RSS

هل يحافظ ابن حافظ الأسد على حكمه الموروث؟

08 May

الجزء الثالث

مصطفى محمد الطحان

 مقدمة

ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن قياس جدية الرئيس السوري في ما يعد به من إصلاحات يكون من خلال تحركه لمواجهة النفوذ الاقتصادي والسياسي لعائلته في السلطة، وقالت الصحيفة إن السؤال الآن هو: هل سيبقى آل أسد موحدين وراء بشار أم أنهم سيغرقون في صراع دموي داخلي؟ ولمعرفة مدى إمكانية محاسبة المتورطين في أعمال القتل، يمكن تطبيق أحداث درعا على سبيل المثال لا الحصر، فقد أمر الرئيس السوري بتشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث التي وقعت بها، دون تقديم معلومات حول صلاحيات تلك اللجنة، وقدرتها على الخروج بنتائج مستقلة يمكن أن تؤدي إلى محاسبة المتهمين، وعلى رأسهم:

1- العميد الركن ماهر أسد: قائد الحرس الخاص بالقصر الجمهوري وقائد الفرقة الرابعة، حيث وقع الاعتداء على أهل درعا في ظل تطويق ألوية الفرقة الرابعة للمنطقة، وثبت تورط أفرادها في إطلاق النار على المتظاهرين.

ماهر الأسد

2- اللواء عبد الفتاح قدسية: أحد أبرز المقربين من بشار أسد وآل مخلوف، رئيس شعبة المخابرات العسكرية منذ عام 2009، وتفيد شهادات العيان أن مقار فروع الأمن العسكري كانت مصدر إطلاق النار على المتظاهرين.

3- العميد عاطف نجيب: ابن خالة بشار أسد، مدير فرع الأمن السياسي في درعا، وكان إقدام عاطف على اعتقال بعض النساء والأطفال من أبناء درعا وتعذيبهم، هو السبب الرئيس في اتساع حركة الاحتجاجات، ويتهمه أهل المدينة وضواحيها بإطلاق الرصاص الحي على أبنائهم مما أدى إلى مقتل نحو مائة وخمسين وإصابة المئات من أبناء مدينة درعا وعموم محافظة حوران.فهل يجرؤ بشار على محاكمة شقيقه وابن خالته ورفيق دربه، وغيرهم من ضباط الحرس الجمهوري والفرقة المدرعة الرابعة(شباب سوريا 19/4/2011م).

أخي القارئ

هذه هي الحلقة الثالثة من البحث الذي كتبته حول الأحداث المأساوية التي تمر بها سوريا في الوقت الحاضر.

 

(بداية الجزء الثالث)

بثور في وجه البعث

1- في البدء كان الانقلاب

استُخدم حزب البعث في تاريخه السياسي الطويل كرأس حربة لتحطيم جميع القيم السياسية والأخلاقية التي تعارف عليها الناس.. ولم يعد أعداء حزب البعث هم الذين يتهمونه مثل هذا الاتهام.. بل نفرٌ من قادته وزعمائه هم الذين تولوا فضح أدواره المشينة. كان الاستعمار يزعم أنه إذا حكم بلداً مائة عام، استطاع بعد استقلال ذلك البلد أن يحكمه مائة سنة أخرى بالواسطة. وها هي سوريا تتهيأ للاستقلال بفضل النضال الشعبي الذي يقوده المجاهدون في مختلف المدن.. بينما تلعب فرنسا لعبتها السياسية مع الكتلة الوطنية تارة، حتى إذا أرادت أن تضربها أوحت للبعض أن ينشئ عصبة العمل القومي (فالفرنسيون أقلقهم نضال الكتلة الوطنية التي تخندق الشعب بأكثريته الساحقة حولها ودعمها إلى أبعد الحدود وبلا تحفظ. فكان أن ارتاح الفرنسيون لقيام فئة تعمل في نتيجة الأمر على شق الصف وتمزيق الوحدة الوطنية، فكانت عصبة العمل القومي)( البعث- جلال السيد، ص- 23). في هذه الأثناء كتب صلاح البيطار في جريدة البعث مقالاً بعنوان (وطدوا الاستقلال بالحرية)( جريدة البعث- 2/9/1946) جاء فيه: (لقد قامت حركة البعث العربي على أساس احترام الحرية لدرجة التقديس، لأنها اعتبرت ضمان الحريات شرطاً لبعث الأمة وأساساً لإنشاء الوطن العربي).

فلننظر كيف حافظ البعث على الحرية البرلمانية وكيف قدسها في سوريا بعد الاستقلال..؟

كان الحكم في سوريا بيد الكتلة الوطنية التي فازت بالانتخابات البرلمانية بأكثرية ساحقة. وكان أمام الحكم منذ استقلال البلد عام 1946 قضيتان:

قضية فلسطين وقضية التابلاين.

*  أما في فلسطين، فقد كان الجيش السوري على ضعف بنيته وحداثة تكوينه من أفضل الجيوش العربية في مواجهة القوات اليهودية(حزب البعث- سامي الجندي، ص- 50).

*  وأما اتفاقية التابلاين، التي عقدتها حكومة خالد العظم في فبراير 1949م حول مرور أنابيب النفط الآتية من السعودية إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية، فقد امتنع البرلمان عن توقيعها لما فيها من ربط البلد بالقوى الخارجية(حزب البعث- جلال السيد، ص- 56).

ولقد كشف مايلز كوبلاند (عميل المخابرات المركزية) في كتابه (لعبة الأمم) أن أمريكا أرادت أن تضرب العصفورين بحجر واحد.. تضرب الجيش السوري عن طريق الانقلاب فتشله للأبد، وتوقع اتفاقية التابلاين بدون برلمان (ولا هم يحزنون)، فكان انقلاب حسني الزعيم. وقد وصف المؤرخ بيتر تومياني المحاولة (بأول محاولة دبلوماسية أمريكية مستوردة في الشرق الأوسط)( النفط والعرب- بيتر تومباتي نقلاً عن كتاب البعث- الدكتور قاسم سلاّم، ص- 130).

فمن الذي مهّد للانقلاب؟

البعثيون (حماة الحرية ومقدسوها) هم الذين هيأوا للانقلاب.. ولنسمع إلى شهادة عضو اللجنة التنفيذية لحزب البعث: (قبل الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم نشط حزب البعث نشاطاً منقطع النظير. وقد اتخذ له استراتيجية إذ أصبح العمل على وتيرة واحدة في كل نواحي المدن التي للحزب فيها فرع. في كل يوم محاضرة تتبعها في اليوم التالي مظاهرة. واتضح أن يداً خارجية هي التي مهدت لمثل هذا الجو.. وما لبث المناخ أن أصبح مهيأ لعملية انقلاب عسكرية)( حزب البعث- جلال السيد، ص- 56).

ولنسمع إلى شهادة عضو قيادي بعثي آخر يعطي مزيداً من التفصيلات:

(منذ بدء عام 1949م أخذ الحزب يمهد لانقلاب عسكري. لم يكن بعيداً عما يحاك.

وفي 29 مارس من هذه السنة أطاح الجيش بنظام شكري القوتلي البرلماني وحل محله الزعيم حسني الزعيم)( حزب البعث- سامي الجندي، ص- 51).

حسني الزعيم

وابتدأ الزعيم حياته السياسية بتصريح قال فيه: (اليوم الطريق مفتوحة أمام الشعب العربي في سوريا ليسير قدماً نحو تحقيق رسالته الخالدة). ورد البعث لقائد الانقلاب تحيته بأحسن منها، ففي 7 أبريل نظموا مظاهرة ضخمة تأييداً للانقلاب، تكلم فيها عفلق فقال: (إننا نستبشر بهذا الحادث ونعلق عليه الآمال)( نضال البعث- الجزء الأول، ص- (290-291)).. وأعلن (أن الجيش هو الأداة الأمنية التي نفذت رغبة قومية وإرادة عامة).

وسار المخطط كما ينبغي له أن يسير. حلّ البرلمان، علّق الدستور، ووقع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، كما أمر بانسحاب الجيش السوري من بعض مناطق شمال فلسطين التي كان الجيش قد حررها عام 1948م من الاحتلال اليهودي، وصدّق على اتفاقية التابلاين مع الأمريكان، كما وقع اتفاقية مماثلة مع شركة نفط العراق بغرض مدّ أنابيب نفط أخرى، كما تم توقيع اتفاقية نقدية مع فرنسا، ووقع بالأحرف الأولى اتفاقية مع تركيا لإرسال فنيين لتدريب الجيش السوري وإعادة تأهيله، وأعلن أنه الزعيم المنتظر التي ساقته العناية الإلهية لإنقاذ البلد.. (ولم يستطع البعثيون أن يفوزوا بالكثير في ظل مثل هذا الحاكم المتسلط، فوقع الصدام)( نضال البعث- الجزء الأول، ص- 292).. وزج حسني الزعيم بقيادة البعث في المعتقل لمدة ثلاث أسابيع.. وقد تعرض عفلق في معتقله إلى المضايقات التالية:

1-   صدمة لم يكن يتوقعها من الإهانة والازدراء وحلق الشعر والحبس المنفرد.

2-   حرمان من التدخين.

3-   حرب أعصاب مستمرة وإرهاق ومنع النوم بدخول عساكر إلى الزنزانات بقصد الإخلال بالراحة.

4-   إطلاق الإشاعات والتحذيرات(حزب البعث- جلال السيد، ص- (62-63)).

الأمر الذي جعله يكتب لحسني الزعيم الرسالة التالية بعد مرور عشرة أيام فقط على اعتقاله: (في هذه الرسالة يعترف عفلق بأخطائه وأخطاء حزبه إزاء نظام البناء والعمل الإيجابي ويعلن: أنني قانع كل القناعة بان هذا العهد الذي ترعونه وتنشئونه يمثل أعظم الآمال وإمكانيات التقدم والمجد لبلادنا، فإذا شئتم فنكون

في عداد الجنود البنّائين. وإذا رغبتم أن نلزم الحياد والصمت فنحن مستعدون لذلك.

سيدي دولة الزعيم، لقد اخترت أن انسحب نهائيا من كل عمل سياسي بعد أن انتبهت بمناسبة سجني إلى أخطاء فيّ أورثتني إياها سنين طويلة من النضال القومي ضد الاستعمار والعهد السابق، وأعتقد أن مهمتي قد انتهت وأن أسلوبي لم يعد يصلح لعهد جديد، وأن بلادي لن تجد من عملي السياسي أي نفع بعد اليوم.

سيدي دولة الزعيم، أنتم اليوم بمكان الأب لأبناء البلاد، واتركوا لنا المجال كي نصحح أخطاءنا ونقدم لكم البرهان على وفائنا وولائنا)( حزب البعث- مصطفى دندشلي، ص- 130).

والرسالة في حدّ ذاتها لا قيمة لها.. فهي وثيقة كتبت تحت الضغط.. ولكنها تعطينا الدليل على صلابة زعماء البعث الرواد الذين تنكروا لكل شيء بعد اعتقال دام عشرة أيام فقط.

فهل ينتبه الجيل إلى الزعامات التي قاومت الطغيان السنين ذوات العدد فما انحنت لهم هامة ولم يطلبوا العفو إلا من ربهم؟

 الانقلاب الثاني

لم يدم حكم حسني الزعيم غير ستة أشهر، سقط بعدها هو والسيد محسن البرازي (رئيس وزرائه) برصاص انقلاب آخر، ومحاكمة سرية لم يعرف عنها شيء تقريباً. لم يعترض أحد على الإعدام بدون محاكمة، لم يتبادر لأذهانهم أنها ستصبح ذات يوم تقليداً وجزءاً من تاريخ سورية المعاصرة.. فهل توقف البعث عن القيام بهذه اللعبة القذرة: تهديم الديمقراطية بالانقلابات العسكرية؟

وكما حصل في الانقلاب الأول، فقد كثف حزب البعث وأكرم الحوراني اتصالاتهم بالضباط الشبان، وكان الانقلاب الثاني بتاريخ 14 أغسطس 1949م بقيادة اللواء سـامي الحنـاوي.. وقد وصفه الصحفي اللبناني، أدوار صعب، على النحو التالي: (الرجل.. ليس عنده بالفعل ما ينم عن شخصية بارزة، ولا عن مزايا إنسان قوي ومصمم، فهو بدين ومترهل وأمّي تقريباً، وهو أعجز من أن يصمد في مناقشة، وتراه باستمرار يغير من أفكاره وقناعته، إذا ما وجد نفسه أمام متحدث مقنع ومتحمس. وكان يقال في دمشق: إن الحناوي ولد ليكون عميلاً)( الانقلاب في سوريا- أدوار صعب، ص- 54).

وشكل الحناوي وزارة برئاسة هاشم الأتاسي، دخلها ميشيل عفلق وزيراً للتربية وأكرم الحوراني وزيراً للزراعة.. الأول ليرسل فيها جميع البعثيين في بعثات إلى الخارج، والثاني ليصفي حساباته مع زعامات حماة التقليديين.

في الانتخابات النيابية التي جرت في منتصف نوفمبر 1949م فاز فيها جلال السيد عضو اللجنة التنفيذية للحزب عن منطقة دير الزور. (ولقد أكد جلال السيد نفسه بأن نجاحه لم يكن بقوة الحزب، بل لما كان له من نفوذ شخصي ويمكن أن نضيف إلى ذلك أيضاً ما مارسه العراقيون من ضغوط انتخابية مختلفة لمصلحته)( حزب العبث- مصطفى دندشلي، ص- 134). كانت الهيئة التأسيسية المنتخبة تضم أكثرية من حزب الشعب(يقال إن الإنكليز كانوا يقفون وراء هذه السياسية على عكس الأمريكان الذين أرادوا تمتين العلاقات السورية السعودية)، وقد طالب النواب بالاتحاد مع العراق وكانت جميع الأجواء مهيئة لهذا الاتحاد.. وفجأة حدث ما يشبه الثورة الداخلية في هيئة الأركان العامة بتاريخ 19 ديسمبر 1949م. وقد تزعم ذلك العقيد أديب الشيشكلي وكان هناك تياران وراء التمرد الجديد: الأول يمثل البعثيين والحورانيين.. والثاني يمثل السياسيين والضباط الذين تربطهم علاقات وثيقة بالدوائر الأجنبية التي كانت تنظر بعين القلق والعداء لأي تقارب بين العرب(حزب العبث- مصطفى دندشلي، ص- 142).

وهكذا ساهم البعثيون للمرة الثالثة في إنهاء الحياة المدنية ومحاربة الوحدة هذه المرة عن طريق الانقلاب العسكري. وكان لهم في الهيئة التأسيسية موقف آخر في غاية الاستهجان وهو التصدي بكل عنف واستهتار للأستاذ مصطفى السباعي ممثل الإخوان المسلمين في البرلمان وهو يطالب أن يكون الإسلام دين الدولة.. بينما يدعون هم للعلمانية وإبعاد الدين عن الدولة.

وفي تاريخ 29 نوفمبر 1951م نفذ الشيشكلي انقلابه الثاني وأعلن عن تولي الجيش شؤون البلاد.. وحل البرلمان، وعلّق الدستور، واعتقل معروف الدوالبي رئيس الوزراء وعزل رئيس الجمهورية. ولقد استقبل حزب البعث الانقلاب بارتياح وأظهر تأييداً كبيراً للانقلابين اللذين قادهما الشيشكلي في 19 ديسمبر 1949م و29 نوفمبر 1951م(حزب العبث- مصطفى دندشلي، ص- 143). ولكن سرعان ما قلب الشيشكلي للحزب ظهر المجن وأقام له حزباً خاصاً به أسماء (حركة التحرير العربي).. واضطهد جميع الأحزاب والكتل التي لم تخضع لديكتاتوريته. وإذا كانت المصائب تجمع فقد جمعت بين حزب البعث والحزب الاشتراكي الذي يتزعمه أكرم الحوراني وقد أسفرت هذه المصائب عن ولادة حزب جديد اسمه (حزب البعث العربي الاشتراكي) ولا بأس أن نلقي نظرة على أكرم الحوراني الذي لعب دوراً هاماً في تاريخ سورياً الحديثة.

 أكرم الحوراني

أكرم الحوراني

أكرم الحوراني من الشخصيات شبه الغامضة، إليه تنسب معظم الانقلابات العسكرية التي قامت في سوريا.. سياسي واقعي.. يؤمن بالأفعال أكثر من النظريات.. مبادؤه المصلحة، وأنصاره الحمويون.. انتهازي من الطراز الأول هو صانع الانقلاب، ومتآمر من أجل انقلاب آخر. ولد أكرم الحوراني في مدينة حماه عام 1912م من أسرة إقطاعية.. كان أبوه من كبار ملاكي الأرض في المنطقة. وقد حاول في ظل الإمبراطورية العثمانية أن يسلك طريق السياسة مرشحاً نفسه للانتخابات النيابية في ذلك الحين غير أن الإخفاق الذي مني به في هذه الانتخابات والمنازعات المستمرة بين عائلتـه والعائـلات الإقطـاعية الأخرى أفقده القسم الأكبر من ثروته(مقابلة مع أكرم الحوارني بتاريخ 4 أبريل 1970م نشرها مصطفى دندشلي في كتابه عن البعث ص- 149. ويعترف مع ذلك أن انقلاب الشيشكلي الأخير الذي أيده انقلاب أجنبي احتضنته أمريكا حامية الصهيونية (كما جاء في رسالة الحزب للشيشكلي نفسه في يوليو 1953م). هذا الإخفاق قد يكون السبب الذي جعل أكرم يحرص أشد الحرص على تحدي الأسر التي هزمت والده. انتسب في البداية إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي عام 1936م وأسس فرعاً له في حماة وجمع حوله أعداداً من الفلاحين لمواجهة الأسر الأخرى التي كانت أساساً تعمل ضمن الكتلة الوطنية التي تصدت لمكافحة المستعمر الفرنسي في البلاد. ويعتقد الكثيرون أن أكرم الحوراني استخدم هذا الحزب لاستخدام واجهته أكثر من أي شي آخر.. خاصة وأنه بدأ يلمع نجم هذا الحزب في سماء سوريا. ومع ذلك فقد كتب رسالة إلى الجنرال (ويغان) الفرنسي في بداية الحرب العالمية الثانية يؤكد له فيها أنه انسحب من الحزب القومي السوري.. الذي لم يكن بالنسبة له أكثر من إيجاد هيئة سياسية معارضة لحزب الكتلة الوطنية. وفي ختام رسالة الحوراني إلى (ويغان)  يقول له: (وما من شاب سوري يتأخر عن مساعدة الأمة الفرنسية النبيلة للقضاء على النازية الفاشية التي تحاول أن ترجع بالعالم إلى عصور الهمجية والتوحش الأولى)( حزب العبث- مصطفى دندشلي، ص- 151). وهذه الرسالة  تدل على عقلية أكرم الانتهازية التي تهمها المكاسب أكثر مما تتوقف عند المبادئ.

وفي عام 1940م أسس أكرم بحماه حزب الشباب.. وعلى نفس النمط السابق، فقد كان الحزب مجرد واجهة لتجميع الشباب المثقف في مدينة حماه.. والفلاحين في ريف المدينة وشحنهم ضد الإقطاعيين أعداء أسرته.. وإذا كان ريف حماه أغلبه من الفلاحين النصيريين أدركنا حجم الجريمة التي قام بها في تجميع هؤلاء وشحنهم بالحقد ضد العناصر الأخرى المعادية لأكرم الحوراني.. وليس صحيحاً أن خصوم أكرم السياسيين كلهم من الإقطاعيين، فهؤلاء أعدادهم محدودة أما أكثرية أهالي مدينة حماه فكانوا من الإخوان المسلمين الذين لا يرتاحون للأساليب الغوغائية الانتهازية التي يسلكها أكرم الحوراني.

دخل أكرم الحوراني البرلمان منذ عام 1943م، عندما نجح باسم حزب الشباب، ومنذ ذلك التاريخ لم يفقد مقعده في هذا المجلس حتى عام 1963م موعد قيام الانقلاب البعثي في سوريا.

وكما أن همه الأول إقامة الصلة مع ضباط الجيش، وخاصة الحويين منهم.. فقد كان يرى المستقبل من خلال هؤلاء(بعد الهزيمة في فلسطين تشكلت لجنة عسكرية هدفها تحديد العوامل السياسية والعسكرية التي أدت إلى الهزيمة، وعن طريق عضويته في هذه اللجنة على صلة وثيقة بالضباط والانقلابات).. عمل مع كل الديكتاتوريات التي حكمت سوريا ثم انقلب عليها. وعندما كان وزيراً للدفاع في فترة الشيشكلي الأولى دفع أعداداً متزايدة من الشبان الحمويين ومن ريف حماه من النصيريين إلى الكلية الحربية في حمص.. كما عمل على تسريح أعداد كبيرة من ضباط الأحزاب الأخرى.. في عام 1952م وبتشجيع من أديب الشيشكلي عقد مؤتمراً كبيراً في حلب وأعلن فيه عن تشكيل حزبه العري الاشتراكي، الذي شكل فيما بعد، وبعد اندماجه مع البعث في 13 نوفمبر عام 1952م، حزب البعث العربي الاشتراكي بزعامة ميشيل عفلق.

في 14 أكتوبر 1957م انتخب أكرم الحوراني رئيساً لمجلس النواب السوري فحقق بذلك إحدى أمنياته وأصبح بالفعل شخصية سوريا القوية بما لديه من نفوذ في البرلمان والجيش. وفي 17 نوفمبر 1957م عقد اجتماع مشترك بين وفد برلمان سوري برئاسة الحوراني ووفد برلماني مصري برئاسة أنور السادات واقترح المجتمعون إقامة اتحاد فيدرالي بين القطرين.

عُيّن رئيساً للمجلس التنفيذي السوري في دولة الوحدة عام 1958م ثم جرّد من مسؤولياته كممثل للحكومة المركزية لدى المجلس التنفيذي في الإقليم الشمالي في 18 نوفمبر 1958م.

وقع مع صلاح الدين البيطار وثيقة الانفصال.. وابتدأت مواقفه تفترق عملياً عن مواقف القيادة القومية للبعث التي يمثلها شخص ميشيل عفلق.. في المؤتمر القومي الخامس الذي عقد في مدينة حمص في النصف الأول من شهر مايو 1962م لم يدع إلى هذا الاجتماع كل من أكرم الحوراني وأنصاره.. وبالتالي فقد أبعدوا من الحزب بصورة عملية.

بعد انقلاب 8 مارس 1963م صدر قرار بالعزل السياسي تناول مجموعة من السياسيين كان منهم أكرم الحوراني بحجة أنهم أيدوا الحكم الانفصالي.

هذا هو أكرم الحوراني الذي لعب دوراً بارزاً في تاريخ سوريا السياسي من خلال حزب البعث وقبله وبعده، وهو اليوم يحذر من التعامل مع الطوائف التي قواها وشحذها.. كان يريد استخدامها فاستخدمته. وكان يظن نفسه ذكياً قوياً.. فتبيّن أنها أقوى منه وأذكى يوم رمته بعيداً هيكلاً لا قيمة له.. هذا هو أكرم الذي قبض من الجميع وسار في ركاب شخصه وخسر أخيراً كل شيء.

 الانقلاب على الشيشكلي

أديب بن حسن الشيشكلي

وفي مارس 1954م غادر الشيشكلي البلاد بعد إعلان النقيب مصطفى حمدون عن انقلاب جديد.. وكان للبعثيين كالعادة دور طليعي في إسقاط الحكم السابق.. وفي تأييد الانقلاب اللاحق.

يذكر عضو اللجنة التنفيذي لحزب البعث (أن المفاجأة التي ظهرت لنا فيما بعد هي أن الحزب لم يكن إلا وسيلة ومخلباً. وأنه لم يكن مطلعاً على تخطيط يجري من وراء ظهره. فقد كان للعراق ضلع كبير بل وضلع وحيد في إسقاط الشيشكلي)( جلال السيد- المصدر السابق، ص- 113).

وهذا رأي آخر لبعثي آخر يقول: (عندما اقتربت نهاية عام 1953 وبدأ عام 1954 ظهر بوضوح أن القوى الاستعمارية والرجعية بالذات، بدأت تهيئ لقلب نظام الشيشكلي بعد أن شدد مضايقته، لمصالح البرجوازية التجارية والإقطاعية، وأصبح حجر عثرة أمام الأحداث الدولية المعقدة التي توّجت بحلف بغداد)( البعث والوطن العربي- د. قاسم سلاّم، ص- (136-137)).

هذه هي قواعد اللعبة الدولية البريطانية والأمريكية في إجهاض الجيش السوري، وحرف السياسة السورية، عن مجراها الشعبي الرئيسي.. وهؤلاء هم مخالب القط في تنفيذ هذه اللعبة القذرة مباشرة أو بالواسطة. وعلى الرغم من استمرار اللعبة الديمقراطية في الظاهر (فمازال الجيش يدير الأحداث من وراء ستار) وبناء على ضغط البعث فقد أجبر الجيش صبري العسلي رئيس الحكومة الائتلافية على الاستقالة في 11 يونيو 1954م.

انقلاب 28 أيلول (سبتمبر) 1961 في سوريا

بلغ التذمر في سوريا أشده من حكم جمال عبد الناصر المباحثي التسلطي.. فاغتنم العقيد النحلاوي مع مجموعة من الضباط المتفاهمين مع الملك حسين(مذكرات عبد الكريم زهر الدين، ص- 144) الفرصة، وقام بحركته الانقلابية في 28 سبتمبر 1961. وكان نجاح الحركة موضع استغراب المراقبين بسبب قلة عدد الضباط المشاركين. وقد عزي ذلك إلى وجود أكثر من 20 ألف جندي وضابط مصري في الجيش السوري مما جعل أكثر القطعات بيد الضباط المصريين الذين كانوا موضع كراهية شديدة من الضباط السوريين. وهذه الفترة التي سميت فيما بعد بفترة الانفصال والتي دامت حتى (8) آذار 1963 تميزت بكثرة انقلاباتها.

ففي 28 مارس 1962م قاد النحلاوي انقلاباً آخر حلّ على أثره مجلس النواب الجديد المنتخب وألقى القبض على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وعدد من السياسيين.

وفي 30 مارس 1962م انطلقت حركة تمرد أخرى من حمص وشارك فيها كثير من العناصر الناصرية والبعثية أدت إلى صدامات مسلحة سقط نتيجتها عدد من الضحايا بين الضباط والجنود وخاصة في حمص وحلب ووضعت البلاد على شفير حرب أهلية طاحنة.

تنادت القيادات العسكرية إلى لقاءات متتالية خلصت إلى القرارات التالية:

1-     إبعاد عبد الكريم النحلاوي وأنصاره من البلاد.

2-     إعادة تنظيم القوات المسلحة.

3-     دراسة مسألة الوحدة بين سوريا ومصر.

4-     تشكيل حكومة جديدة.

رفض الناصريون مقررات حمص وقاموا بحركتهم الانقلابية في 31 مارس بقيادة جاسم علوان من حلب.. الذي اضطر للاختفاء بعد فشل حركته.. أما على الصعيد السياسي فقد شكل بشير العظمة حكومته في 2 أبريل1962م واشتركت فيها جميع الأحزاب كما شارك البعثيون بوزيرين هما عبد الله عبد الدائم للإعلام وعبد الغني قدور للداخلية.

وفي (8) مارس 1963م قام انقلاب عسكري شارك فيه الضباط من كل الاتجاهات. وكانت القوة الفاعلة والموجه الحقيقي فيه هي (اللجنة العسكرية) التي شكلت نواتها من الضباط البعثيين المتمردين أصلاً على قيادة البعث التقليدية والمعادين للوحدة وعبد الناصر معها. أنشأ هؤلاء تنظيمهم السري عندما كانوا في مصر.. وبعد عودتهم أحكموا أمرهم واتصلوا بجميع الاتجاهات وبدأوا التحضير لانقلاب جديد.

ولم يكن يعرف أحد بتنظيمهم(أدركت قيادة حزب البعث القومية في سوريا أن هناك تكتلاً سرياً في الجيش باسم اللجنة العسكرية في بداية كانون الأول (ديسمبر) 1964. فدعت إلى جلسة استثنائية تمخضت عن بيان شديد اللهجة لمعالجة هذه الظاهرة كما حلّت القيادة القطرية في سوريا. (البعث- د. قاسم سلام، ص- 223)) فقد كانوا بعثاً داخل البعث. انطلق زياد الحريري بالانقلاب.. وبدأت اللجنة العسكرية تحكم سيطرتها يوماً بعد يوم وتصفي خصومها واحداً بعد الآخر حتى خلص لها الأمر.

بقي أن نعرف أعضاء اللجنة العسكرية الثلاث عشرة وهم: حافظ الأسد، محمد عمران، صلاح جديد، أحمد المير، سليم حاطوم، حمد عبيد، رباح الطويل، عبد الكريم الجندي، موسى زعتير، عثمان كنعان، مزهر هنيدي، بشير صادق، أمين الحافظ.

في 11 آذار (مارس) 1963م وبعد انقلاب 8 مارس بثلاثة أيام فقط، حاول الناصريون أن يتحركوا عسكرياً وأن يستفيدوا من المظاهرات الشعبية الناصرية من جهة ومن بلبلة الأوضاع داخل الجيش من جهة أخرى. ولم ينجحوا في تحركهم. وكان من نتيجة فشلهم أن صفي من الجيش عدد من الضباط الناصريين بدون ضجة تذكر(سامي الجندي، ص- (112، 117، 118)).

وفي 18 تموز (يوليو) وفي وضح النهار، احتل ما يقرب من ألفي مسلح مواقعهم بقيادة بعض الضباط الناصريين المسرحين حديثاً من الجيش، في الحدائق العامة المحيطة بمبنى القيادة العامة للأركان.. وهوجمت القيادة ومبنى الإذاعة وحرس أركان القوات المسلحة.. وكانت ردة فعل السلطات العسكرية أكثر عنفاً. وهذه المعركة هي أكثر المعارك التي عرفتها دمشق دموية: مئات من الضحايا.. وإعدامات بالجملة.. والحرس القومي يطارد الناصريين في كل مكان(حزب البعث – مصطفى دندشلي، ص- 341).

في مدى خمسة أشهر، نجح البعثيون (اللجنة العسكرية) في تصفية وإبعاد خطر كل السياسيين، المدنيين والعسكريين الذين كانت توجه إليهم تهمة الانفصالية، ومن ثم الناصريين وأخيراً حلفاءهم من الضباط المستقلين زياد الحريري ولؤى الأتاسي(حزب البعث – مصطفى دندشلي، ص- 347).

وفي أكتوبر 1963 وفي المؤتمر القومي السادس الذي عقد في دمشق، أقرّ الحزب التقرير العقائدي الماركسي.. وفي الانتخابات أبعد كل من صلاح البيطار وشبلي العيسمي وخالد يشرطي وعبد المجيد الرافعي ومالك الأمين وعلي جابر وهم أنصار عفلق من القيادة القومية.. وبذلك صفا الجو للبعثيين الطائفيين (أعضاء اللجنة العسكرية).

وانقلاب 8 آذار (مارس) 1963م في سوريا هو الانقلاب الحقيقي الذي يمثل الاتجاه الطائفي لحزب البعث.. ولقد تميز هذا الانقلاب بهزات وتصفيات:

*  التصفيـة الأولى فـي 23 شباط (فبراير) 1966م والتي تـزعمها صلاح جديد وحافظ الأسد وقضت على أمين الحافظ وأنصاره في حزب البعث.

*  التصفية الثانية في 8 أيلول (سبتمبر) 1966م ضد سليم حاطوم الذي قاد الهجوم أساساً على بيت أمين الحافظ.

*  التصفية الثالثة في 16 نوفمبر 1970م ضد صلاح جديد وتياره بقيادة حافظ الأسد وزير الدفاع يومها ورئيس الجمهورية بعد ذلك.

 وخلاصة الكلام

فإن حزب البعث كان في أكثر الأحيان الوسيلة التي استخدمتها القوى الخارجية لتلعب ببلادنا عن طريق الانقلابات العسكرية.. والانقلاب مضر في كل الأحوال.

فهو يلغي الحكم الدستوري بواسطة مجموعة من العساكر لا تفهم أكثر من احتلال الإذاعة وإذاعة البلاغ رقم (1).. وفي كثير من الأحيان أعلن الانقلابيون أنهم خططوا للانقلاب ولم يخططوا لشيء بعده. وليس بالضرورة أن يكون الحكم الدستوري الذي يلغيه الانقلاب جيداً.. بل في أكثر الأحيان يكون سيئاً ظالماً.. ولكن الخطأ لا يعالج بخطأ أشد والظلم لا يزول بظلم أكبر.

لطالما انتظرت أمتنا البلاغ رقم (1). وكم فرح شعبنا بالبلاغ رقم واحد.. فما جاءت أمة إلا ولعنت أختها وما جاء انقلاب إلا وكان مطية أسهل وأرخص للاستعمار.. حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من ضياع للحقوق واستهانة بالبلاد ووأد للحريات. إن حزب البعث الذي لم يترك انقلاباً لم يساهم فيه هو المسؤول المباشر عن نكبة هذه الأمة وما وصلت إليه من ضعف وهوان(القومية بين النظرية والتطبيق- مصطفى محمد الطحان).

Share
 
Leave a comment

Posted by on May 8, 2011 in خواطر

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *