RSS

لماذا نكتب عن المجاهد عمر المختار؟

24 Mar

مصطفى محمد الطحان

بنيان أسس على التقوى

الحديث عن السيد عمر المختار.. قائد الجهاد وطليعة المجاهدين.. الذين كتبوا ملحمة الخلود وهم يتصدون للحروب الصليبية التي قادتها إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وغيرهم من الدول الإستعمارية تحت شعار: (انتزاع الهلال وإعلاء الصليب مكانه)..

شيخ المجاهدين عمر المختار

هو حديث عن الحركة السنوسية التي أسسها السنوسي الكبير السيد محمد بن علي، حركة إسلامية صميمة، جمعت بين العبادة والعمل، وبين الدعوة لإصلاح المجتمع وإعداد الكوادر المؤهلة عقائدياً وجسمياً لتحقيق تلك الرسالة السامية. لم تشغلها التصنيفات والتسميات، فقد جمعت بين سلفية تقوم على منهج التوحيد ومنهج صوفي، مزجت بينهما في طرح جديد يأخذ بالتربية الإسلامية والتطبيق العملي لتعاليم الإسلام كأساس لبناء الشخصية المسلمة المنوط بها إصلاح المجتمع. بناء يؤسس على الفقه الذي يشحذ العقول ويعتمد على التصوف الذي يصلح الأرواح.

 السيد محمد بن علي مؤسس الحركة السنوسية

وهو حديث عن حركة إسلامية عالمية، لا انفصام فيها بين الدين والدولة، تنشر الإسلام في البلاد التي لم يبلغها.. وتدافع عن المسلمين ضد كل من يعتدي عليهم.. حدود وطنها كل أرض مسلمة يشهد سكانها شهادة الإسلام. لا أثر فيها لعصبية قوم.. أو لوطنية تقوم على جزء من بلاد المسلمين.

وهو حديث عن حركة جهاد مستمرة يقودها أبطال السنوسية حتى وصلت القيادة إلى السيد عمر المختار.. فأبدى من صنوف العزة  بالله ورسوله ما جعله ينظر إلى هؤلاء المستعمرين المعتدين نظرة استصغار واحتقار..

وأبدى من الإلتزام بالحركة التي ينتسب لها ما تصدى به لكل من حدثه من أبناء قبيلته أن يكون جهاده للأقربين من عشيرته..

جاهد في سبيل الله كل طغيان الفرنسيين والإنكليز والإيطاليين حتى أتاه اليقين.

القائد السنوسي عمر المختار

نحن نكتب عن القيادات الفكرية والسياسية والجهادية في القديم والحديث.. وهدفنا أن نضع أمام الشباب الذين يبحثون عن البطل الأقرب لهم.. والذي تمثل حياته وشخصيته النموذج الذي يبحثون عنه.. يتقمصون شخصيته ويتأسون به.. وهذه إحدى وسائل التربية التي اعتمدناها في إيجاد طليعة المستقبل.

كان رصيدنا عن عمر المختار عندما اخترناه.. مجرد أحاديث قليلة سمعناها من هنا أو هناك.. وأهمها قصيدة شوقي الذي رثاه عندما أعدمه الإيطاليون وهو في السبعين من عمره.

ولكننا عندما درسنا سيرة عمر المختار من أكثر من مصدر.. وجدناها سيرة رجل عظيم بكل معنى الكلمة.. تستحق أن ندرسها وأن نقدمها لأبنائنا الشباب. لم يكن عمر المختار مجرد بطل شجاع سقط في ميدان القتال وهو يدافع عن دينه وبلاده.. لقد كان نموذجاً فذاً متعدد جوانب العظمة..

فهو أولاً ابن الحركة السنوسية التي أسسها الشيخ محمد بن علي السنوسي.. والتي تأثرت بدعوة التوحيد التي أطلقها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جزيرة العرب.. وتفاعلت بالإرث الصوفي الجهادي المنتشر في أفريقيا والمغرب. لقد كانت السنوسية دعوة صوفية سلفية، جمعت بين العبادة والعمل، والدعوة والتربية.

وهي من ثم حركة  متمشية مع منهج الإسلام السياسي الذي لا يعترف بالتجزئة الجغرافية أو الإقليمية.. وكان سبيلها إلى ذلك إعداد الكوادر المؤهلة عقائدياً وجسدياً.. ونشر الإسلام في البلاد التي لم تبلغها الدعوة.. ومقاومة النفوذ الأجنبي في عموم بلاد المسلمين.

لقد كان للبيئة التي عاش فيها عمر المختار.. وللزاوية التي تعلم فيها ودرج في ربوعها مع إخوانه وأساتذته السنوسيين..والحزم الذي ميز شخصيته في مواجهة مسؤولياته الجهادية وفي التصدى للغزو الأجنبي الفرنسي والبريطاني والإيطالي.. في السودان ومصر وليبيا.. ورفض كل محاولات الهيمنة والاحتواء والابتزاز والضغوط التي حاولها العدو معه.. والثقة بالنفس التي تبهر القارئ لسيرته وهو يقود سفينة الجهاد متوكلاً على الله مخلصاً لدينه.

لقد كان عمر المختار مخلصاً لعمله متفانياً في أداء واجباته، ولم يعرف عنه قط أنه أجل عمل يومه إلى غده.. لقد ظهرت صفاته القيادية والتأثير على الوسط الذي يعيش فيه منذ كان طالباً في الجغبوب.

لقد أعطته جشاشة صوته، ورصانة منطقه، وصراحة عباراته، واتزان كلامه جاذبية خاصة، ومقدرة على شد انتباه سامعيه، فكان كلامه قوياً كأنه أمير يلقي أوامر لتابعيه. كما أن بساطة عيشه وتواضعه وعدم اهتمامه بالدنيا. والمهمات الكثيرة التي كان يقوم بها قد وسع من دائرة اتصالاته مع الناس، فاكتسب حبهم وتقديرهم واحترامهم. ولقد لفتت هذه المزايا اهتمام السيد محمد المهدي قائد السنوسية فقربه منه وقال عنه: (لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم).

إن الإيمان الديني العميق هو الذي بعث في عمر المختار صفات الأمانة والشجاعة وحبه للصدق والحق ورفضه كل أنواع الظلم والقهر والاستبداد.. وهذا الإيمان هو الذي بوأه المنزلة التي بلغها عند الناس. لقد كان حريصاً على أداء الصلاة في وقتها.. وكان يختم القرآن كل سبعة أيام.

لقد كان يُرسل في مهمات إلى السودان، وإلى مصر، وفي وفود إجراء المصالحات وفض النزاع بين القبائل.. كان معروفاً بصلاته الواسعة بالأحداث القبلية وبحروبها وعلى جانب عظيم من معرفة الأنساب القبلية والارتباطات التي تصل هذه القبائل بعضها ببعض وبتقاليدها وعاداتها.

كان يعرف أنواع النباتات الصحراوية وخواصها، والأمراض التي تصيب الماشية وطريقة علاجها.. وكانت له خبرة واسعة بمسالك الصحراء وطرقها.. من برقة إلى مصر والسودان في الخارج  وإلى الجغبوب والكفرة وواحات جالو وأوجله في الداخل.

لقد شهد عمر المختار بداية الغزوة الإستعمارية لبلاد المسلمين فقد احتلت فرنسا الجزائر عام 1830 وتونس عام 1881، واحتلت بريطانيا مصر عام 1882 وامتدت منها جنوباً إلى السودان عام 1896، ثم احتلت فرنسا السودان الأوسط عام 1902.. وكان واضحاً أن الاستعمار الأوروبي كان يسعى للسيطرة على المنطقة الإسلامية في أفريقيا.. كما هي مقررات مؤتمر برلين الذي عقد عام 1884 والذي أقر مبدأ الادعاءات الاستعمارية في هذه المنطقة.

لم يكن عمر المختار سوى مجاهد مسلم يهتم بتحرير الوطن الإسلامي من كل آثار الاستعمار.. اشترك في مقاومة الإستعمار الفرنسي في السودان الشرقي والأوسط.. ومقاومة الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911.. ومقاومة الاحتلال الإنكليزي في مصر.. انتصر وانهزم.. وأخيراً أسره الإيطاليون وأعدموه.. وهو في كل خطوة من خطواته وكل عمل في ملحمته، عنوان رائع لمسيرة عظيمة لبطل وقائد عظيم.

عمر المختار قبل اعدامه

إنه بنيان أسس على التقوى، أصله ثابت وفرعه في السماء.. شجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.         

Share
 
Leave a comment

Posted by on March 24, 2011 in خواطر

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *