RSS

حقيقة الأزمة وقضية الوحدة اليمنية

03 Aug

(3) حقيقة الأزمة وقضية الوحدة اليمنية – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من اليمن

شعب يمني واحد

في أقسى الظروف التي عاشها اليمن.. كان اليمنيون يشعرون أنهم شعب واحد.. وإذا كانت الظروف قد أملت على بلادهم أن تقسم بين شمال يحكمه الأئمة، وجنوب يخضع للاستعمار البريطاني، إلا أن الشعب كان يعيش الوحدة في وجدانه وكل مشاعره.

عندما قامت حركة الأحرار اليمنية في الشمال في أربعينات هذا القرن ضد حكم الأئمة الذي أشاع الظلم والفقر والجهل والمرض.. لم يجد بعض قادة الحركة مثل الزبيري والنعمان – بعد فشل حركتهم – إلا مدينة عدن.. ليجدوا قلوب وبيوت إخوانهم في الجنوب مفتوحة لهم.. الأمر الذي مكنهم من قيادة حركتهم من الجنوب

الزبيري والنعمان

وعندما نجحت ثورة سبتمبر 1962‏م ضد الإمامة.. جعلت من أهدافها ‏الستة التي أعلنتها: تحرير جنوب البلاد من الاستعمار البريطاني.

فمن أين جاءت قصة يمنين وشعبين..؟

القصة بدأت مع تسلم الحزب الاشتراكي (الابن الشرعي للجبهة ‏القومية) السلطة في الجنوب.. وهذا الحزب شأنه شأن جميع ‏الأحزاب القومية في الوطن العربي كان يصم الآذان بشعارات الوحدة.. فلما تسلم السلطة جاء من يذكره.. بأنه آن الأوان لتطبيق شعارات الحزب وإعلان الوحدة.. ولكن الفريق الماركسي في الحزب.. ذكّر الرفاق وقال: وكيف ننضم إلى شمال متخلف رجعي..؟!

وبدأت الحكاية التي تكررت في كل بلاد العرب.. ثورة ثقافية تجعل الجميع يؤمن بالاشتراكية والماركسية، ومن ثم يصير اللقاء وتكون الوحدة تلقائية. كان التيار لصالح الماركسيين.. فعندما تسلم إبراهيم الحمدي الحكم في الشمال بانقلاب عسكري عام 1974‏م.. قرر زيارة عدن والإعلان من هناك عن ثورة ثقافية.. وعندما قتل عام 1977م وحكم من بعده المقدم أحمد الغشمي قتله الاشتراكيون.. ثم جاء من بعده على عبد الله صالح عام 1978‏م.

في هذه الفترة عام 1978‏م تكونت الجبهة الوطنية في الشمال.. تحمل أفكار الحزب الاشتراكي الحاكم في الجنوب.. والتي قامت بعمليات تخريب في بعض المحافظات الشمالية.. كانت أعنفها حرب عام 1979م التي استمرت لأكثر من عام.. والتي كادت أن تحقق انتصارا على الحكم في الشمال عام 1980م. واشترطت من أجل وقف القتال اشتراكها في الحكم بشرط إعطائها الوزارات السيادية مثل الخارجية والداخلية والإعلام والتربية والجيش.

ولقد استطاع الكفاح الشعبي الإسلامي الذي أدرك خطورة سيطرة الماركسيين على كامل اليمن، أن يخوض معارك عنيفة مع مرتزقة الجبهة الوطنية المدعومة من جيش الجنوب.. كان أعظمها المعركة التي خاضها المجاهدون في جبال هكمان الشهيرة في محافظة ‏تعز والتي كان من نتائجها أن قام علي ناصر محمد الأمين العام للحزب الاشتراكي بزيارة لصنعاء يطالب بوضع حد للقتال وفتح صفحة جديدة بين البلدين.. لقد أخافهم الزحف الإسلامي.. !!

ومع هذه الصفحة الجديدة التي أرساها علي عبد الله صالح مع علي ناصر محمد.. بدأت مرحلة المؤتمر الشعبي الذي تأسس عام 1982‏م برئاسة علي عبد الله صالح.

علي عبدالله صالح

نتائج متوقعة بين الحرب والسلام

لم تنته المعارك بعد.. وحتى كتابة هذا التحليل فإن القوات الشمالية مازالت تحاصر عدن.. مع وجود ضغوط سياسية تحول دون اقتحامها.. ومع ذلك فإننا نستطيع أن نسجل بعض النتائج المتوقعة بين الحرب والسلام:

1- مهما تكن النتائج وسواء بقيت الوحدة الصورية أم حل مكانها الانفصال أو التشرذم .. فإن الجنون الذي حدث كرس الانفصال الأبدي ودق اسفين الفرقة والأحقاد والرغبات الجامحة بالثأر والانتقام. خاصة وأن عدد القتلى تجاوز حسب التقديرات الـ 20 ألف قتيل.

2- ومهما تكن نتائج المعارك.. فإن هذه الحرب التي يدعو فيها خطباء المساجد في صنعاء إلى الجهاد ضد الماركسيين المارقين، وبالمقابل يحاول الجنوبيون جاهدين استمالة العشائر والقبائل والأحزاب التي سبق وحاربوها.. هذه الحرب لن تتوقف عندما تصمت المدافع والصواريخ .. بل ستتحول إلى حرب استنزاف قبلية لن تهدد وحدة اليمن فقط.. بل ستعمل على تمزيقه إلى شعوب وقبائل تحكّم شرائع الغزو والثأر بدلا من قانون الدولة..

هذه الحروب االقبلية هي الأكثر دواما، فلا أحد يتنازل عنها، لأن شرف القبيلة يعلو على حياة كل أفرادها.

‏ولقد سمعنا وقرأنا لسلطان حضرموت.. أن بلاده لم تكن في يوم ‏جزءا من اليمن .. شماله أو جنوبه !

3- مما لا شك فيه أن التخويف بالأصولية لعب دورا في تفجير الأوضاع في اليمن.. فقد قدّم قادة الحزب الاشتراكي أنفسهم كمن يحارب ليمنع إقامة دولة إسلامية أصولية ستكون مصدر تهديد للدول المجاورة لليمن حسبما قال الأمين العام المساعد للحزب السيد سالم صالح محمد. ومن الواضح أن الاشتراكيين يطمعون من وراء هذه التصريحات استثارة القوى الإقليمية والدولية للمبادرة إلى تقديم العون لهم.

أما الأحزاب الأصولية في اليمن فهي:

حزب الحق: وهو حزب إسلامي ذو ميول شيعية زيدية . شكل قبل فترة مع الحزب الاشتراكي نواة معارضة ضد علي عبد الله صالح. وعندما ‏أعلن الاشتراكي الانفصال عاد الحزب إلى قواعده الشمالية.

التجمع اليمني للإصلاح ذو الصلة الوثيقة بالإخوان المسلمين، فهو مرتبط بالحركة الإسلامية العالمية، وله علاقات وثيقة مع دول إسلامية عدة. يتولى الشيخ عبد المجيد الزنداني وهو أحد قادته ‏عضوية مجلس الرئاسة اليمني. كما ويشارك التجمع بعدد من الوزراء. كما أن الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر زعيم التجمع يترأس مجلس النواب.. كما أن عددا من الإسلاميين يشغلون مواقع جيدة في عدد من الأجهزة الأمنية.

رابطة أبناء اليمن وزعيمها عبد الرحمن الجفري الذي تحالف حديثا مع الحزب الاشتراكي، وله تاريخه الإسلامي العريق، يتضح ذلك من كتاباته وخطبه وفلسفة حزبه.. كما أن لعمه المرحوم السيد عبد الله علوي الجفري اتصالات قديمة مع الإسلاميين .. وكانت الجبهة القومية آنذاك والاشتراكيون لاحقا اضطهدوه وصادروا ممتلكاته بحجة أنه من الإسلاميين.. ويظهر أن تحالفه الجديد مع الاشتراكيين عبارة عن لقاء ‏مصلحة موجه أصلا ضد علي عبد الله صالح.

وفي الجنوب توجد الحركة الإسلامية الحديثة وجلها من الشباب.. موجودة في معظم محافظات الجنوب.. وهذه الحركة تنتمي إلى الإخوان المسلمين.. قسم منها ارتبط تنظيميا بالتجمع اليمني للإصلاح وقسم آخر مازال مستقلا.

أما حركة الإخوان المسلمين العالمية فقد أصدرت بيانا معتدلا دعت فيه الأطراف المتحاربة إلى وقف نزيف الدم.. ولكنها أكدت في الوقت نفسه ضرورة المحافظة على الوحدة.

4- ينظر الكثيرون إلى حرب اليمن باعتبارها ملحقا لحرب الخليج.. فدور صدام في الوحدة اليمنية عام 1990‏م.. ودور اليمن وموقفها من غزو الكويت.. والخلافات مع المملكة العربية السعودية على الحدود.. كل ذلك جعل الخليج يقف تلقائيا مع حكومة عدن.. التي أبدت كل الاستعداد (فيما يبدو لحسن الجوار مع منطقة الخليج).

5- الجميع يتساءل عن موقف الأمريكان.. هل لهم مصلحة في استمرار القتال.. أم في إيقافه.. تصريح وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر الذي وجه رسائل إلى وزراء خارجية دول مجلس التعاون ‏الخليجي يحذرهم من مغبة استمرار هذه الحرب وضرورة إنهاء قتل اليمنيين على يد اليمنيين وإلى ضرورة التوصل إلى وقف فوري للنار يتبعه تطبيق وثيقة العهد والاتفاق التي وقعها اليمنيون في عمان. كما أعرب عن استياء حكومته من جراء شحنات الأسلحة الكبيرة التي تتدفق على اليمن.. فهل هذه التصريحات توضح موقف أمريكا.. أم أنه موقف قابل للتغيير..؟

6- إن دخول مجلس الأمن على الخط، هو أهم تطور سياسي في الموضوع، وهو يعطي فكرة عن مدى الاهتمام الدولي بما يجري في اليمن.. فللقوى الإقليمية القادرة على الضغط.. وللقوى العالمية مصالحها في ‏المنطقة.. ومن هنا يفهم تركيز الشمال على السيطرة على شبوه ‏التي تشكل حقولها النفطية امتدادا لحقول محافظة مأرب ‏الشمالية، وعلى تحقيق اختراق في حضرموت للسيطرة على حقولها ‏النفطية الغنية. ومثل هذا التحرك الدولي هو أقرب لمصلحة ‏الجنوبين الذين هيأتهم الظروف للعب هذا الدور.. والذين هم ‏بطبيعتهم مستعدون له. وتوجه مجلس الأمن هو العودة إلى طاولة ‏الحوار بعد ما أظهر كل طرف ما الذي يستطيع عمله. فلا الوحدة ‏ممكنة بالتصعيد العسكري ولا الانفصال ممكن بالتصعيد السياسي ‏الذي بلغ ذروته بإعلان جمهورية اليمن الديمقراطية.

7- إن استمرار القتال.. وتفوق اليمن الشمالي عسكريا.. سيضعها في صفوف الدولة التي تهدد المنطقة وسيؤثر ذلك على اليمن مستقبلا وربما ساعد في عزلتها.

الوحدة بين الحقيقة والوهم

تتعلق شعوبنا العربية في أغلب مواقعها بالوحدة .. بل وتعتبرها مقدسة ينبغي قيامها.. وإذا قامت فلا بد من الحفاظ عليها بكل الوسائل.. وهذه النظرة سببها التجزئة التي فرضها الاستعمار الأوروبي على أمتنا فأصبحت بموجبها الأمة الواحدة التي يجمعها الدين والتراث والتاريخ والأرض واللغة والآمال والمصير.. مزعا متفرقة لكل منها علم ونشيد.. وإذاعة وتلفزيون.. وسيادة وحدود.. وأخيرا عضوية في المحافل الدولية ‏وفي ظل هذه الكيانات بقيت الأمة تحن إلى وحدتها التي هي – في نظرها- عنوان عزتها وسؤددها.

ولقد قامت في عصرنا الحديث عدة محاولات للوحدة أولها الوحدة الفلسطينية- الأردنية والوحدة المصرية- السورية.. والاتحاد الهاشمي.. ووحدات صورية بين ليبيا وكل من مصر وتونس والسودان والمغرب.. وأخيرا الوحدة اليمنية بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي.

هذه المحاولات فشلت جميعا.. ولم يقتصر فشلها على المعنى السياسي للوحدة.. بل كانت نتائجها وبالا على معنى الوحدة والأخوة .. وتقارب الشعوب.. والمصير الواحد.. إلى آخر هذه المعاني التي هي بالأساس المحرك الحقيقي لوحدة الأمة.. ولا بد لنا من أن نسلم بأن الكيانات العربية والإسلامية بحدودها الحالية.. وبالثقافات التي تغذي هذه الكيانات.. وبالسلطة المتحكمة التي فرضت نفسها على شعوبها، وليس بمقدورها الاستمرار بحكمهم إلا من خلال: إبراز التناقضات، وإحداث انقسام مجتمعي هائل، وإغلاق كل أبواب الحوار والتفاهم بين طبقات الشعب. فاستغلت الأقليات وأبرزت الطوائف، وأحيت اللغات الميتة.. وحوّلها الجميع إلى قبائل تتصارع.. كل ذلك قد أثرت عميقا في نفسية الشعوب وجعلها تتمسك بهذه الكيانات.. وإذا كانت الوحدة مازالت حلما ورديا عاطفيا يداعب أحلام الجماهير..فإن الكيانات الإقليمية وشيوع القبلية وتحكم الأهواء الشخصية والخلافات الذاتية هي أقرب للحقيقة (مع الأسف الشديد) من الأحلام.

ولكن لماذا؟ ما هو سبب هذا الانقلاب..؟ كيف أصبحت الكيانات المفتعلة هدفا يسعى إليه الكثيرون..؟

السبب في تقديرنا هو أن الحكام هم الذين يصنعون الوحدة.. يرتبونها حسب مصالحهم.. ويفصّلونها عل مقاسمهم.. يتقاسمون مناصبها ويستأثرون باقتسام خيراتها.. حتى إذا اختلت حساباتهم لأي سبب من الأسباب.. نقضوا ما اتفقوا عليه وانتهت الوحدة.

ومن الخطأ البالغ أن نعتبر مثل هذه المواقف.. وحدة تحميها الشعوب بصدورها وتدافع عنها.. فهي لم تكن فيها في البداية ولا يهمها كثيرا أن تكون فيها في النهاية.

كان الشعبان السوري والمصري من أقرب الشعوب العربية لبعضهما وما زال يذكر جيلنا كيف وقف الطلبة الصغار في سوريا يتطوعون في الجيش الشعبي للذهاب إلى مصر لحمايتها أثناء العدوان الثلاثي عام 1956‏م.

فلما قامت الوحدة بين الدولتين.. وحُكم الشعب السوري المعروف بعنفوانه بالأسلوب القمعي المخابراتي الذي كان سائدا في مصر.. يومها حدث الانفصال وقامت مهاترات لا حد لها بين البلدين.. ‏ومازالت الوحدة وذكراها غصة في قلوب السوريين.. هذه الوحدة ‏التي أريد لها أن تكون نواة للوحدة العربية الكبرى. وإذا بها مزيدا ‏من الأغلال في أعناق الشعوب.

وإذا كان حديثنا عن اليمن اليوم.. فالشعب في البلدين واحد.

ولكن الوحدة قامت بين نظامين ورئيسين وحزبين تقاسما بينهما المصالح .. فلما افترقت هذه المصالح لظروف داخلية أو خارجية.. عملا على الانفصال.

إن الوحدة الحقيقية.. هي الوحدة التي تفرضها الشعوب.. في أجواء الحريات.. واحترام حقوق الإنسان.. ولا معنى لوحدة على حساب الشعوب وحريتها وحقوقها..

وفي الوقت الذي يتجه فيه العالم – في إطار حركة منظمة- بتحويل الكيانات الصغيرة إلى دائرة الكيانات الأكبر، طمعا في التنسيق، بل الاتحاد.. نرى عالمنا المجنون يلهث بقوة غاشمة وبسرعة جاهلة منفلتة نحو الانفصال والتمزيق والتفتيت. وفي حمى الاندفاع المجنون لا نظن أحدا سيسلم.

وماذا عن المستقبل؟

هل سينفلت الأمر من عقاله في وسط شعب مسلح نسبة عالية من شبابه عاطل عن العمل، فينطلق يصفي حساباته في داخل بلده وخارجها..؟

وهل ستكون فرصة – في ظل هذا الانفلات – لتغيير خارطة المنطقة.. وهل ستبقى اليمن شمالا وجنوبا فقط.. فإن بعض المصادر تؤكد أن ثمة خططا لتقسيم اليمن إلى أربعة كيانات على الأقل..؟

وفي حالة الانفصال.. فهل ستقبل المعارضة (التي شاركت في الحكم مؤقتا) حكم الاشتراكيين.. أم أن بقاء الاشتراكيين مرحلي كذلك..؟

وهل سيدرك مجلس التعاون الخليجي خطورة الموقف.. وأن دائرة القتال والاستنزاف قد تتسع.. فيعالجوا الأمر بطرق مختلفة..؟

كلها أسئلة توضع أمام السياسيين لعلهم يدركون خطوات المستقبل.

1994/6/21م

Share
 
Leave a comment

Posted by on August 3, 2013 in خواطر حول العالم

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *