، ومنذ عقد اتفاقية السلام الطاجيكي.

والحقيقة الحزب يمر بمرحلة صعبة جدًا، فرغم تقدمه على المستوى الشعبي، فإن العراقيل السياسية التي تضعها الجهات الحكومية الرسمية في طريقه تحول دون تقدمه سياسيًا، ولا تكتفي بذلك، بل تقوم قرب كل عملية انتخابية باعتقال أبرز أعضائه وقادته، كما صرح محيي الدين كبيري لوكالة أنباء فارس، أن السلطات الرسمية اعتقلت بعض المرشحين عن الحزب، وكذلك أعضاء اللجان الانتخابية التابعة لهؤلاء المرشحين دون أي دليل أو مبرر قانوني، مؤكدًا أن ذلك يحدث مع قرب إجراء الانتخابات البرلمانية.

وخلال قراءتنا للواقع الطاجيكي، نؤكد أنه من الصعب جدًا الرهان على فوز الإسلاميين في هذه الانتخابات، خاصة في الظروف التي تمر بها الجمهورية حاليًا، في ظل حكومة الرئيس رحمانوف، وكذلك التوجه السياسي لدول المنطقة، وقبل ذلك توجهات موسكو التي تشكل الداعم الأساسي للجمهورية حاليا.

حقيقي أن طاجيكستان تمثل تجربة متميزة فريدة في إحلال السلام على أرضها، ورأب الصدع بين أفرادها، لكن الواقع الطاجيكي ما زال بعيدًا عن روح الديمقراطية والحرية، وهو ما أكدته نتائج الانتخابات الأخيرة، رغم تأكيد المسئولين على نزاهتها، إلا أن المتابع لتاريخ هذه العملية يتأكد له أيضًا أن عمليات التزوير مصاحبة لكل عملية اقتراع تقدم عليها هذه الجمهورية، والنتائج الأخيرة خير دليل على ذلك، حيث إن نتائجها لم تختلف كثيرًا عن نتائج انتخابات 2005.

وطاجيكستان كجيرانها من دول آسيا الوسطى تكرس نظام الحزب الواحد، والرئيس الأوحد، فرغم استقلال هذه البلاد منذ عام 1991، فإنها خرجت من عباءة الديكتاتورية الشيوعية لتجد نفسها في مستنقع الديكتاتورية الفردية، وليس هذا تجنيًا، إنما تؤكده الحالة السياسية التي تمر بها هذه البلاد، والتي تعيش أزمة ديمقراطية وسياسية.

تغييرات في أجندة الحزب

وقبل الحملة الانتخابية بفترة طويلة كان الحزب قد شهد تغيرات عديدة في أجندته ووسائله؛ فقد قام حزب النهضة بمراجعة أدائه بعد حصوله على مقعدين فقط في انتخابات 2005، ثم بعد تولي “كبيري” رئاسة الحزب عام 2006 -بعد وفاة مؤسس الحزب وزعيمه التاريخي سيد عبد الله نوري، الذي قاد الحزب أثناء الحرب الأهلية الطاجيكية- قام الحزب بعدد من التغييرات لزيادة انتشاره، ولاجتذاب شرائح جديدة من المثقفين ورجال الأعمال والطلبة والنساء، ولتغيير صورته التي طبعته بها مشاركته في الحرب الأهلية.

وفي مقابلاته مع وسائل الإعلام أثناء الحملة الانتخابية تحدث كبيري عن أفكار الحزب والتغيير الذي تم فيه خلال السنوات الماضية؛ ففي مقابلة مع راديو أوروبا الحرة قال كبيري: إن حزب النهضة كان يعرف عنه في الماضي أنه يمثل بعض المناطق الريفية الأكثر محافظة، ولكن الحزب تغير كليا الآن؛ ففي التسعينيات كانت قيادة الحزب تضم اثنين أو ثلاثة فقط من حاملي الشهادات الجامعية، في حين جميع أعضاء مجلس شورى الحزب الآن يحملون شهادات جامعية.

كما اتجه الحزب للتركيز على النساء والشباب الذين أصبحوا يمثلون أغلبية جمهوره، فوفقًا لكبيري تمثل النساء 60% من أعضاء الحزب، كما أن أغلب هؤلاء الأعضاء هم من الشباب. وقد انعكس هذا على تركيبة مرشحي الحزب للانتخابات الأخيرة، حيث كان معظمهم في الثلاثينيات أو الأربعينيات، وكان من بينهم محامون ورجال أعمال ومدرسون، بالإضافة إلى أربع نساء.

كما أن حزب النهضة “الإسلامي” ما فتئ يعلن على لسان رئيسه -في مواجهة اتهامات الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة- بأنه يسعى لإنشاء دولة إسلامية في طاجيكستان، وأن الحزب يدعم علمانية الدولة كما يقررها دستور طاجيكستان الذي يحترمه الحزب، وأن “المذهب الحنفي الذي يتبعه مسلمو طاجيكستان لا يدعم فكرة الحكومة الدينية”، وبالتالي يسعى حزب النهضة فقط إلى إنشاء مجتمع إسلامي يطبق قيم الإسلام.

كما يؤكد الحزب على دوره في مواجهة التطرف الديني؛ فهو يرى أن ما تعانيه طاجيكستان من فقر وسلطوية وفساد يخلق بيئة مولدة للتطرف الديني، ويعتقد الحزب أنه يساهم في الحد من هذا التطرف عبر تقديمه خيارًا بديلاً وشرعيا لممارسة النشاط السياسي بخلفية إسلامية، ما يحد من توجه الشباب المتدين المتحمس إلى الجماعات الإسلامية “التي تنشط تحت الأرض كحزب التحرير وجماعة التبليغ والسلفيين.

اعتدال.. أم ماذا؟

النتيجة الضعيفة التي حققها حزب النهضة جاءت على الرغم من الجهود الكبيرة الذي بذلها الحزب أثناء الحملة الانتخابية، والتغييرات التي أجراها منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2005، والتي حصل فيها على مقعدين فقط أيضًا، لكي يزيد من شعبية الحزب، ويجتذب شرائح اجتماعية جديدة.

ويُرجع الحزب سبب هذه النتيجة الضعيفة إلى التجاوزات والتزوير الذي تم في الانتخابات، والذي رصده بالإضافة لمراقبي الحزب مراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

ويؤكد قادة “النهضة” أنه لو لم تزور الانتخابات لكان حزبهم قد حصل على 30% من أصوات الناخبين؛ إذ إن استطلاعات الرأي كانت قد وضعت حزب النهضة في المركز الثاني بعد الحزب الحاكم.

وتقلص هذه النتيجة من 30% إلى أقل من 1% يثير بعض التساؤلات: هل الحزب يبالغ في توقعاته للعملية الانتخابية من قبيل الـ”شو” الإعلامي؟ وهل هذا الحزب يتمتع بشعبية تجعل نتيجته تصل لـ”30%”؟ وهل النتيجة الأخيرة ترجع إلى تزوير الانتخابات فعلاً، أم ترجع إلى عدم تمتع الحزب بشعبية كبيرة؟ كل هذه التساؤلات فرضت نفسها على حزب النهضة “الأمل الوحيد في التغيير”.

وبمتابعتنا للحياة السياسية في طاجيكستان نقول: ربما جاءت هذه النتيجة لتكرس عملية الاستبداد بالسلطة وسيادة نظرية الحزب الأوحد في هذه الجمهورية، وأن هذه النتيجة الضعيفة التي حققها حزب النهضة ترجع لعمليات التزوير التي مارستها الأيدي الرسمية لتمرير الانتخابات للحزب المهيمن، ويلوح في الأفق سبب آخر لهذه النتيجة، وهو حالة الخوف التي تتملك المواطن الطاجيكي، حيث إنه جاء ليقترع في انتخابات يعرف نتيجتها مسبقًا، ومن ثم فلا داعي أن يدخل نفسه في صدام، أو يضع نفسه في القائمة السوداء، أو في صف المعارضة مما قد يعرضه للكثير من المضايقات، وهذا ما يجعل الكثيرين ينصرفون إلى انتخاب الحزب الحاكم، أو عدم المشاركة في العملية الانتخابية أصلاً.

والحقيقة أن حزب النهضة بذل الكثير في تحركاته الدعائية رغم أنه لا يملك الكثير من الأموال ليرصدها في الدعاية الانتخابية، لكنه اعتمد على العنصر البشري كثيرًا، خاصة أن غالبية أعضاء الحزب من الشباب الذين تحركوا في كل مكان للدعاية لحزبهم، لدرجة أنهم ذهبوا للقرى البعيدة ذات الطرق الوعرة، والتي تقع عند سفوح الجبال، والتي وصلوها على الجياد.

وقام الحزب بحملة انتخابية قوية لم تؤثر فيها التجاوزات التي قامت بها السلطات لدعم الحزب الحاكم، واستهداف “النهضة” قبيل الانتخابات، ومنها قيام الشرطة بنزع الملصقات الدعائية لمرشحي الحزب، فبالإضافة للأساليب الدعائية التقليدية، وليتغلب الحزب على عدم تحمس الكثير من المواطنين للمشاركة في الانتخابات، كان أعضاء الحزب يقومون بالمرور على المنازل للدعاية لحزبهم، ودعوة الناس للمشاركة في الانتخابات.

ماذا بعد الانتخابات الأخيرة؟

العملية الانتخابية الأخيرة والنتيجة الضعيفة التي حصل عليها حزب النهضة أثبتت أن السلطات الرسمية في دوشنبه لن تسمح بأكثر من ذلك، وهو ما نصطلح على تسميته “هامشًا ديمقراطيًّا”، ولسان حال السلطات: “نحن أفضل من غيرنا”، ولن تسمح أيضًا للتواجد الشعبي الإسلامي الذي يقوده حزب النهضة، مؤكدة له أنه يكفيه شرف المشاركة، أما الانخراط الحقيقي في الحياة السياسية فلا.

والسؤال الأهم هنا بعد انتهاء هذه الانتخابات “محسومة النتيجة”: هل سيبقى حزب النهضة على أجندته السلمية التي أكدها مؤخرًا، من أنه سيعمل في إطار دستور الدولة، ولن يعود مرة أخرى للعمل المسلح؟ أم أن تكرار هذا التهميش سيجعله يعدل في أجندته السلمية، وربما لجأ للعمل المسلح وقت الضرورة، مما يهدد الجمهورية الطاجيكية بعودة العنف إلى أراضيها مرة أخرى، خاصة أن النهضة حزب لا يستهان به؟.

لكن -ومن واقع قراءتنا- لأجندة الحزب الأخيرة، يتأكد لنا أن الخيار السلمي والسياسي هو الخيار الإستراتيجي، وأنه لن يحيد عنه، ولن يلجأ للعمل المسلح مرة أخرى؛ لمعرفته المسبقة لويلات الحروب الأهلية، خاصة أنه ينبذ العنف، ولا يسعى لعمل انقلابات أو فتن داخلية.

وختامًا: ما زالت العراقيل والتحديات العلمانية توضع أمام الرمز السياسي الإسلامي في بلاد ما وراء النهر؛ لتوقف توغله الشعبي والرسمي، ولكن هذه العراقيل تتزامن مع إصرار هذا الحزب على مواصلته مسيرته الإصلاحية التي ينشد من ورائها خير البلاد والعباد.

المركز العالمي للوسطية 21/2/2012م

Share
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *