RSS

رحلة لبنان بين الخوف والرجاء

12 Aug

 (3) رحلة لبنان بين الخوف والرجاء – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من لبنان

 

بعد انقطاع طويل عن لبنان..

عن بلدنا الجميل..

وبيتنا الريفي المهجور الذي اشتاق لأهله.

والأهل والأقارب الذين هم كل سكان القرية يسألون عن الغائبين.. يسمعون بهم ولا يعرفونهم.

وإذا كان كل ممنوع مرغوباً.. فقد سافرت مع بعض الأسرة إلى لبنان.. وفي نيتنا أن نعوض ما فاتنا من حرمان السنين.

هذا ما كنت أتمناه.. وما كل ما يتمنى المرء يدركه.. تجري الرياح بما لا يشتهي السّفِنُ.

وفي اليوم الثالث.. هبت العاصفة.. وبدأت إسرائيل تقطّع أوصال لبنان.. تهدم الجسور.. تدمر البيوت.. تحفر بطائراتها الطرق.. السكان يموتون تحت الأنقاض ولا يستطيع أحد نجدتهم.. إسرائيل تنذر السكان بأن يتركوا بيوتهم بأسرع وقت ممكن.. ماذا يستطيع الإنسان أن يقول إذا أراد وصف العاصفة..؟

بين الخوف والرجاء

كذلك كنا معلقين بين خطي الخوف والرجاء..

وإذا كان باب الرجاء واحداً.. ترتفع فيه الأيدي إلى الله تسأله: الرحمة والسلامة.. وتدعوه أن يحفظ الصغار والكبار، يستر عوراتهم ويؤمّن روعاتهم.. ويلهمهم الصبر والرضا والاطمئنان إلى قدر الله (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)(الفجر- (27-30))..

فإن باب الخوف متعدد الأشكال والألوان والأصوات.. من البر والبحر والجو تزداد حدة القصف يوماً بعد يوم.. وتختلط الألوان.. الوجوه الشاحبة والدماء القانية النازفة.. وأصوات كالرعد القاصف لا تهدأ.

وأخبار تسمعها من الراديو أو التلفزيون تزيدك قلقاً على قلق..

كنا نطمئن الأبناء البعيدين عن أحوالنا بالهاتف النقال..

وحتى هذا فقد انقطع الإرسال.. وتوقف.

وبدأ الناس يبحثون عن مخرج..

كان الألم يعتصر قلبي ويؤرقني.. وأنا أرى باكورة أولادي في طريقها للخروج مع كل أولادها.. ليس أمامها أمان من أي نوع وحتى الدول المجاورة التي ستغادر منها ليست أماناً..

انفلتت الدموع، وعهدي بها عزيزة المنال، ولكن الموقف كان أقوى مني.. ولربما تخفف الدموع من حدة الموقف.

وبدون كلام.. فهمت أن ابني عبد الرحمن يريد أن يفعل ما فعلته هيفاء.. واتصل معي الأخ علان يؤكد لي أن دربنا سالك، وهو سيقوم ببعض الاتصالات لتأمين الطريق.. لم استرح لكل ذلك واتصلت بالأستاذ الكبير نجم الدين أربكان.. أن ينقذنا من هذا الموقف الخطر.

نحن غرباء الدنيا الذين لم يستسلموا للدنيا قط.. ولا للطغاة.. ولا للإغراء.. بل قاوموا ما وسعتهم المقاومة، حتى إذا ضعفت قدراتهم.. لجأوا إلى ركن ركين يأخذ بأيديهم ويعطيهم طوق النجاة. جربت هذا يوم غزا الطاغية صدام حسين الكويت.. الوطن الذي كان بالنسبة لي وطناً..

وعندما سافرنا إلى استانبول.. كانت ظروفنا صعبة جداً..

لم يسأل عنا أحد من قريب أو بعيد.. كثير من الأصدقاء الذين كانوا يظهرون المودة ابتعدوا أو تنكروا.. ومن أعظم المواقف.. أن يشعر بك إنسان دون أن تكلمه.. يكلؤك ويرعاك بصمت بلا منّ ولا أذى..

يستغرب البعض، لماذا أنا مع أربكان حتى الرمق الأخير.. يظنون أنه مجرد موقف سياسي.. لا يا سادة.. إنه موقف الوفاء لمن حفظنا يوم ضعفنا.. وأدركنا ونحن نصارع الأنواء قبل أن نغرق.. اتصلت بالرجل المؤمن الصالح وأطلقت صيحة استغاثة.. وبسرعة جاءني هاتف آخر أن جهزوا أنفسكم فإن سفينة حربية تركية ستنقلكم من بيروت إلى مرسين في تركيا..

وعلى الفور كنا في طريقنا إلى بيروت.. والانتقال إلى بيروت محفوف بالمخاطر.. ولكن المخاطر تصبح أكثر أماناً إذا كان معها بعض الأمل.

كانت السفينة تنقل الأتراك الذين يعملون في لبنان..

عاملونا معاملة أبنائهم.. وخصصوا لنا غرفة للنوم.. وأكرمونا غاية الإكرام.. وبعد قرابة الثلاثين ساعة وصلنا إلى مرسين.

كان بالإمكان أن أصف لك هذه الرحلة المثيرة.. وأنت خارج من ظلمات القصف الراعد المخيف.. أو داخل في ظلمات البحر اللجي.. ظلمات بعضها فوق بعض.. (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)(النور-40)..

في ساعة الحقيقة هذه.. لا يجد المضطر له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء.. فقد ضاقت الحلقة، واشتدت الخنقة، وتخاذلت القوى، وتهاونت الأسناد، وينظر هذا الإنسان الضعيف حواليه فيجد نفسه مجرداً من وسائل النصر وأسباب الخلاص.

لا قوته ولا قوة في الأرض تنجده، وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى، وكل ما كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى.. في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة ملتجئة إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله.

يتذكر قوله تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)(النمل-62).

وبعد ثلاثين ساعة، مرت كل ساعة منها ببطء شديد.. وصلنا إلى مرسين الميناء التركي القريب من أضنه.. مقابل جزيرة قبرص.

نزلنا من السفينة فاستقبلونا بالورود.. ودعينا إلى مكتب كبار الضباط يهنئوننا بسلامة الوصول..

لحظة خروجنا من السفينة في ميناء مرسين

شكرناهم وخرجنا من عندهم لنجد إخواننا من حزب السعادة بانتظارنا.. اللهفة في وجوههم والمحبة في أعينهم.. قالوا: لقد اتصل بنا الأستاذ أربكان.. وقال: إذا لم يستطيعوا المجيء بالسفينة فاستأجروا سفينة واذهبوا إلى لبنان وأحضروهم بها.

يكفيني ذلك الحنان والحب.. فلا أطيق أكثر من ذلك..

يا أمة الإسلام بمثل هذا الحب والوفاء.. نعيش.. ويعيش معنا الأمل..

فلن تقوم دولة الإسلام على أرضنا حتى نقيمها في قلوبنا..

وبعد مرسين.. وفي طريقنا إلى أضنه.. اقترح إخواننا أن نعرج على مدينة طرسوس.. وهي بلدة صغيرة في رأس الجبل.. يقال أن فيها الغار الذي أوى إليه الفتية أصحاب الكهف.

كنا بحاجة إلى هذا المشهد.. نتذكر من خلاله قصة الإيمان في النفوس المؤمنة، كيف تطمئن به، وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها، وتلجأ إلى الكهف حين يعز عليها أن تعيش مع الناس. وكيف يرعى الله هذه النفوس المؤمنة، ويقيها الفتنة، ويشملها بالرحمة.

قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا. إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)(الكهف- (19-20)).

ليس بالضرورة أن تكون طرسوس هي موطن هؤلاء الفتية.. ففي الأمر خلاف.. ولا يهمنا ذلك في قليل أو كثير.. فالأصل هي قصة هؤلاء الفتية كما وردت في كتاب ربنا عز وجل.

لقد كنا بأمس الحاجة أن نزور هذا الكهف للعبرة.. ثم ننتقل منه إلى المسجد القريب.. نؤدي فيه الركعتين.. ندعو الله فيهما أن يتقبل دعاءنا، وأن يستر عوراتنا، وأن يؤمّن روعاتنا. وهو وحده القادر على ذلك، وهو الذي يتقبل الدعاء، ويجيب المضطر إذا دعاه.

مرسين (تركيا) 24/7/2006م

Share
 
Leave a comment

Posted by on August 12, 2013 in خواطر حول العالم

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *