RSS

Monthly Archives: September 2013

الحزب الإسلامي في الموصل

(2) الحزب الإسلامي في الموصل – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من العراق

الحديث عن الإحتلال الأمريكي للعراق.. أسبابه.. وخططه.. وأهدافه.. حديث طويل.. أتوقع أن يشغل الكتّاب والسياسيين زمناً طويلاً.. وهو بكل تأكيد يستحق ذلك.. فالأصل أن تستخلص العبر من حدث كبير بهذا الحجم.
كتبت منذ فترة مقالاً في مجلة المجتمع الكويتية تحت عنوان: (التاريخ يعيد نفسه بين سايكس – بيكو، وبيرل – فيث).. وقلت يومها أن الحروب ترافقها باستمرار مؤامرات واتفاقيات.. وإذا توقفت الحرب.. فإن الاتفاقيات والمؤامرات مستمرة..
فالمنطقة العربية تعيش منذ عام 1916م نتائج اتفاقية سايكس – بيكو.. ولم تخرج منها بعد.. فهل سنمضي مائة سنة أخرى نعالج المؤامرة التي أعلنت في البنتاغون الأمريكي والتي أطلقوا عليها اتفاق بيرل – فيث..؟
ولكني اليوم سأتحدث عن الحزب الإسلامي في الموصل.. والموصل وإن كانت جزءاً من العراق.. وهي اليوم تحت الاحتلال الأنجلوساكسوني.. إلا أنها جزءٌ أيضاً من الذكريات.. فقد كنت شديد الإشفاق على الثلة التي أمضينا معها أجمل سنين عمرنا في نهاية الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي.. ونحن زملاء دراسة في جامعة استانبول.. من هؤلاء د. طه الجوادي، د. إدريس الحاج داود، د. محمود الحاج قاسم، د. عبد الله الرحو، الدكتور بشير حنون، د. عبد الجبار الحسن، وغيرهم كثير..
كنت مشفقاً أن يكون أصابهم مكروه.. فالصواريخ الموجهة التي زعموا أنها ذكية ضربت جميع الأقطار المجاورة للعراق.. وضربت كل المدنيين العراقيين في كل المدن والقرى.. واللذين سقطوا بالآلاف بالقنابل التي تكفي الواحدة منها لتدمير منطقة بأكملها. كنت أسأل نفسي.. هل أصابتهم إحدى هذه القنابل الذكية؟

وهل وصل إليهم التمدن الديمقراطي الأمريكي؟

كنت في هذا الحديث مع نفسي.. حتى قرأت ما كتبه مراسل النيويورك تايمز الأمريكية الذي زار مقر الحزب الإسلامي في الموصل وتحدث مع د. إدريس الحاج داود أحد قادة الحزب.. فرحت كثيراً لسلامته.. وأنست بكلماته للمراسل.. كما كنت استمتع بحديثه في استانبول.. زرته مرة فقال لي (34) ولم أفهم، وبعد قليل طرق الباب صديق آخر فرحب به وقال له (35).. ففهمت أنه استقبل اليوم حتى الآن 35 زائراً.. وغداً امتحانه النهائي.

تحدث الدكتور إدريس عن الحزب الإسلامي فقال:

لقد قرر الحزب الإسلامي العودة إلى العراق بعد عشرات السنين التي قضاها في المهجر، موضحا أن القائمين على الحزب أعادوا تشكيله ونشره بين العراقيين، خاصة بعد انهيار نظام صدام حسين، وبعد أن رأينا رايات كثيرة لا تمتلك أي قاعدة شعبية تعود إلى العراق.

إننا نختلف عن هؤلاء، فنحن نمتلك قاعدة حقيقية منذ عام 1944م عندما بدأ العمل الإسلامي على يد الدكتور حسين كمال الدين موفد الإمام حسن البنا رحمه الله إلى العراق، لكن حكومة العهد المدني لم تسمح لنا بأن نطلق على أنفسنا اسم الإخوان المسلمين، لذلك أنشأنا جمعية الأخوة الإسلامية التي قامت بدور ملموس في التربية الدينية للشعب العراقي، وكان على رأسها الشيخان أمجد الزهاوي ومحمد محمود الصواف.

عام 1960م وبعد انقلاب عبد الكريم قاسم، الذي أنهى الملكية وأسس الجمهورية ومكن للشيوعيين، أسسنا الحزب الإسلامي.

ومثل كل الانقلابات العسكرية التي تعد الشعوب بكل الخيرات: ديمقراطية، حرية، أحزاب، وحدة عربية، تحرير فلسطين، عدالة اجتماعية.. وما أن يصدق الناس ويبدأوا بالحديث عن مشاريعهم المستقبلية.. حتى يبدأ النظام بالاعتقالات وبالقتل والسحل ومحاكم الشعب التي تشبه محاكم التفتيش أو أسوأ منها.. ولقد أصاب الحزب الإسلامي الذي تفاعل معه الشعب العربي والكردي، ما أصاب الآخرين.. مطاردات واعتقالات وإغلاق المقرات.. فقد اكتشف النظام المستبد أن هؤلاء الإسلاميين رجعيون وعملاء ومن أعداء الشعب ولا حرية لأعداء الشعب!!

ويتابع الدكتور إدريس فيقول: تم حظر الحزب عام 1961م وفرّ قادته إلى الخارج، فيما بقي الحزب يعمل سراً في الموصل التي تحولت إلى قاعدة مهمة للعمل الإسلامي. لم يستطع حزب البعث، على الرغم من الإرهاب والملاحقات البوليسية التي تعرض لها الأفراد، والإجراءات المشددة التي فرضت على المساجد، أن يقضي على هذا الحزب.. فالإسلام عميق الجذور في نفوس أهل الموصل.

أما مراسل الصحيفة الأمريكية فيقول: عندما زرت مقر الحزب وجدت عدداً من أعضائه يوزعون مناشير وكراسات تدعو إلى الإسلام بالطرق السلمية. ويؤيد الحزب إقامة نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب في البلاد.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي: أن القوات الأمريكية تعي حقيقة وجود هذا الحزب، لكنها لا تنوي حظره.

وأضاف أن الأمريكيين يرغبون في الحد من تأثير الإسلاميين في الشارع وتقليص نفوذهم من خلال برامج إعادة الإعمار ونشر الطمأنينة والاستقرار وتوفير فرص عمل للمواطنين، بالإضافة إلى إشاعة حرية التعبير عن الرأي.

ووفقاً للمسؤول، سيضمحل الحزب الإسلامي العراقي، مع الوقت بعد تشكيل حكومة علمانية ينجذب إليها المواطنون وتكون قادرة على توفير الرخاء.

وينتهج الحزب في المرحلة الحالية أسلوب عمل معتدل شبيه بالأحزاب الإسلامية في تركيا ومصر وباكستان. وينشط أساساً في مجالات العمل الخيري، إذ افتتح في الأيام الماضية عدداً من العيادات الطبية المجانية، وسيّر عدداً من الدوريات الشعبية لمكافحة عمليات النهب والسرقة. ويوزع أنصاره الصدقات على الفقراء والمستشفيات.

وقال مراسل الصحيفة: أن مكتب الحزب في الموصل عبارة عن خلية من العمل الدؤوب، في بحر من الفوضى خلفتها الحرب في المدينة التي انقطعت فيها الكهرباء والماء ولم يعودا إلا قبل عشرة أيام فقط. واتخذ الحزب مقراً له مكاتب اللجنة الأولمبية التي أصبحت رمزاً لنظام صدام والتي كان يسيطر عليها ابنه عدي. وفي الطابق الثاني شاهد المراسل عدداً من الشبان يعملون على أجهزة كومبيوتر وطابعات وآلة تصوير ضوئي (فوتوكوبي) تبرع بها للحزب احد رجال الأعمال في المدينة. وكانت الآلة تعمل بلا توقف لإنتاج المناشير. وينفي مسؤولو الحزب تلقيهم أي مساعدات من الخارج، ويؤكدون أن تمويلهم يأتي من رجال الأعمال المحليين(جريدة الحياة نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز (24/4/2003)).

وماذا عن علاقة الحزب بالقوات الأمريكية؟

ويجيب الدكتور إدريس:

إن موقفنا من الأمريكيين واضح، نرفض وجودهم على الأرض العراقية، ونعتبر قواتهم قوة احتلال. ونرفض التعاون معهم، ولن نكون في يوم من الأيام طرفاً في الحكومة التي يعتزم الإحتلال تشكيلها.

ونحن متفقون في هذا التوجه مع جميع الفصائل الوطنية والقومية والدينية في الشعب العراقي.

والحكومة الوحيدة التي نعترف بها، ونتعامل معها هي الحكومة المنتخبة من قبل العراقيين تحت إشراف دولي.

وشدد على أن أقطاب حزبه في المهجر لم يشتركوا في أي مفاوضات مع الأمريكيين والبريطانيين قبل غزو العراق.

واشتكى أعضاء الحزب من الاستفزازات التي يواجهونها من الجنود الأمريكيين في الموصل. وأشاروا إلى واقعة جرت عندما توقفت دورية أمريكية أمام مقر الحزب وطلبت من الحارس الواقف أمام المدخل وبيده رشاش كلاشينكوف الدخول إلى المقر وعدم الوقوف مع سلاحه خارجه، فيما كانت طائرات هليكوبتر تحوم في السماء(جريدة الحياة نقلاً عن نيويورك تايمز (24/4/2003)).

وأضاف المتحدث باسم الحزب الدكتور محسن عبد الحميد فقال:

نعلم مسبقا أن الأمريكيين لن يقبلوا إلا بمن يعطيهم قواعد عسكرية ويعترف بإسرائيل، ونحن ضد ذلك قلبا وقالبا، ونقول: إن بقاءهم بالعراق لن يطول كثيرا.

وأضاف: العراقيون لن يقبلوا بمحتل، فإذا صدقوا في قولهم بأنهم جاءوا للتحرير، وخرجوا من ديارنا فبها ونعمت، وإلا فإن الشعب سيستخدم كل الوسائل المشروعة للدفاع عن النفس والأرض والوطن.

وحول
ما إذا كان بإمكان الشعب العراقي التوحد في مواجهة الاحتلال، وهو منقسم واقعيا بين سنة وشيعة وأكراد وتركمان، شدد عبد الحميد على أن الحزب يدعو ويعمل على دعوة كل الطوائف والأعراق إلى الوحدة والأخوة في الدين والوطن”، موضحا أن الحزب يشكل لجانا للتقارب بين هذه الطوائف والأعراق.

وأضاف: لنا مع الشيعة على سبيل المثال جسور طيبة ممتدة منذ عام 1960م عندما أجهضنا المشروع الشيوعي في العراق، مشيرا إلى أن هناك لجانا من الطرفين تجتمع وتحاول أن تنمي الأخوة الإسلامية بين السنة والشيعة.

إعادة تشكيل للأطروحات

وحول أطروحاته للوضع الحالي في العراق قال عبد الحميد: لقد أعدنا الحياة إلى الحزب، ونحن في سبيلنا لإعادة تشكيل أطروحاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مضيفا: شكلنا لجانا تعكف حاليا على تعديل دستور الحزب أيضا، وحتى لائحتنا الداخلية. وهذا لن يتم قبل شهر.

وأوضح: لنا الحق في أن نقدم أنفسنا، وأن ننشر مبادئنا وأفكارنا، ولا يهمنا النتائج كثيرا، كل ما نريده أن نزيد الوعي بالإسلام بين فئات الشعب، وأن نزيل الغشاوة التي تبـاعد بين هـذا الشعـب وبين إسلامه، وسيكون ذلك من خلال ما نقدمه له في كافة المجالات، مضيفا: إننا من الآن نقدم خدمات ملموسة عن طريق تقديم الإغاثة للمنكوبين وتشكيل لجان شعبية لحل المشكلات، ونعمل في كثير من المواقع(إسلام أون لاين 24/4/2003م).

2003/4/28م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 29, 2013 in خواطر حول العالم

 

ماذا بعد احتلال العراق؟

(1) ماذا بعد احتلال العراق؟ – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من العراق

مقدمة

قد يكون من المبكر الحديث عن الحرب الأمريكية في العراق(كُتب البحث في 20/4/2003م).. مقدماتها.. وصفقاتها.. ونتائجها.. ولكن الإنسان عجول بطبعه.. ويحب أن يحصل على إجابات لأسئلته.. ولا أجد بأساً في ذلك.. فلا يمكن لإنسان متفاعل مع الحدث.. تابع الأحداث وتصور لها نهاية تناسبه.. وهي  نهاية وردية في أغلب الأحيان.. لا يمكن أن نقول لهذا الإنسان انتظر حتى ينكشف المستور، وتظهر الحقائق.. فالحقائق لا تظهر أحياناً إلا بعد خمسين سنة.

ولهذا سنحاول أن نذكر بعض النتائج التي أسفرت عنها هذه الحرب على المستوى العراقي.. وعلى المستوى الخليجي.. وعلى المستوى العربي.. وعلى المستوى الأوروبي.. وعلى المستوى العالمي.. وعلى المستوى الأمريكي.. نذكرها بدون تحديدات دقيقة.. فالمعلومات غير متوفرة إلا عند صنّاع الحدث.. ولا يذيعون منها إلا القدر الذي يناسبهم. وما يناسبهم قد لا يناسبنا.

العراق تحت الاحتلال

قبل الحديث عن الحرب الأخيرة في العراق.. لا بد أن نضع أمام القارئ بعض المحطات الرئيسة التي مرّ بها العراق منذ تولى قيادته صدام حسين.

عام 1959 شارك صدام حسين في محاولة فاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم الذي أطاح بالملكية وأقام النظام الجمهوري عام 1958.

عام 1968 قام البعث بانقلاب عسكري سيطر فيه على الحكم في العراق. وأصبح اللواء أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية.. وعمل البكر وصدام معاً وأصبحا القوة المهيمنة على حزب البعث.

عام 1972 عقد العراق معاهدة تعاون وصداقة مع الاتحاد السوفياتي، كما أمم شركة النفط الوطنية، التي تأسست في ظل الإدارة البريطانية، وكانت تصدر النفط إلى الغرب بأسعار رخيصة.

وقد استثمر بعض أموال النفط التي أعقبت أزمة عام 1973 في الصناعة والتعليم والصحة، مما رفع المستوى المعيشي إلى أعلى مستوى في العالم العربي.

عام 1974م ثار الأكراد في شمال العراق بدعم من شاه إيران الذي تؤيده الإدارة الأمريكية. وقد دفع هذا الصراع الحكومة العراقية إلى طاولة المفاوضات مع إيران، إذ وافقت على تقاسم السيطرة على شط العرب (اتفاقية الجزائر التي وقعت عام 1975)، مقابل ذلك أوقف شاه إيران تقديم الدعم المادي للأكراد في شمال العراق مما مكّن النظام العراقي من إخماد الانتفاضة الكردية.

عام 1978، أصبح الانتماء إلى أي من أحزاب المعارضة جريمة يعاقب عليها القانون العراقي بالإعدام. وفي العام التالي أجبر صدام حسين المهيب أحمد حسين البكر على الاستقالة وتولى جميع السلطات في البلاد.

وقد أقدم صدام على إعدام العشرات من منافسيه في قيادة الحزب والدولة خلال أيام من وصوله إلى الرئاسة.

في 22 سبتمبر عام 1980م بدأت الحرب مع إيران.. وهذه الحرب هي بكل المقاييس حرب بالوكالة.. خاضها صدام حسين برعاية أمريكية وبدعم خليجي.. كانت المليارات طوع يديه.. والأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية تقدم له المعلومات.. وأسلحة الدمار الشامل تزوده بها أمريكا ليضرب إيران والأكراد في داخل العراق.. أهداف الحرب أمريكياً كانت إسقاط النظام الإيراني الجديد.. وأهدافها عراقياً.. أن يتسنّم صدام حسين مركزاً مرموقاً في السياسية الشرق أوسطية التي ترعاها أمريكا.

في 18 يوليو عام 1988م وافقت إيران على هدنة اقترحتها الأمم المتحدة. وبدأ سريان وقف إطلاق النار في 20 أغسطس، وأرسلت الأمم المتحدة قوات دولية لحفظ السلام.

وبنهاية الحرب لم تتغير حدود البلدين تغييراً كبيراً لكن كلا من العراق وإيران شعرتا بثقل التكاليف البشرية والاقتصادية الهائلة لثمانية أعوام من الحرب التي حصدت أرواح نحو (400) ألف شخص من الجانبين كما خلفت نحو (750) ألف مصاب.

تقدر قيمة الخسائر الاقتصادية وخسائر عائدات النفط لكل من البلدين بأكثر من (400) مليار دولار. إلا أنه بعد ثلاثة أعوام من انتهاء الحرب وفي عام 1991 وبعد شهر واحد من الغزو العراقي للكويت وافق العراق على الالتزام باتفاقية عام 1975 التي وقعها مع إيران.

اغتنمت إسرائيل فترة انشغال العراق بحربه ضد إيران.. فأغارت مجموعة من الطائرات الإسرائيلية على مفاعل تموز النووي الذي أقامته فرنسا في العراق.. وحولته إلى أنقاض.

في 2 أغسطس 1990 غزا صدام حسين الكويت.. مدعياً أنها جزء من العراق.. في هذا التاريخ يمكننا أن نقول أن أمريكا خطت أولى خطواتها الاستراتيجية.. هيأت الأمر سفيرتها في بغداد أبريل غلاسبي التي أفهمت صدام عمق الروابط بين البلدين.. وعندما تحدث عن نيته في الحرب ضد الكويت.. قالت له السفيرة: هذه قضايا داخلية لا علاقة لنا بها.

كان هدف أمريكا توريط صدام وإزالته.. فهو عميل لا يُطمأن إليه.. وهدف القيادة العراقية.. هو ابتزاز دول الخليج.. وإشباع نزعة التأله التي بدأت تظهر على شخصية صدام حسين.

في (17) يناير1991م شنت أمريكا عملية عاصفة الصحراء ضد العراق.. وفي 27 فبراير تحررت الكويت وقبلت العراق قرار وقف إطلاق النار.

وتحرك الشعب العراقي في الشمال والجنوب في انتفاضة شعبية.. كان بإمكانها الإطاحة بصدام حسين.. ولكن اللعبة لم تنته بعد.. فعلى الرغم من وجود القوات الأمريكية داخل العراق، فقد سمحت لصدام باستخدام أسلحته لإبادة الانتفاضة في الشمال وفي الجنوب.. فأسلحته فتاكة حين يكون عدوه شعبه.. وفرضت أمريكا عليه قرارها بإنشاء منطقة الحظر الجوي في الشمال وفي الجنوب.. بحجة الدفاع عن الشعب العراقي(في مارس 1991في الشمال وعام 1992 في الجنوب).

تقول جماعة( إندايت) التي تدعو لمحاكمة القادة  العراقيين بتهم ارتكاب جرائم حرب، إن المتمردين قد اعدموا جماعياً، وإن المستشفيات والمدارس والمساجد والأضرحة وطوابير اللاجئين الفارين قد تعرضت للقصف. وتقول الولايات المتحدة، التي تعرضت لانتقادات شديدة لسماحها لصدام حسين باستمرار استخدام قواته الجوية، إن ما بين ثلاثين ألفاً وستين ألف عراقي قد لقوا حتفهم.

وفي الشمال، فر نحو مليون ونصف المليون كردي عبر الجبال إلى إيران وتركيا. وقد ساهمت الظروف المناخية السيئة والتضاريس الصعبة في زيادة معاناة اللاجئين وخلقت كارثة إنسانية رهيبة.

ولقد تسببت حرب الخليج الثانية بأسوأ الكوارث البيئية التي شهدها العالم. فقد أضرم العراقيون النار في (600) بئر نفطي في الكويت على الأقل، مما نتج عنه غمامة سوداء من الدخان غطت سماء الكويت. وقد تطلبت عملية إطفاء هذه الحرائق جهوداً مضنية بذلها متخصصون في هذا المضمار على مدى ستة أشهر.

أما في العراق، فقد أثار التلوث الناتج عن استخدام القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها للذخيرة المصنوعة من مادة اليورانيوم المنضب قلقاً شديداً.

ويقول العراقيون إن الإشعاع الناتج عن استخدام هذا النوع من الذخائر قد تسبب في ارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية تسعة أضعاف في المناطق الجنوبية من البلاد وعلى الأخص المناطق المحيطة بمدينة البصرة.

في أبريل 1991م قررت الأمم المتحدة إجراء عمليات تفتيش على الأسلحة العراقية. استمرت اللجنة في عملها لأكثر من سبع سنوات تم خلالها تدمير العديد من الأسلحة المحظورة وتفكيك معدات إنتاجها.

في يونيو 1993م أصدر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون تعليمات بتوجيه ضربات جوية لمقر المخابرات العراقية رداً على محاولة لاغتيال سلفه جورج بوش الأب قبل هذا بشهرين أثناء زيارة قام بها للكويت.

في ديسمبر 1998م شنت الولايات المتحدة وبريطانيا عملية ثعلب الصحراء.. وكان الهدف المعلن رسمياً من حملة التفجير والقصف باستخدام صواريخ كروز التي أصابت (100) هدف في مختلف أنحاء العراق، هو حرمان صدام حسين من القدرة على إنتاج أسلحة دمار شامل!

وشملت الأهداف، بالإضافة إلى المواقع التي لها علاقة بإنتاج أسلحة كيماوية وبيولوجية، مواقع الشرطة السرية، وقوات الحرس الجمهوري، وقواعد جوية، ومواقع دفاع جوي، ومصافي نفط البصرة.

وفي 26 نوفمبر 1993م وافقت بغداد من دون شروط على القرار رقم (715) الصادر عن مجلس الأمن حول مراقبة التسليح العراقي. وهو القرار الذي استغله الأمريكان حتى قيام الحرب الأخيرة.

في 27 نوفمبر 2002م استأنف مفتشو نزع الاسلحة بقيادة بليكس عملهم في داخل العراق.. بعد تبني مجلس الأمن في (8) نوفمبر 2002م القرار (1441) الذي  يطالب العراق بكشف برنامجه لإنتاج أسلحة الدمار الشامل.

حاولت أمريكا وانكلترا الحصول على قرار ثان من مجلس الأمن يخولها استخدام القوة.. ولكن الفيتو الفرنسي منع صدور مثل هذا القرار.. ولهذا بدأت أمريكا الحرب بقرار منفرد يوم 20 مارس 2003م.

بدايات الحرب كانت مفاجئة للأمريكان.. فقد توقعوا أن يستقبلهم العراقيون بالزغاريد.. ولكن المقاومة كانت في البداية شرسة.. مما أربك خطة الحرب الأمريكية.

وبينما كان العالم الذي تحمّس مع العراقيين، الذين نهضوا في بداية الحرب نهضة رجل واحد يتصدون للعدوان.. وكان الجميع ينتظرون معركة بغداد التي ستكون مقبرة للغزاة.. وإذا بالأمريكان يدخلون بغداد يوم 9 أبريل 2003 دون مقاومة.. فلقد هربت القيادة واستسلمت القوات التي ظنها الناس حصناً لا يمكن تجاوزه.

لقد تآمر صدام حسين على رفاقه الحزبيين.. وقام بانقلاب داخلي أبعد أحمد حسن البكر الذي اعتبره البعثيون في العراق بمثابة والد الجميع.. وتابع المسيرة نحو البعثيين الذين انشقوا عليه فصفاهم في كل مكان وصلت إليه يده.. ولم يسلم من هؤلاء صهره زوج ابنته الذي قتله بيده كما أشيع.

وتآمر صدام حسين على الأكراد.. فحاول قتل الزعيم الكردي مصطفى البرزاني بعد أن عقد معه اتفاقية الحكم الذاتي.. ونجا البرزاني من الموت بأعجوبة.. وإن كانت حادثة تفجير مقره قد أودت بحياة عدد كبير من مساعديه.. ثم قام بتهجير الأكراد من مناطقهم في الشمال وأثناء نقلهم من ديارهم إلى الجنوب صفى منهم فيما عرف بالأنفال (180) ألف إنسان.. وكانت إحدى حلقات الأحزان الكردية وتحديداً في 16 مارس 1988م ما شهدته بلدة حلبجة الكردية التي قتل فيها وفي يوم واحد خمسة آلاف مواطن عراقي كردي.

في ذلك اليوم المشؤوم ألقت المروحيات والطائرات العراقية خليطاً فتاكاً من غاز الخردل وغاز الأعصاب، مما أدى إلى سقوط ذلك العدد الكبير من القتلى في تلك البلدة الحدودية الصغيرة، وأما من نجا من الموت فقد أصيب بالعمى أو بأمراض مزمنة خطيرة!

واليوم وبعد مرور خمسة عشر عاماً على تلك الجريمة النكراء، التي استخدم فيها نظام صدام أسلحة الدمار الشامل ضد شعبه يقود وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد حملة عسكرية غير مسبوقة لإزالة تلك الأسلحة وإطاحة نظام صدام.. ولكنها ستكون مفارقة تاريخية مؤلمة، ذلك أن اسم دونالد رامسفيلد ذاته، وليس أي شخص آخرسواه، يرتبط بمذبحة  (حلبجة) وبتزويد نظام صدام بأسلحة الدمار الشامل خلال الحرب العراقية الإيرانية!

ولمزيد من الإيضاح، فإن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان محت في العام 1982 اسم العراق من لائحة الدول الراعية للإرهاب، وفتحت بذلك الباب أمام التعاون الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد ضد إيران، وبناءً على نصيحة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السي. آي. إيه حينذاك صدر قرار بتزويد نظام صدام بالمعلومات العسكرية عن إيران، وتقديم الاستشارات التخطيطية، وتزويده بالسلاح، وضمان عدم نقص الذخائر.. وفي  هذا الإطار ابتعث الرئيس ريغان مندوبه دونالد رامسفيلد إياه يوم 19كانون أول( ديسمبر) من العام 1983 إلى بغداد في مهمة خاصة تستهدف دعم التعاون العسكري السري بين الولايات المتحدة والعراق، وكرر رامسفيلد الزيارة في 24آذار( مارس) من العام 1984، وفي ذينك العامين استخدم صدام الأسلحة الكيماوية ضد القوات الإيرانية، التي عدّها الأمريكان تفوقاً تكتيكياً ضرورياً للعراق على إيران، ويكشف الصحافي بوب وودوارد في صحيفة واشنطن بوست (15 ديسمبر من العام 1986) أن السي. آي. إيه هي التي أعانت نظام صدام على تصنيع غاز الخردل!

وتآمر صدام حسين على الشيعة في العراق.. قبل حربه مع إيران.. وأثناء الحرب.. وأثناء الانتفاضة الشعبية بعد حرب عام 1991.

موقفه من الشيعة جزء منه انتهازي.. فقد نال به ثناء دول  الخليج.. وأحياناً بعض الإسلاميين الذين اعتبروه حارس البوابة الشرقية للوطن العربي.. وثناء أمريكا التي كانت تعادي إيران وتعتبرها العدو الأول لها ولإسرائيل.

وباختصار فلم يبق لصدام حسين إلا الشريحة السنية في وسط العراق.. وأقاربه في تكريت.. وأزلامه في حزب البعث.. وهؤلاء جميعاً طلاب زعامات.. ورجال بلا قلب.. يمكن اعتبارهم مجرمي حرب في العرف الإسلامي والقانوني.

وحزب البعث حزب شكّله ميشيل عفلق وصلاح البيطار، استمدا فلسفته من الفلسفة الغربية الفرنسية العلمانية،، وكل من يقرأ مبادئ البعث كما كتبها مؤسسه ميشيل عفلق في كتابه( في سبيل البعث).. يدرك أنها فلسفة تعادي الإسلام والقيم التي نشأت عليها وآمنت بها شعوبنا المسلمة..

ولا نتصور أن المسافة ستكون كبيرة بين البعث برئاسة صدام حسين.. والبعث الذي سيتعاون مع الاحتلال.. فتاريخه منذ أكثر من خمسين سنة توصلنا لمثل هذه النتيجة. ولقد صرح وزير الدفاع البريطاني لصحيفة الأوبزرفر في (13) أبريل 2003م أن أعضاء حزب البعث سيسمح لهم بالمشاركة في إعادة بناء البلاد..!!

نتائج الحرب

1- كان واضحاً أن حرب أمريكا على العراق ستنتهي بانتهاء النظام العراقي.. فالخلل في ميزان القوى، والفرق بين سلاح أكل عليه الدهر وشرب في العراق، وبين أقوى ترسانة أسلحة وأكثرها تطوراً وفتكاً في امريكا.. كبيرٌ للغاية وسيحسم النتيجة لصالح أمريكا..

كان المتعاطفون مع الشعب العراقي.. أو لنقل الناقمون على أمريكا نتيجة عدوانها.. يتمنون أن تطول الحرب قليلاً وأن يسقط عدد آخر من قوات الاحتلال الأمريكي لا أكثر.

2- ولكن لم يكن من المتوقع أبداً.. أن يحدث هذا الانهيار السريع في قمة القيادة في بغداد.. إن الطريقة التي سُلّمت بها مفاتيح بغداد شكلت فضيحة لكل التحليلات الاستراتيجية التي صدرت عن الجانب العربي، والتي لم تبرز فقط هشاشة بنية النظام وهزال قدراته العسكرية، بل كشفت ضعف شعور رأس النظام بأي مسؤولية تجاه مستقبل البلد الذي حكمه لمدة ثلاثة عقود، فكان زجه في المعارك مثل إخراجه منها محكوماً بالبحث عن سلامة القائد حتى لو كانت سلامة موهومة.

وهذا المنطق للأسف الشديد.. هو منطق جميع الحكومات الثورية التي ابتليت بها أمتنا..فبعد نكسة عام 1967.. أعلن جمال عبد الناصر قائد ثورة يوليو في مصر أن إسرائيل لم تنتصر.. فالثورة العظيمة والقائد العظيم ما زالا موجودين.وبنفس الطريقة صرّح إبراهيم ماخوس وزير خارجية سوريا أثناء حرب عام 1967، وعلى نفس المنوال مشى صدام حسين في جميع معاركه، حتى  وصل إلى أم المعارك.. ثم إلى أم الهزائم.

يوم فتح السلطان محمد الفاتح استانبول عرض الأمان على إمبراطور القسطنطينية  فأبى..  وقال لابد للقائد من أن يدافع عن بلده ويموت مع شعبه..

جميع هؤلاء الثوريين الذين ابتليت بهم بلادنا..لم يعرفوا إلا الهزائم.. فهم أقل  شأناً من أن تصفهم شعوبهم يوماً بأنهم دافعوا عن البلاد..!!

3- المعارضة العراقية.. متعددة التيارات.. من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. قوى إسلامية.. وشيعية وهي الأوسع وجوداً على الساحة حالياً.. والتيار الوطني الذي يهمه إقامة حكم ديموقراطي مستقل في العراق ينعم شعبه بخيراته، ويحسن علاقاته مع جميع جيرانه، ويستثمر ثروات بلاده في التعليم والصحة  والرفاه..

وتيارات أخرى أوجدها الإنكليز والأمريكان.. أنفقوا عليها.. وحملوها معهم كجزء من مستلزمات الحملة لاحتلال العراق..

هؤلاء كما رصدتهم جريدة الحياة(حسن منيمنة 13/4/2003):

    * الاتجاه الأول أولوياته هي استقرار الترتيب السياسي الملائم للولايات المتحدة في المنطقة، والمحافظة بالتالي على الحلفاء واسترضاؤهم. وأفق هذا الاتجاه هو المدى المتوسط، لإدراك أصحابه أن العديد من هؤلاء الحلفاء يعيش أزمات ويواجه تحديات داخلية مختلفة، والثقة في تمكنهم من تجاوز محنهم على المدى الطويل ضئيلة.

    * ما أولوية الاتجاه الثاني فضمان المصلحة الاقتصادية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتحديداً تثبيت أسعار النفط أو دفعها إلى التراجع، وربما أيضاً الاستفادة من إعادة إعمار العراق لصالح القطاع الخاص الأمريكي. وأفق هذا الاتجاه هو المدى القصير، لارتباطه على الغالب باعتبارات داخلية اقتصادية وانتخابية أمريكية.

    * أما الاتجاه الثالث فأولويته تبديد خطر الإرهاب بأسلحة الدمار الشامل، عبر إزالتها أو على الأقل تدجين أصحابها . وأفقه مرتبط بالنجاحات التي قد تتحقق في تفتيت الشبكات المعادية.

    * ويبقى الاتجاه الرابع وهو عقائدي الطابع، والساعي إلى إعادة ترتيب المنظومة السياسية والاقتصادية العالمية بما ينسجم ومصالح واشنطن. وأفقه هو المدى البعيد، بل حديث أصحابه هو، عن(القرن) الأمريكي الجديد.

    * هذه التشكيلة.. يضاف إليها فلول البعثيين الذين هم أزلام كل سلطة.

أما الإسلاميون فلهم دور كبير

بشرط الابتعاد عن الطائفية.. فمازال  السنة يتحدثون عن الشيعة كطابور خامس لإيران.. ومازال الشيعة ينظرون للسنة باعتبارهم كانوا أدوات النظام الاستبدادي.. والتيار الديني هو تيار توحيد العراق: بإمكانه توحيد السنة والشيعة والأكراد والتركمان وجميع الملل والنحل في العراق. عليهم أن يستفيدوا من تجارب الماضي وينطلقوا بروح جديدة توحد ولا تفرق، تقوي ولا تضعف.. تبدأ من نقطة الوفاق ثم توسعه.

لاشيء سيحرر البلد من تركة النظام ومآسيه والصفحات السود، سوى أن يتعلم قادة المعارضة في الخارج والداخل دروس الإنقاذ، لأن الامتحان كبير. وكلهم يسمع صرخات استغاثة في بغداد التي استبيحت ليلاً ونهاراً بغزو آخر، جعل بعض الذين خالوا أن النصر اكتمل على نظام صدام يذكرون له (مأثرة) حفظ أمن الشارع وممتلكات المواطنين الأبرياء!

حتى في حضور الجنرال تومي فرانكس و(الحاكم المؤقت) الصهيوني جاي غارنر، يمكن لقادة المعارضة أن يختاروا تعلم الدرس، لإنقاذ البلد من مشاريع الإدارات العشائرية التي ستزرع بذور حروب صغيرة بلا نهاية. فإيقاظ الروح القبلية العشائرية لا يمكن إلا أن يغذي الرغبة في تقويض أسس الدولة الموحدة،لتنكفئ الطوائف والقوميات على ذاتها. أكثر من ذلك، لن يكون للمعارضة خلاص من نار تفكيك البلد وتشرذمه، إذا تمسكت بأصوات الأشخاص- الرموز- في معركة البقاء، وتصارعت على المقاعد والمناصب لتنتهي مستنجدة بالأمريكي كقوة(ردع) وحيدة بين الفصائل والأحزاب، والطوائف والمذاهب العشائرية، و(الأقليات).

    * الأقلية الوحيدة في العراق اليوم هي العراق الوطن، فالأمريكي انتصر بالقوة، والمعارضة ما زالت مشروع انتصار وستبقى كذلك،إلى أن تتمكن من استعجال رحيل الأجنبي، وهزيمة الغرائز والمصالح الذاتية، والثارات المتراكمة. لن تربح في كركوك ولا بغداد ولا الناصرية، إلا إذا أنقذت وحدة العراق وأعادته إلى شعبه.في هذه الحال فقط لن يؤرخ 9 نيسان(أبريل) لبداية فصل جديد من الكوارث(زهير قصيباتي(الحياة 13\4\2003 )).

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 27, 2013 in خواطر حول العالم

 

عالم النباغية

 (2) عالم النباغية – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من موريتانيا

حديث النباغة لم ينته بعد!

وكيف ينتهي هنا.. وهو موصول بالفؤاد.. وحسب المفتون بحب المعرفة أن يرى عجبا في زمن انقضت فيه الأعاجيب.

الرجل متوسط القامة، نحيف الجسم، حاد قسمات الوجه، العيون تنطق والنظرات تعبر والأنف يشهد لك أو عليك .. الشعر أشيب، والملابس بسيطة علق بها الغبار الذي طال ثورانه فما ترك مكانا لم يعلق به، والرجل في حدود الخمسين وقد نضج علما ووعيا وحكمة.

تحلقنا حوله.. نريد أن نسأله.. وهل يجوز الصمت بعد أن قطعنا مئات الأميال في هذا الطريق الصحرواي الذي كنا نموج على طريقه كما تموج السفينة في لجة البحر المحيط..؟

يتصور المحب أن الصمت بليغ.. وشتان بين بلاغة الصمت وفضيلة الكلام عندما نطق به هذا العالم المتواضع.

سألته: وكيف ترى دور العلماء في هذا الزمن الذي اختلت فيه الموازين وأمر فيه بالمنكر ونهي فيه عن المعروف؟

وأجاب.. للعلماء دور وللآخرين دور، وكل إنسان يعرف أمرا فهو عالم فيه.. فهل إذا رأيت إنسانا يشرب الخمر.. تقول لا أستطيع أن أنهاه لأني لست عالما؟ أنت تعرف حكم شارب الخمر فأنت إذن عالم في هذه المسألة.. وواجبك أن تتصرف فيما تعلم.. صحيح أن العالم يجب أن يتقدم الركب وأن لا يبقى في ذيل القافلة.. وعليه أن يؤدي ضريبة علمه حتى لا يتحول إلى مجرد إنسان يحمل أسفارا.. ولكننا في كل الأحوال لن ننتظر .. فالأوضاع ساءت ولم تعد تحتمل الانتظار.. (وكلكم راع وكلكم  مسؤول عن رعيته).. كل في حدود علمه وكل في حدود قدرته.

وكيف تنظرون لهذه الدعوات التي ترفع شعار القومية العربية.. وجميع روادها                                                           –

من غير المسلمين..؟

وأجاب.. كل دعوة قومية أو عربية لا تتخذ الإسلام مبدءاً ومنهجاً وهدفاً فهي جاهلية وصفها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنها منتنة.. هذا من ناحية المبدأ.. أما في التطبيق فإن أمتنا لم تنكب إلا يوم تعالت الصيحات الجاهلية القومية.. رفعها المستعمر في بلادنا ليفرق العربي عن أخيه البربري، ورفعها المستعمر ليفرق المسلم التركي عن المسلم العربي، ورفعها العربي نفسه ليفرق بين القطر والقطر.. هي الجاهلية المنتنة فاحذروها.

وماذا تقولون في التصوف..؟

التصوف له وعليه.. فالتصوف الذي يوافق الكتاب والسنة، ويكون همه تزكية النفس واستقامة الأخلاق وصيانة القلب من الأمراض.. فهو من التصوف الذي لا غبار عليه.. بل هو مطلوب وبخاصة للدعاة.. أما إذا سار التصوف في طريق آخر.. وجاء بأمور لا يقرها كتاب الله أو سنة رسوله، فهذا من المنزلقات التي على الدعاة أن يتجنبوها.

وسألته عن دعوة الإخوان وعن الشيخ حسن البنا.. وتعجب مني أن أسأل مريداً عن شيخه!!

ودعت الرجل العالم الذي حبس نفسه في هذه البقعة النائية البعيدة ليشرف على جامعة النباغية حيث يعيش مع طلاب جاءوا من مختلف أنحاء أفريقيا ليدرسوا على يديه القرآن والتفسير والفقه والحديث.. والدعوة.

هذا بقية من سلف هذه الأمة المعطاء… حبس نفسه على تربية الأبناء.. ليقوموا بدورهم في قيادة الأمة وتوجيهها.

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ..) (التوبة- 122).

لاس بالماس – جزر الكناري 4/2/1984م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 22, 2013 in خواطر حول العالم

 

حديث المحظرة عند حاجز المعرفة

 (1) حديث المحظرة عند حاجز المعرفة – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من موريتانيا

كيف يمكن الجمع بين الحقيقة والخيال..؟

وهل الخيال إلا بعض درجات الحقيقة.. فالقضية نسبية وشخصية في كثير من الأحيان. فإذا حدثك أحدهم قبل عصور من الزمان أن بناية شاهقة تتسع لعدة مئات من البشر، أحب سكانها أن يقوموا بنزهة في الفضاء فقامت البناية من مكانها وحلّقت فوق الغيوم وحملت كل ما يحتاجه قاطنوها من طعام وشراب وأمتعة.. هل كنت مصدقه..؟ فإذا طرحت هذه القضية اليوم على طفل في السابعة من عمره.. أجابك: قديمة!… إنها الطائرة.

كثير من منجزات اليوم.. كانت غرائب بل خيالات بالأمس.

وكثير من منجزات الغد.. قد تكون من الغرائب أو الخيال اليوم.

وهكذا الحياة.. قفزة بعد قفزة لا تنتظر أحدا.. ففي شرعتها أن الانتظار ممل بل لا يليق بغير الكسالى.

هذا حديث الأمس واليوم والغد.

ولكن الأغرب من ذلك أن تعيش اليوم في مكانين لا تفصل بينهما غير ساعات من الزمان تنتقل بينهما من الحقيقة إلى الخيال.. في مكان واحد وعلى سطح واحد.. وتسأل نفسك بين الفينة والأخرى لتتأكد من أنك في تمام عقلك ووعيك… وأنك في يقظة كاملة.. وأن الخيال الذي ترى إنما هو واقع لا ريب فيه…!

تسع سنوات عجاف.. استمر شعبنا خلالها ينظر باستمرار إلى أعلى… إلى السماء ينتظر المطر… حتى تحوّلت السماء التي كانت تهب الخير والعطاء، إلى قطعة معدن زرقاء تحليها في الليل قطع بيضاء.. وطال الانتظار حتى نسينا المطر.. بل إن أطفالنا لم يعرفوه..!

هل ترى هذه الجبال من الرمال التي تزحف كالأفعى؟ إنها تقتل كل شيء.. هذه الأشجار العجفاء اليابسة.. كانت قبلا باسقة مترعة.. الأرض التي لا تكاد تستقر كانت خضراء جميلة.. تتقلب بين جنباتها قطعان الماشية.. الغنم والماعز .. بل وتتيه الخيول والجمال في مشيتها كأنها تعلن فرحتها المطلقة في هذه الأرض المعطاء..

هل ترى تلك الفتاة التي تاهت نظراتها.. وقد غطى خمارها معظم وجهها.. لقد تحجّرت ابتسامتها وغاض ماء الحياة من وجنتها.. بل وكادت تنسى وعد حبيبها أن يحضر لها المهر عندما يمتلئ الضرع وتمرع الحياة، كادت تنسى من طول الانتظار..!

هذا الرجل الأشيب.. الذي تلتقط أصابع رجله قطعة صغيرة هي بعض حذاء.. أسماله وخماره ونظراته كلها صورة زيتية رسمها فنان متشائم للتعبير عن الانتظار.. والانتظار الطويل..!

حتى الطريق المعبد تقف على رأسه الجرافات لتعيده من فم التنين بعد أن تغمره الرمال.

جميع الخواطر.. والقراءات.. والخيالات.. ازدحمت في رأسي وأنا أعبر هذه التجربة.. تجربة اجتياز الحاجز حيث تتعانق الحقيقة والخيال.

مرت في خاطري ذكريات (ليوبولد فايس) الذي سمى نفسه محمد أسد، عندما كان يجتاز صحراء الربع الخالي في جزيرة العرب.. وصور جبال الرمال كيف تنتقل من مكان إلى مكان تنشئ واديا وتحدث جبلا وتنسف موقعا.. إذا حولت نظرك من مكان إلى مكان تغير الذي كان..!

ومرت في خاطري في الزمن الأقدم كيف عاشت أمة العرب في مثل هذه الفيافي الملس.. كان أحدهم إذا رأى قطعة من حجر مسحها ونظفها ونظم فيها قصيدة.. أو رأى شجرة عجفاء نصف يابسة تصورها منظرا أخاذا يصلح لموعد غرام يحلو فيه الحديث وتتوه فيه النظرات.. وإذا رأى خمارا ساترا لوجه لم يره تصور قمره بدرا فأخذت قصائد الغزل تخلد ليلى وديارها.

ومرت في خاطري الحكمة التي تولّدها الشدة فكانت حكمة زهير بن أبي سلمى.. والإباء والفروسية والكرم التي تولد مع امتداد الأفق ونفوذ الشمس وقوة الرمال التي تصل الأفق بالأفق فتسده.. وتحجب ما بين الأرض والسماء فتظلمه.. فكان حاتم الطائي وعنترة بن شداد وكانت مكارم الأخلاق على امتداد الساحة.. القفراء القاسية.

بل ومرت في خاطري الحكمة المطلقة.. الوحي.. يتدفق من العناية الربانية إلى موسى عليه السلام من جانب الطور الأيمن في صحراء سيناء.. وإلى الأمين محمد صلى الله عليه وسلم من جانب الغار الأنور الأعلى في صحراء العرب.

خواطر كثيرة تتزاحم.. عندما قطعها مرافقي وسأل.. كيف ترى؟.. لقد اقتربنا من الهدف..

كنا في طريقنا إلى (النباغية) إحدى أشهر (المحاظر) في بلاد شنقيط التي أطلقوا عليها موريتانيا في العهد الجديد. وبلاد شنقيط أو موريتانيا هي المنطقة الممتدة من بلاد المغرب إلي بلاد السنغال، فجمع شعبها بين السمرة التي أخذوها من العرب.. وبين السواد الذي ورثوه عن أفريقيا.. وأحاطهم البحر المحيط الأطلسي بمياهه كالسوار.. في النقطة نفسها التي وقف عندها القائد المجاهد عقبة بن نافع رضي الله عنه وقال قولته المشهورة: (والله يا رب لولا هذا البحر لمضيت مجاهدا في سبيلك).

امتاز أهل شنقيط عبر التاريخ بشدة البأس، والقوة، والعلم، والحكمة.. وزادهم بأسا الإسلام الذي وفد إلى بلادهم فاتحا وهاديا في النصف الثاني من القرن الأول الهجري. عندما فتح المسلمون هذه البلاد، كان سكانها البربر شديدي المراس.. كلما فتحت بلادهم مرة انقلبوا على الفاتح وأعلنوا تمردهم.. حتى إذا دخل الإسلام قلوبهم.. صاروا الجند الأكثر إخلاصا للإسلام.. في بلادهم قامت دولة المرابطين.. ودولة الموحدين.. وكلتا الدولتين حاولتا نجدة المسلمين في الأندلس فأنقذتاهم المرة بعد المرة قبل أن يقعوا نهائيا في أيدي الأسبان.

والمحاظر جمع (محظرة) جامعة مصغرة يفد إليها طلاب العلم من جميع أنحاء موريتانيا ومن خارجها في بعض الأحيان، فهم لا يعترفون بهذه الحدود، فعدوى الجاهلية لم تصلهم بعد.. وعلى بابها يلقون رحالهم.. يدخلونها أبناء عشر ويخرجون منها وهم أبناء عشرين أو ثلاثين يحفظون القرآن ويدرسون علومه.. والحديث والفقه على مذهب الإمام مالك والنحو والصرف والشعر والنثر ولا يتركون بابا من أبواب المعرفة إلا ويتقنوه. يعيش الطالب بين زملائه وأساتذته حياة إسلامية بسيطة، يقرأ ويكتب وينام ويأكل ويلبس، وليس في جيبه أحمر ولا أصفر، فقد أممت محاظر موريتانيا العلم ووفرته للجميع تأميما أورث العلم والفضل، وليس كتأميم الزعماء لم يورث سوى افقر والجهل والمرض.

وإذا كانت أوضاع المحاظر، صفوفها وأساتذتها وطلابها، في حال من الفقر والضيق المادي لا مثيل له، إلا أنه فقر بالتساوي، تماما مثل فعل الأشعريين.. جمعوا ما لديهم في إناء ومدت إليه جميع الأيدي.

الحديث عن المحاظر يظنه السامع أو القارئ حديث خرافة أو طرفة.. وما درى هذا أنه حديث فصل وما هو بالهزل.. فمن هنا تخرج العلماء.. ومن هنا قام الشعراء ولم يبالغ من قال إن شنقيط هي بلاد المليون شاعر.. من هنا انتقل طلاب العلم ليدرّسوا في الجامعات.. بل وليتسلموا قيادة جامعات عصرية من هذه التي يكثر عددها ويقل شأنها وأثرها.

قال مرافقي: لقد أوشكنا أن نصل.

ولم ينعكس قوله على وجهي بأي أثر فقد كان يلقي عليّ عبارته تلك كلما أحس في وجهي الضيق من طول الطريق ووعثاء السفر.. ولكنه كان جادا هذه المرة ووصلنا بالفعل إلى (محظرة النباغة).

وهنا أدركت الزمن يختصر نفسه، يجمع أجيالا ويلغي آمادا، يبرز الماضي في حضرة الحاضر، وإذا الحقيقة والخيال أمر واحد، جمعتهما همة الرجال العظماء في قلب الصحراء، فصنعوا بدون وسائل ولا أسباب المعجزات… هذا حديث المحظرة كما رأيته عند حاجز المعرفة.

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 21, 2013 in خواطر حول العالم

 

الإسلاميون والمشاركة السياسية

(5) الإسلاميون والمشاركة السياسية   (كلمة ألقيتها في الملتقى) – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من الجزائر

عبد المجيد مناصرة

بدعوة كريمة من الأخ عبد المجيد مناصرة المسؤول السياسي في حركة مجتمع السلم في الجزائر للمشاركة في ندوة سياسية حول (الإسلاميون والمشاركة السياسية). كان لابد لي من الاستجابة لدعوته لأسباب، بعضها عاطفي للعلاقة الحميمة التي ربطتني مبكراً مع هؤلاء الشبان الذين أصبحوا قادة وعلى رأسهم شيخهم محفوظ نحناح، وبعضها شخصي فقد كنت من أوائل من كتب في موضوع المشاركة في كتابي الفكر الحركي بين الأصالة والانحراف وقد وقف الإسلاميون يومها في أغلبهم موقفاً سلبياً تجاه أفكار الكتاب بل واعتبروها نوعاً من الهرطقة.. واعتبرت الأمر طبيعياً.. فصبرت.. وكتبت كتاباً آخر حول الموضوع ذاته وبجرأة أكبر.. هو كتاب التحديات السياسية التي تواجه الحركات الإسلامية.. في هذه المرة تأكدت أن الكاتب إذا صبر على فكره فلابد من أن يفهمه الناس ولو بعد حين. فقد قدر البعض  أفكار الكتاب واعتبروها دراسة سياسية مهمة.. ونشروها على حلقات في مجلة الدعوة التي يصدرها الإخوان المسلمون في مصر.. وأعيدت طباعة الكتاب في الجزائر.

اشتراك الإسلاميين في الحكم، ودخول بعض شخصياتهم الوزارة، والمصالحات التي عقدوها مع بعض الأنظمة، والأحلاف التي أقاموها مع بعض القوى السياسية، أمور أثارت في السنوات الأخيرة كثيرا من المناقشات والاعتراضات في داخل الحركة الإسلامية وخارجها.

وإذا كانت قوة الهيمنة الخارجية تنظر للأمر بشيء من الاستغراب والتشكيك، فإن الآراء داخل الحركة متباينة في هذه القضية تتراوح بين القبول والرفض ولقد غالى بعضهم في رفضه إلى درجة تكفير كل من يقترب من هذه الشجرة المحرمة.

إن دراسة هذه الظاهرة ومناقشتها أمر ضروري يفرضه الواقع المتشابك والآراء المتباينة والحرص على المصلحة.. وفي كثير من الأحيان تتفاقم المشكلة عندما يسكت عنها أصحابها.

في النقاش النظري حول هذه القضية، يقول البعض أن الأصل في المشاركة هو الحرمة، وبعضهم يقول أن الأصل هو الحِلّ.. وأنا لا أرى موجباً لهذه الخلافات.. ففي كل المواقف التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل كان قوله: (سهل إن شاء الله).

في المدينة المنورة بُعيد الهجرة بأيام أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم وثيقة دستورية بين المسلمين واليهود وبقايا الشرك في المدينة. اعترفت هذه الوثيقة بأن جميع سكان المدينة مواطنون.. يتعاونون ويتناصرون.. وعندما ذُكر حلف الفضول أمام النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت).. على الرغم من أنه حلف صاغته قريش لمصالحها وامتيازاتها.. ومن أجل الجانب الإنساني الذي فيه.. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو دُعي إليه في الإسلام لأجاب.

ولقد شهدت السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً في تقدم التيار الإسلامي في كل الانتخابات التي خاضها هذا التيار سواء كانت انتخابات طلابية أو نقابية أو بلدية أو برلمانية.. ويرجع بعضهم هذا التحول الشعبي نحو الإسلاميين إلى سببين رئيسين:

الأول داخلي نتيجة فشل الأنظمة والأحزاب القومية والعلمانية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية وانحدار مفاهيم حقوق الإنسان والحريات.

والسبب الثاني خارجي نتيجة تزايد الهجمة العلمانية والأمريكية والصهيونية ومحاولة إذلال الأمة واستباحتها.. واستسلام الحكام لهذه الهجمة.. فلا تجد الشعوب الممانعة إلا عند الإسلاميين.

من التاريخ القريب..

ففي مصر مركز الحركة الإسلامية المعاصرة.. لم يدخل الإخوان المسلمون السلطة في يوم من الأيام.. وإن كانت علاقاتهم بالسلطة منطقية: لا يعادون ابتداء، ولا يكفرون حاكما، ولا يستعدون نظاما، ولا يطلبون صراعا.. ولقد تعاون حسن البنا (رحمه الله)مع شخصيات دينية وسياسية متباينة في هيئة وادي النيل العليا لإنقاذ فلسطين. وفي النضال الوطني ضد الاحتلال البريطاني لمصر.

وتفاهم الإمام البنا مع حكومة صدقي.. وكتبوا بينهم صيغة تفاهم علني، مؤداها أن يدعم الإخوان الحكومة مقابل موقف قوي منها ضد الإنكليز الذين كانوا يحتلون قناة السويس. وربط الإمام البنا استمرار التعاون بهذا الشرط.. فلما أخلت حكومة صدقي به، أعلن الإمام البنا وقف دعم الإخوان للحكومة باعتبارها أخلت بالحد الأدنى للشروط المتفق عليها.

وكذلك فعل خليفته الإمام الهضيبي عندما أبرم تفاهما مع رجال الثورة عام 1952م، أما المرشد التلمساني ومن جاء بعده.. فقد عقدوا اتفاقا مع حزب الوفد العلماني مرة عام (1984م)، ومع حزب العمل والأحرار مرة أخرى عام (1987م).

ولقد استطاع الإخوان في مصر في كل هذه المشاركات مع الأحزاب أو مع الحكومات أن يطوروا مواقفهم السياسية.. وهم اليوم – بالرغم من الاضطهاد الذي يعانونه- الرقم الأصعب في ساحة العمل السياسي المصري.. ولو أعطاهم النظام (5%) من الحرية أكثر مما أعطاهم… لحصلوا على نصف أعضاء البرلمان على الأقل.

أما في سوريا فقد كان الوضع مختلفا.. فعندما دخل الدكتور مصطفى السباعي مؤسس الحركة (رحمه الله) البرلمان شكل الكتلة الاشتراكية الإسلامية وتعاون مع الأحزاب الأخرى لإقرار الدستور السوري الذي اعتُبِر نصرا كبيرا للمسلمين، فقد نصت مادته الأولى أن الإسلام هو دين الدولة والمصدر الرئيسي للتشريع… وعندما أصبح الاستاذ عصام العطار مراقبا عاما للإخوان المسلمين في سوريا شكل في البرلمان الكتلة الإسلامية التي شاركت في أوائل الستينات الأحزاب الأخرى اليمينية واليسارية في تشكيل الوزارة وكان للإخوان فيها ثلاث وزارات.. وفي فترة لاحقة شارك فريق من الإخوان في سوريا في التحالف الوطني مع أحزاب علمانية كانت تحاربها من قبل.

لقد كانت مواقف الحركة سلمية.. تقوم على مشاركة الآخرين في العملية السياسية وتشكيل الحكومات المتعاقبة.. وصياغة المواقف والسياسات الوطنية.

وفي عام 1955 قاطعت الحركة الإسلامية الانتخابات البرلمانية.. بحجة أنها تريد أن تعكف على التربية.. فسقطت الحركة سياسياً.. وظهرت الأحزاب السياسية الهزيلة مثل حزب البعث.. وقامت حكومة الوحدة الوطنية التي صنعت مع جمال عبد الناصر الوحدة.. ودخل الإخوان في نفق مظلم، وصعدت على حسابهم الأحزاب الأخرى. وارتكب الإخوان في سوريا خطأ سياسياً آخر.. يوم تصوروا أنهم يستطيعون إسقاط النظام بقوة السلاح.

فلا المقاطعة والانعزال من سلوك الحركة الجادة.. ولا إسقاط النظام بقوة السلاح من أخلاقيات الحركة.

وقد كان لاشتراك الإخوان في سوريا في الوزارة عام 1961م رد فعل عنيف في أوساط الحركة الإسلامية في العراق.. واستمر هذا النوع من التفكير حتى اشترك الإخوان المسلمون في العراق في شخص الدكتور عبدالكريم زيدان المراقب العام للإخوان في حكومة السيد عبد الرزاق النايف العسكرية.

أما في الأردن فقد واجه الإخوان اشتراك الدكتور اسحق الفرحان بالوزارة في أواخر الستينات بالاستنكار.. فقد كان الدكتور الفرحان مسؤولاً عن معسكر (الشيوخ) الذي أقامه الإخوان عام 1968 لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.. وعندما تشكلت حكومة برئاسة وصفي التل وبدأت بتصفية العمل الفدائي.. شارك الدكتور الفرحان في هذه الوزارة واضطرت الحركة إلى فصله لقبوله المشاركة في الوزارة دون الرجوع للإخوان.. وفي وقت لاحق في أوائل التسعينات شارك الإخوان في الأردن في الوزارة بعدة وزراء.. وشكلوا حزب العمل الإسلامي الذي يعتبر صاحب أكبر كتلة نيابية في البرلمان الأردني (وهو عبارة عن تجمع يضم شرائح إسلامية متعددة).

وفي الوقت الذي استنكر بعض مفكري الإخوان الأردنيين على من شارك بالسلطة موقفهم، فإن أكثريتهم كانت ترى الأمر مفيداً.

أما في السودان.. فالأمر مختلف.. فقد دخل الاتجاه الإسلامي بقيادة الدكتور حسن الترابي في مصالحة مع النظام العسكري بقيادة جعفر النميري، واحتل قادة هذا الاتجاه مراكز هامة في حزب الاتحاد الاشتراكي السوداني، وشاركوا في عدد من الوزارات، وعلى الرغم من عدم قبول البعض لمثل هذا التفكير إلا إن غالبية شباب الاتجاه الإسلامي لم يروا في ذلك بأسا. في أواخر الثمانينات قامت الجبهة القومية بزعامة الترابي بانقلاب عسكري بقيادة الفريق عمر البشير استلمت على أثره السلطة.. لم يكن الإخوان في السودان بحاجة إلى هذا الانقلاب.. فقد كانوا يحتلون نسبة عالية من المقاعد البرلمانية (وخاصة في دوائر الخريجين). وانقسمت الحركة بعد ذلك.. فانفرد البشير بالسلطة.. وأعلن الترابي ردة المجموعة الحاكمة.

ولقد نظّر الدكتور الترابي للإنقلاب.. كما نظّر من قبل للديمقراطية.. إن الانقلاب العسكري والثورة الشعبية  وكل تغيير يتم بالقوة.. هو خارج نظرة الحركة الإسلامية للتغيير.

وفي اليمن شاركت الحركة الإسلامية في السلطة، وتحالفت مع حزب المؤتمر الشعبي وخاضوا معاً حرباً ضد التيارات الانفصالية. حاربوا الحزب الاشتراكي عندما هاجم الشيوعيون اليمن الشمالي في محاولة لاحتلال منطقة تعز.. وحاربوا مرة ثانية شيوعيي عدن عندما قرروا الانفصال. وكان للإخوان في اليمن دور رئيس في استعادة بلادهم من فم التنين الأحمر.. وهذا القتال الذي شارك فيه الإخوان الحكومة من أجل حرية البلد، غير القتال من أجل إسقاط السلطة.. أو التآمر لصنع الانقلاب.

وفي الجزائر.. مثلٌ بارزٌ لمثل هذه التحالفات والمشاركة في العديد من الحكومات ومع أحزاب أخرى.. عندما طرح الشيخ محفوظ نحناح (رحمه الله) مبدأ المشاركة كخط سياسي أو استراتيجية سياسية للحركة الإسلامية قوبلت من لدن الكثير من الأوساط السياسية الإسلامية بنوع من الاستغراب والاستهجان فالصوت الطاغي آنذاك كان صوت المغالبة وبالتالي لا مجال ولا مكان لأي صوت أو لأي منهج إلا المغالبة.

في المقابل فإن تيار الأقلية الاستئصالية العلمانية المتغربة المتنفذة في دواليب السلطة لم يرقها أيضاً طرح المشاركة فهي التي كانت مستفردة بزمام الحكم وبأدوات التأثير والتوجيه فارضة آراءها بمنطق التحكم والإكراه فكيف يمكن لها أن تقبل اليوم بطرح سياسي جديد تحت اسم (المشاركة) لاسيما وهو يأتي من تيار الحركة الإسلامية، وهي التي كانت ترى وتعمل على أن يبقي مكانه الملاحقة المستمرة والرمي به في أقبية السجون، وفي أحسن الأحوال إلقاء المواعظ والإشراف على الطقوس الدينية الموسمية، ولا تقبل بأي حال من الأحوال بأية مشاركة أو عمل تراه بمثابة منازعة حقيقية لنفوذها ومصالحها.

ضمن هذه المفارقة المتعارضة جاء تأسيس الشيخ محفوظ نحناح (رحمه الله) لحركة المجتمع الإسلامي – حركة مجتمع السلم حالياً- وتبنيها لخيار أو استراتيجية المشاركة كمنهج فكري وخط سياسي تبنت المنهج السلمي والعمل السياسي العلني واعتمدت الوسطية والاعتدال وأسلوب الحوار والتعايش والتسامح، والتوافق والتعاون لمعالجة الأزمة وبناء الوطن بمشاركة وتضافر جميع جهود أبنائه، فكانت بمثابة قيم سياسية انبثقت وانسجمت وتكاملت مع نهج المشاركة الذي بقدر شدة إبهار طلعته بقدر وضوح الرؤية التي توافرت عند طرحه في الساحة السياسية.

فالشيخ محفوظ نحناح (رحمه الله) عندما طرح هذا المفهوم (المشاركة) وحاول أن يجعل منها تجربة سياسية جديدة يكون لها ما بعدها لم يطرحها في قالب من الفوضى والضبابية، ولم يطرحها ليسلمها إلى التخبط والأمزجة والأهواء السياسية لتصنع منها ما تريد وتركب من خلالها ما شاءت من أمواج أو تتحين ما رغبت من فرص.

بل طرحها وحدد محتواها نظرياً وعملياً ووضح منطلقاتها ومساراتها وبين أسبابها ومسوغاتها وأشار إلى نتائجها وآثارها(الشيخ محفوظ نحناح واستراتيجية المشاركة- عثمان نجاري (مارس 2007م)).

في تركيا شكّل حزب السلامة الوطني ائتلافا حكوميا مع حزب الشعب اليساري مرة ومع تكتل الأحزاب اليمينية مرة ثانية (خلال الفترة 1972- 1979م) واستطاع أن يحقق في المرتين مكاسب كبيرة في خدمة الإسلام والمسلمين في تركيا.

ولقد فاز حزب الرفاه الذي هو نسخة معدلة من حزب السلامة بأغلبية الأصوات وأصبح الحزب الأول في تركيا في انتخابات ديسمبر 1995م.. مما حمل رئيس الدولة على تكليف زعيمه البروفسور نجم الدين أربكان بتشكيل الوزارة، وشكلها بالاتفاق مع حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر.

وننصح بدراسة هذه التجربة التي قادها أربكان، واستمرت سنة واحدة فقط، ثم أجهضها الجيش وأمريكا، والتي كان عنوانها: المجموعة الاقتصادية الثمانية الإسلامية، وتحسين الاقتصاد بدون قروض أو ضرائب، والتعاون مع القوى الإسلامية في العالم.

في باكستان قبل أمير الجماعة الإسلامية ومؤسسها الامام أبو الأعلى المودودي (رحمه الله) الدخول في تحالف سياسي مع مجموعة من الأحزاب    اليمينية واليسارية، من أجل اسقاط الحاكم الظالم.. كما أن الجماعة الإسلامية شاركت بعدد من الوزراء في أول حكومة أعقبت انقلاب ضياء الحق.. وكانت علاقتهم مع رئيس البلاد جيدة وبين الفريقين صلة.

وفي ماليزيا فاجأ الأخ أنور إبراهيم زعيم حركة الشباب المسلم (ABIM) الأمة باستقالته وخاض الانتخابات باسم الحزب الحاكم (أمنو) ومازالت مشاركته موضع استنكار من الأوساط الإسلامية في ماليزيا.

وفي أندونيسيا تسلمت حركة ماشومي الحكم.. وتولى رئيسها الدكتور محمد ناصر رئاسة الوزراء.. تعاونه في إدارة البلاد الأحزاب والهيئات الإسلامية، واستمر في منصبه حتى قرر سوكارنو أن ينحرف بالبلاد عن الإسلام فحدث خصام بين التيارين. وأعلنت الحركة الإسلامية الحرب على الدولة.. ودامت الحرب فترة كبيرة من الزمن.. فلا الدولة استفادت ولا الحركة الإسلامية وصلت لأي من أهدافها.. والمستفيد الأوحد من هذا الصراع المسلح هم الشيوعيون.

وفي إيران استطاع الحزب الجمهوري الإسلامي أن يسيطر وحده على الحكم وأن يقيم جمهورية إيران الإسلامية بعد أن تعاون في البداية مع الأحزاب الشيوعية والوطنية والإسلامية والليبرالية ومع حزب مجاهدي خلق وغيرهم..

وفي الكويت شارك نواب جمعية الإصلاح الاجتماعي المحسوبة على الإخوان المسلمين في الحكومة بعدد من الوزراء أوائل التسعينات. وحدث الأمر ذاته في البحرين واليمن وطاجيكستان وغيرها من البلدان.

هذه بعض تجارب الحركات الإسلامية مع الحكم.. وهي لا تخرج عن الأشكال التالية:

1-   أن يتولى الإسلاميون مسؤولية الحكم بمفردهم.

2-   الاشتراك في حكومات ائتلافية أكثرية وزرائها من العناصر اليمينية أو اليسارية العلمانية.

3- أحلاف مع أحزاب يمينية أو يسارية علمانية من أجل الوصول إلى هدف محدد، غالبا ما يكون إسقاط الحاكم الطاغية أو التغلب على موقف سياسي معين.

4-   البعد عن هذه المشاركات جميعا.. واعتبارها رجسا من عمل الشيطان.. والقرب منها كفر لايجوز لمسلم أن يقارفه.

أما أن يتولى الإسلاميون مسؤولية الحكم بمفردهم بطريقة مشروعة (كما حدث لحزب ماشومي في أندونيسيا نتيجة خوضهم معركة الاستقلال ضد هولندا، أو تسلم حماس مسؤولية الحكومة وقد فازت بالأكثرية في أول انتخابات برلمانية ديمقراطية فهذه غاية كل جماعة تريد الوصول للحكم لتحقيق أهدافها).

وأما الانكفاء على النفس.. واعتبار كل حوار أو مشاركة أو حلف مع الغير رجس مع عمل الشيطان.. فهو خروج عن روح الإسلام العملية الذي يعتبر المصلحة من مقاصده وأهدافه، وتطرف لن يؤدي إلا إلى تآكل الحركة وبعدها عن غايتها.

وأما اشتراك الحركات الإسلامية في وزارة يؤلفها أشخاص غير إسلاميين بل بعيدون في كثير من الأحيان عن الفكر أو السلوك الإسلامي.. فهذا بالأصل ضرورة تقدر بقدرها.. تحددها مصلحة العمل الإسلامي، ومصلحة المسلمين في هذا القطر أو ذاك.

فإذا كانت هناك مصلحة حقيقية.. أو أن اشتراك الإسلاميين في مثل هذه الحكومات سيعود بالنفع العميم على المسلمين أو سيمنع فسادا كبيرا وضررا مصيريا يحيق بهم أو يهدد وجودهم… فالاشتراك في هذه الحالة أولى.. ولنضرب بعض الأمثلة..

أولا- اشتراك حزب السلامة الوطني في تركيا في الحكم

تأسس حزب السلامة في تركيا في أوائل السبعينات ضمن معادلة توازن القوى.. ولم يكن الجيش -الذي يهيمن على السياسة التركية منذ عهد أتاتورك- يعتقد أن الحزب الجديد- سيتمكن من الوقوف على قدميه وسط أحزاب عملاقة قديمة متغلغلة في صفوف الجيش والشعب مثل حزبي الشعب والعدالة، المدعومة من قبل الدول الكبرى والمنظمات العالمية والامبريالية.. واستطاع حزب السلامة أن يحقق المعجزة وأن يصبح ضرورة لتشكيل الحكومة.

ودخل في ائتلاف مع حزب الشعب الجمهوري بزعامة بولنت أجاويد الذي يتبنى أساسا أيديولوجية معادية للإسلام والذي كان يُنتظر أن يكون أول المعادين للحزب الإسلامي.. لقد كان هذا التحالف أول اعتراف رسمي من حزب أتاتورك بالايديولوجية الإسلامية المتمثلة في حزب السلامة.. لقد أعاد اشتراك حزب السلامة في الوزارة الإسلام للمقدمة في السياسات التركية بعد أن عمل الغرب ومعه الأحزاب المستغربة على إبعاد الإسلام.. وقد كان اشتراك حزب السلامة مع ائتلاف اليمين فيما بعد للهدف نفسه.. ولقائل أن يعترض ويقول: ولكن ذلك لم يجد حزب السلامة نفعا فقد قام الانقلاب(في سبتمبر 1980م) وحُلّ الحزب ودخل قادته السجن.. ونستطيع أن نؤكد بكل  ثقة.. إن يوما واحدا يعترف به النظام العلماني في تركيا وعلى لسان دهاقنة حزب الشعب أو حزب العدالة بحزب السلامة يساوي الكثير.. فكيف إذا دام الاعتراف أربع سنوات بطولها.. لقد حقق حزب السلامة من خلال اشتراكه في الحكم أمورا أساسية في حياة المسلم التركي.. أعاد له ثقته بنفسه وبوجوده وبإسلامه.. وصار الشباب المسلم يفخر ويعلي رأسه بإسلامه.. وأن خمسين سنة أخرى من عهود الظلام لن  تنسي الشعب التركي المسلم تجربته مع حزب السلامة.

وأكبر دليل على ذلك هو حصول حزب الرفاه الذي هو امتداد لحزب السلامة في مارس 1994م على أهم  وأكبر البلديات في تركيا.. وعلى فوزه بانتخابات ديسمبر 1995م كأكبر حزب في البلاد.. تسلم على أثرها السلطة في ائتلاف حكومي مع حزب الطريق القويم في يونيو 1996م.

ثانيا- الوضع في أفريقيا

أفريقيا هي قارة المسلمين.. أغلب سكانها مسلمون.. وقد حاول الاستعمار الغربي عن طريق التبشير والمبشرين والمدارس والكنائس أن يصبغ معظم أهلها ويقنعهم بأنهم نصارى.

والاستعمار قبل غيره يعرف أن نسبة النصارى قليلة بالنسبة للمسلمين وأن من اعتنق من هؤلاء النصرانية اعتنقها شكلا ومصلحة قبل أن يعتنقها دينا وعقيدة.. ففي دولة ملاوي مثلا.. كان المسلمون يمثلون أكثر من 60% من عدد السكان البالغين ستة ملايين نسمة.

ولكن الحكومة المسيطرة، وعن طريق النصارى الذين يتحكمون كليا بجهاز التعليم والذين يشترطون أن يغير الطالب المسلم اسمه إلى اسم نصراني ليدخل المدرسة، استطاعوا في ظرف عشرين سنة إنقاص عدد المسلمين من 60% إلى 30% فإذا استطاع وزير مسلم أن يدخل الحكومة لينقذ الأمر ويحول دون اجتثاث المسلمين من هذه البلاد.. فلا يكون في ذلك تثريب.. بل على العكس من ذلك تـماما.. فاشتراكه في مثل هذه الحالة ضرورة تـمليها مصلحة المسلمين.. كما كان اشتراك سيدنا يوسف عليه السلام في السلطة مصلحة لصالح شعب مصر.

وخلاصة الكلام في هذا الموضوع

إن اشتراك الإسلاميين في الحكم.. ضمن شروط واضحة.. ومصالح إسلامية بينة.. وضرورة تفرضها الظروف.. واستراتيجية محددة.. من الأمور التي تـملك الحركة الإسلامية اتخاذ القرار بشأنها بدون أية غضاضة.

ونحب أن ننبه هنا إلى عدة نقاط:

1-  ينبغي أن لا يكون الحكم واستلام السلطة هدفا بذاته يتمسك به الإسلاميون على حساب المبادئ، أو على حساب الشعب، أوعلى حساب الحريات، أو على حساب أقوات الناس، أو على حساب استقلال البلاد واسترجاع الأوطان.

2-  ينبغي أن تكون مشاركة الإسلاميين في الحكم بالطرق المشروعة عن طريق تفويض الشعب لهم عن طريق الانتخابات وليس عن أي طريق آخر.

3-  ينبغي أن تسبق استلام الإسلاميين الحكم دراسات مستفيضة حقيقية يتأكدون فيها أن وجودهم في مقاعد السلطة أحسن للإسلام ولعامة المسلمين وللشعب من مقاعد المعارضة.. وإلا فالمعارضة أسلم.

4-  ينبغي التأكد من ملائمة الظروف الدولية والموضوعية لمثل هذا التطور.. حتى لا يجد الإسلاميون أنفسهم في ورطة لا يحسدون عليها.

ولا بأس أن نوضح نظرة الغرب للحركات الإسلامية.. وتفسيره لمشاركتهم السياسية مع الآخرين.. ونظرته للإسلاميين المعتدلين والفرق بينهم وبين الإسلاميين المتطرفين.

المسلمون المعتدلون والديمقراطية

صدر تقرير 2007 لمؤسسة (راند) الأمريكية للأبحاث، وهي المؤسسة التي تتبع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، وتلعب دوراً مهمًّا في اتخاذ القرار داخل هذه المؤسسة الأمريكية الهامّة، وأشرف على إعداده (أنجيل سبارا) الذي كان يعمل بوزارتي الخارجية والدفاع الأمريكية.

الجديد في التقرير أنه وضع معايير جديدة للاعتدال والراديكالية لم تكن معتادة من قبل، وأهميته ترجع إلى أن توصيات التقارير السابقة لنفس المؤسسة هي التي طُبِّقت في العراق، وأثمرت تلك الحرب الطائفية الطاحنة بين العراقيين، ويوصي التقرير بنقل تلك الخبرة إلى البلدان العربية والإسلامية الأخرى؛ للتسريع بعملية التقسيم والتفتيت.

الاعتدال والتطرف في المفهوم الأمريكي

ومن معايير الاعتدال التي وضعها التقرير:

    * رفض تطبيق الشريعة الإسلامية.

    * وتبني منظومة القيم الليبرالية الأمريكية التي تقوم على الفصل بين الدين والدولة.

    * واعتبار العقيدة شأناً فردياً بين الإنسان وربه، ولا علاقة لها بتنظيم شؤون الحياة.

    * ورفض العنف.

    * وتبني منظومة حقوق الإنسان التي تعتبر الشذوذ و(تغيير الفرد لدينه) ضمن هذه الحقوق.

أما الراديكالي أو المتطرِّف فهو من يتمسك بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويسعى لإقامة الدولة الإسلامية، ويتبنى الفكر السلفي، ويرفض الديمقراطية، والليبرالية الغربية، وما يرتبط بها من منظومات حقوق الإنسان المنبثقة عن المنظور الغربي، ويرى أن من حقِّه استخدام العنف كأداةٍ للتغيير.

ويتضمَّن التقرير تفاصيل التعامل الأمريكي مع المسلمين بعد تصنيفهم، منها الوقوف إلى جانب العلمَانيين، والليبراليين، والمعتدلين (وفق المفهومِ الأمريكي للاعتدال)؛ لضرب غير المعتدلين، ودعم المعتدلين مالياً، ومعنوياً، وتصعيدهم للمناصب القيادية داخل دولهم؛ ليكونوا أنصاراً للإدارة الأمريكية في سياستها تجاه العالَمَين العربي والإسلامي.

وشدَّد التقرير على ضرورة تشجيع الدعاة الجدد، الذين ينشطون خارج الإطار الرسمي على وضع رؤى إسلامية جديدة، تؤيد الليبرالية، والعلمانية بما يُنتج إسلاماً جديداً منفتحاً، ومعتدلاً، وترويج هذا النوع من الإسلام بين العامة، ونشرِه بكلِّ الطُرُق المتاحة، وتشجيع هؤلاء الليبراليين، والعلمانيين، والمسلمين (المعتدلين) على تكوينِ جمعيّةٍ عالمية للاعتدال، يكون لها فروعٌ، وروابط داخل البلدان العربية، والإسلامية.. على الطريقة التي وصفها سيد قطب (رحمه الله) وسمّاها إسلام أمريكاني.

نقل المعركة إلى الداخل

أهم ما يلفت الانتباه في التقرير أنه ينقل معركة الإدارة الأمريكية، ضدّ العالم الإسلامي من مستوى الغزو العسكري الحالي، إلى معركة فيما بين المسلمين أنفسهم الذين يُراد لهم أن ينقسموا إلى معتدلين، ومتطرفين، وفق المفهوم الأمريكي ثُمَّ يتمُّ إشعال فتيلِ الصراع بينهم، وبذلك يتمُّ إضافة سببٍ جديدٍ للصراعات الداخلية، والاقتتال إلى جانب الأسباب العِرقية، والطائفية الموجودة بالفعل، والتي يتمُّ تغذيتها لتزداد المنطقة احتقاناً للوصول بشكلٍ أسرع لمرحلة الفوضى الخلاّقة التي أشارت إليها كونداليزا رايس، لتحقيق الشرق الأوسط الجديد.

هل الهدف هو الإرهاب أم الإسلام ؟

أمريكا تحارب الإسلام وليس الإرهاب، وتسعى لإضعاف العالم الإسلامي من خلال محاولة تقسيمه، تلك نتيجة خلص إليها استطلاع أمريكي للرأي شمل 4 دول إسلامية كبرى.

أجرى الاستطلاع مركز (وورلد بابليك أوبينيون دوت أورج) بالتعاون مع جامعة ماريلاند الأمريكية، وشمل لقاءات مباشرة لنحو 1200 شخص في 4 دول هي مصر وباكستان وإندونيسيا والمغرب في الفترة من ديسمبر 2006 إلى فبراير 2007.

وأظهرت نتائج الاستطلاع التي نشرت يوم 24 أبريل 2007م أن أكثر من 40% ممن شملهم الاستطلاع يرون أن الإسلام هو الهدف الأساسي للحرب التي تقودها الولايات المتحدة على الإرهاب، فيما رأى 12% فقط أن هدفها هو حماية الولايات المتحدة من الهجمات.

في حين اعتبر 70% ممن شملهم الاستطلاع أن الولايات المتحدة تحاول إضعاف وتقسيم العالم الإسلامي.

وفي هذا السياق قال ستيفن كول الخبير بمركز (وورلد بابليك أوبينيون) في تصريحات لرويترز: (إن الولايات المتحدة تصور الصراع على أنه حرب على الإرهاب، لكن الناس في العالم الإسلامي يرون أن الولايات المتحدة في حرب مع الإسلام).

وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لإضعاف العالم الإسلامي وتقسيمه -كما يقول الاستطلاع- يرى أكثر من نصف من شملهم الاستطلاع أن أمريكا تحاول نشر المسيحية في الشرق الأوسط، في حين أبدى حوالي 60% اعتقادهم بأن السيطرة على موارد النفط في الشرق الأوسط بين أهداف واشنطن.

وحسب استطلاع أجرته مؤخراً (مؤسسة زغبي الدولية) وجد أن 50% من الأمريكيين لا يرى أي فرق بين الإخوان المسلمين والقاعدة.

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 19, 2013 in خواطر حول العالم

 

الاتحاد الطلابي الوطني الحر في الجزائر

(4) الاتحاد الطلابي الوطني الحر في الجزائر – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من الجزائر

بمناسبة انعقاد المؤتمر الحادي عشر للاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية في الجزائر تحت رعاية الدولة الجزائرية دعا الاتحاد الطلابي الوطني الحر في الجزائر إلى ملتقى عام تم عقده في فندق الشيراتون.. حضره مندوب الرئيس الجزائري الأستاذ عبد العزيز بلخادم وزير الدولة وممثل الرئيس الجزائري.
تحدث في الملتقى السيد أبو جره سلطاني وزير الدولة ورئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية عن الظروف التي عاشتها الجزائر في الفترة السابقة، وعن الفتنة المسلحة التي تصاعدت في البلد بعد تدخل الجيش واعتقال قادة جبهة الإنقاذ، وكيف تحولت الأجواء إلى حرب أهلية يقتل فيها الأخ أخاه، في هذه الظروف كان هناك تيار حركة مجتمع السلم الذي كان يقوده الشيخ محفوظ النحناح وإخوانه محمد بوسليماني وغيرهما.. رأوا بعد تدارس الأوضاع أن يسلكوا مسلك الحوار بدل القتال.. وسلوك المشاركة بدل المغالبة.. والحفاظ على الكيان الجزائري ودولة الجزائر.. قبل أن ينهار كل شيء.
ولم يكن مثل هذا السلوك سهلاً.. فقد وجدوا العنت من إخوانهم الذين يستسهلون القتل وهم يرفعون راية الإسلام.

وخسروا في هذه الدوامة الأخ بوسليماني الذي وجد على قارعة الطريق مذبوحاً.. كان الخاطفون يطلبون منه فتوى  تبيح القتل، فأبى.. فقتلوه رحمه الله.

ويؤكد الإخوة المسؤولون أن الحركة مازالت تسير على خطوات القادة المؤسسين.. يتابعون الحوار مع الجميع.. وهذا في رايهم الذي أوصل السفينة إلى شاطئ الأمان رغم كل العواصف والأنواء والاتهامات والاعتداءات.

وبعد كلمة الأخ أبو جره.. تحدث الأستاذ عبد العزيز بلخادم وهو مسؤول كبير في حزب جبهة التحرير الجزائرية.

تحدث عن ثورة الجزائر.. ثورة المليون ونصف المليون شهيد.. وعن الاستعمار الفرنسي الذي يتحدثون اليوم في فرنسا عن فضائله.. ولم نر منه -نحن الجزائريون- إلا التنكيل والتعذيب والقتل وتدمير البيوت ومصادرة الممتلكات.

وبعد كفاح مرير عادت الجزائر تبحث عن هويتها (العروبة والإسلام).. والكل يستذكر أنشودة الإمام ابن باديس:

شعب الجزائر مسلم         وإلى العروبة ينتسب..

أعدنا ترميم المساجد.. وصدحت المآذن.. وعرّبنا البلاد.. وانطلق الإسلام يعيد إصلاح ما أفسدوه.

وبعد حديث عبد العزيز بلخادم.. كان مطلوب مني أن أتحدث، وكان علي أن أشير لكل الأمور التي جرى الحديث حولها:

تحدثت عن السلم، وأنه هو القاعدة الدائمة، وأن الحرب هو الاستثناء، وأن التعاليم التي نزلت توجه نفوس المؤمنين في مكة.. رغم الظلم الذي عانوه، والإرهاب الذي مارسه المشركون، والتعذيب الرهيب الذي أوقعه الطغاة على الفئة المسلمة، هو قوله تعالى:(كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة).

وقوله تعالى: (وجاهدهم به).

أي جاهدهم بالقرآن والدعوة.. وقابلوا الظلم بكف الأيدي وإقامة الصلاة.

وأنه لا مكان في الإسلام لهذه الحروب التي تثيرها العنصرية، أو العصبية الدينية، او التي تثيرها المطامع والمنافع، أو حب الأمجاد الزائفة.. قالوا يا رسول الله: (الرجل يقاتل للمغنم، ويقاتل للذكر، ويقاتل ليُرى مكانه، أيهم في سبيل الله؟ قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).

ولا سلام لعالم.. ضمير الفرد فيه لا يستمتع بالسلام.. فأي سلام يطالبون به في فلسطين إذا لم يكن الفلسطيني سالماً في أرضه.. آمنا في سربه..

وعليه فلابد أن يقترن السلام بالعدل.. وإلا لتحول السلام إلى سلام الأموات!!

كيف نسالم فرنسا.. وهي تحتل الجزائر..؟

أو نسالم أمريكا.. وهي تحتل العراق..؟

والفرد الذي لا يجد في بيته السلام.. فلن يجده في مكان آخر (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها)..

وبعد سلام البيت.. يأتي سلام المجتمع.. بإشاعة الحب.. والآداب الاجتماعية بين أفراده.

ولا يتحقق السلام في العالم كله.. إلا بمثل هذه التعاليم القائمة على السلم والعدل..

ثم طلبت من سعادة الأخ عبد العزيز بلخادم:

أن يحافظوا على الهوية التي تحررت على أساسها الجزائر وهي العروبة والإسلام.. وأن المراقب الذي يزور الجزائر اليوم.. يجد أكثر الأحاديث بالفرنسية.. وأكثر المحاضرات كذلك.. ومعظم الكتب المدرسية بهذه اللغة.

وأن تعيد الحكومة النظر في قضية العفو.. السلطان عبد الحميد كتب في مذكراته: أن السلطان معناه العفو.. فإذا حصلت فتن ومجازر في أوقات سابقة.. ولا يستطيع أحد أن يزعم أنها كانت من طرف واحد.. فلماذا لا تبادر السلطة إلى العفو.. والعفو معناه العدل.. وإعطاء كل ذي حق حقه.

نحن نقرأ هذه الأيام أن التنصير على أشده في منطقة القبائل.. أي في منطقة الأمازيغ.. هؤلاء الذين ثبّتوا الإسلام في شمال أفريقيا.. وهم هم الذين فتحوا الأندلس.. وهم من أنجبوا عبد الحميد بن باديس.

ماذا دهى الجزائر..؟

وأنا أطالب من الجزائريين والسلطة أن يعلنوها زحفاً أخوياً إلى منطقة القبائل.. نعيد إليهم العدل.. ونعيدهم للدين الذي خرجوا منه..

وأخيراً.. أين فلسطين اليوم من سلّم اهتمامات الجزائر.. لا أسأل عن الشعب.. بل أسأل عن السلطة؟

هل بدأنا نفكر كيف نصافح الإسرائيليين؟!

وأخيراً نتمنى للجزائر ولقادة الجزائر ولشعب الجزائر كل تقدم ونماء في ظل الإسلام.

والحمد لله رب العالمين.

الجزائر 13/3/2006م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 18, 2013 in خواطر حول العالم

 

المنتدى الدولي للشهيد محمد بو سليماني

(3) المنتدى الدولي للشهيد محمد بو سليماني – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من الجزائر

الشيخ محمد بوسليماني

دعيت للمشاركة في المنتدى الأول للشهيد محمد بو سليماني في مدينة البليدة في الجزائر خلال الفترة (1-2) فبراير 2006م. وكان لابد من الاستجابة لهؤلاء الأخوة الذين ارتبطنا بهم في وقت مبكر.. وتبادلنا معهم  أنخاب الحب الخالص.. الحب في الله الذي ربطه رسولنا العظيم بالإيمان، فقال: (لن تدخلوا الجنة  حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا).

وما أن استقر بنا المقام في أحد فنادق العاصمة.. حتى كانت السيارة تنتظرنا لنذهب إلى الملتقى. وفي الطريق إلى البليدة التي تبعد عن الجزائر العاصمة حوالي 50 كيلومتراً.. تركت نفسي مع الذكريات تتقلب صفحاتها.. وهي وإن مر على بعضها قرابة ثلث قرن من الزمان إلا أنها ما زالت حية حاضرة في نفسي، أشعر بأنفاس أخي محفوظ الحرّى، وتلهفه على العمل الإسلامي أن ينهض ويتقدم ويأخذ بزمام الأمور كما كان الحال يوم انطلقت حركة الجهاد باسمه.

وتصورت أنني معه في سيارته الفولكس فاجن الصغيرة متجهين من المطار إلى البليدة.. يقودها بشيء من العصبية، كأنما يريد أن يسابق مع سيارته الصغيرة الزمن.

وفي البليدة نزلنا في بيت العائلة الكبير.. أنت في بيته كأنك في الريف الجزائري.. أشجار من كل نوع، وورود من كل لون.. يومها قال لي أن أصل تسمية البليدة هي الوريدة أي مدينة الورود.

أسبوع قضيناه كأنه دهر.. قضيناه مع إخوان البليدة ومنهم الرجل الشهيد الذي نحتفى بذكراه اليوم.

قد يمر الدهر على الإنسان التائه فلا يُشعر به.

وقد تمر السويعات المضمخة بعطر الإيمان.. تعيشها وكأنك في كهفها إلى الأبد.

هل رأيت لحظات لقاء المؤمنين بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم على الصفا.. هل استطاع بلال أن ينساها رغم التعذيب والاضطهاد والإرهاق والإذلال.. كان الطاغوت الذي يعذب بلالاً يتمنى أن يسمع منه كلمة واحدة تستعطفه.. ولم يكن بإمكان لسان بلال أن ينطق بكلمة أخرى غير أحد أحد.. فما زالت لحظة بيعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرة معه.

في المسجد

في اليومين التاليين استمعنا في أحد مساجد العاصمة إلى محاضرة ألقاها الشيخ محفوظ.. الجمل نفسها، والتعابير والروح والتجاوب ذاته.. يا سبحان الله ما هذا الإسلام الذي يجمع الناس على اختلاف مواقعهم وبلدانهم ولغاتهم.. يتحدثون بهمٍّ واحد ولسان واحد.. كأنهم أخوة من أب وأم واحد.

في الجامعة

وفي إحدى الأمسيات قضيناها مع شباب الجامعة.. كلمات وأسئلة وحوار.. والكل يتطلع أن ينطلق بالإسلام، فيركز رايته في أعلى مكان في جبال الجزائر، يراها كل عالي الهمة، يستشعر المسئولية تجاه هذا الدين.

وإذا كان إخواننا قادة العمل الإسلامي في الجزائر.. قد اختاروا المسجد.. فلأنه المنطلق الذي اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبلغ دعوته.. فالمسجد محضن تربية.. وقاعة درس وحوار.. ومركز اتخاذ القرار.. هو كل شيء في حياة الأمة.

ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامته في المدينة بمجرد أن وطئت أقدامه أرضها.

إذا أهمّ المسلمين أمرٌ.. نادى بلال: أيها الناس، الصلاة جامعة.. وعندما هرعت إحدى النساء.. قالت له زميلتها: إنه ينادي الناس، قالت: وأنا من الناس. الكل معني بالنداء الصادر من المسجد: الأب الشيخ، والابن الفتى، والطالب والطالبة، ولسان حالهم جميعاً يقول: كلنا من الناس.

أما الجامعة.. فهي جزء من المسجد.. كانا معاً يوم كان المسجد يقوم بكل دوره.. وعندما لعبت ثقافات الغرب برؤوس الحكام.. وقالوا: المسجد للصلاة.. والجامعة للعلم المجرد.

ويحاول اليوم قادة العمل الإسلامي في الجزائر.. أن يقربوا الجامعة من المسجد، حتى تعود جامعاتنا مرة ثانية شامخة وعلومنا رائدة كما كانت يوماً في قرطبة، واشبيلية، وبغداد، والقاهرة، ودمشق، واستانبول، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة.. تنطلق من المسجد.. تجمع بين الإيمان العميق.. والعلم الوثيق.. والأصالة المتفردة.

ألوان الطيف في الجزائر

وفي يوم آخر جلسنا مع كل ألوان الطيف الإسلامي الجزائري.. هل سمعت بكل الأحزاب السياسية والجمعيات الإسلامية والشخصيات الإسلامية في الجزائر.. في ذلك اليوم التقينا معهم جميعاً.. ما كانوا يومها يحملون شارات أحزاب.. ولم تكن لديهم بطاقات تضعهم في هذه الجمعية أو تلك.. كلهم دعاة إلى الله يجمعهم الحب في الله.. ويحدوهم أمل واحد هو ذاك الذي هتف به محرر الجزائر ابن باديس:

شعب الجزائر مسـلم        وإلى الـعروبة ينتـسب

من قال حاد عن أصله     أو قـال مات فقد كـذب

أو رام إدماجــًا لـه          رام المحال من الطـلب

الشهيد بوسليماني

لقد أكثرنا الحديث عن الجزائر.. ونحن لآن بحضرة أحد قادتها الشهيد محمد بو سليماني في المؤتمر الذي أقيم لأجله.. وإذا كان هذا الحديث يصح بالنسبة للجزائريين.. فهم يعرفون بطلهم الذي  ولد في البليدة يوم 5 مايو (أيار) عام 1941.. كان والده سليمان متأثراً بالحركة الإصلاحية والشيخ الطيب العقبي علي الخصوص. شب الشهيد وسط عائلة قدمت 14 شهيداً، منهم أخوه أحمد خريج الكلية العسكرية في العراق. وعندما قامت ثورة الجزائر في أواخر الخمسينيات.. كان من رواد العمل الجهادي الذي انطلق باسم الله وباسم الإسلام لتحرير الجزائر من رجس الاستعمار والاستعباد والاستيطان الفرنسي.

أما الإخوة خارج الجزائر.. فننقل لهم ما تحدث به الأخ محمد بو سليماني فقال:

نحن الآن في بلد مستقل، نضع أسساً ومعالماً لمتابعة الدعوة الإسلامية في الجزائر حتى نصل إلى المستوى المنشود. بدأنا بدراسة بعض الكتب الدعوية. وكان على رأس هذه الكتب التي أعادت لنا حقيقة الصورة المشرقة للإسلام، كتب الشيخ محمد الغزالي، وبعدها بدأنا نقرأ كتب سيد قطب، وهي الكتب الأساسية التي فتحت أذهاننا على الدعوة الإسلامية وعلى الفكر الإسلامي الأصيل، وعلى فقه الدعوة الذي كان بعيداً عن الأذهان في هذا البلد، وبدأنا بوضع ما نسميه خططاً لمواجهة ما ينشر من بذاءات واتهامات ضد الإسلام والحركة الإسلامية، في وسائل الإعلام المختلفة المسموعة والمقروءة والمرئية. ووجدنا أن المنبر الأساسي الذي نستطيع منه أن نسمع صوت الحق هو المسجد.

يقول محمد بو سليماني(زهرة من باقة الشهيد محمد بوسليماني- يحيى دوري، ص- (18-23)): خلال الفترة من عام 1962 إلى عام 1965 عملت مدرساً في مدرسة بوادي العلائق القريبة من مدينة البليدة، وحصلت على نقطة التفتيش الأولى على مستوى أربع ولايات.. هذه الدرجة خولت لي أن أعين من طرف وزارة التربية للقيام بتعريب الإدارة.. فكانت أول تجربة لمدرسة ابتدائية مديرها معرب. والمدرسة كانت بالبليدة في قرية بوعرفة اسمها مدرسة الهداية.

وبعد حصولي على الليسانس في الأدب العربي انتقلت إلى التعليم الثانوي في ثانوية ابن رشد في البليدة.. ثم انتقلت مديراً لثانوية الفتح للإناث.

لم يكن في المدرسة فتاة محجبة واحدة.. عملت على إيجاد قاعة للصلاة.. وطلبت من الطالبات أن يصلين.. بعد شهرين احتجبت ثلاث فتيات.. وبعد ذلك بدأ اللباس الإسلامي ينتشر في هذه الثانوية.. ثم في الثانويات الأخرى.

لقد كانت بدايتنا من المدرسة.

ثم انتقلنا إلى المسجد.. وبدأنا الدعوة في حلقات ودروس مسجدية، حاولنا فيها أن نبين للناس معنى الإسلام الشامل الذي يتناول مظاهر الحياة جميعاً.. وبدأ الناس يتفاعلون.. وكانوا من قبل يعجبون من طرحنا ويتساءلون: هل للإسلام علاقة في البيع والشراء.. ما دخل الإسلام في الزواج.. وفي السياسة ونظام الحكم…؟!

استخدمنا في دعوتنا الكلمة الطيبة.. والأسلوب الهين الذي حدده لنا ربنا: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).. وكانت البداية عام 1963 بُعيد الاستقلال مباشرة.

وسقط النظام الأول.. وجاء نظام بومدين، وفيه كان الهجوم السافر على الإسلام، ورموز الإسلام، والقرآن والسنة، وطلب من الشعب الجزائري أن يقبل الإشتراكية.

وبدأنا نبحث عن أحسن الأساليب التي تجعل الشعب الجزائري يرفض ما فرض عليه..

وفي عام 1976 فرض النظام دستوراً مفصلاً على مقاس الحكم واشتراكيته، وأعلن ما يسمى بالميثاق، وتم انتخاب رئيس الجمهورية وفقاً لهذه الإجراءات..

ماذا نفعل..؟

هل نسكت..؟ وماذا سيقول الناس وهم ينظرون إلى الشعب المجاهد الذي حرر الجزائر بدمه، ودفع أكثر من مليون ونصف المليون من الشهداء الذين جادوا بدمهم لتحيا الجزائر؟

وفي عام 1982 حدث شجار في الجامعة بين الإسلاميين والشيوعيين، أسفر عن مقتل شاب من الشيوعيين، وكان من بلاد القبائل، وتحول الشجار إلى معركة يخوضها اليساريون بكل ما يملكون من أسلحة يهاجمون الإسلام ودعاة الإسلام..

إلى أين يا بومدين؟

وترجح عندنا أن نقوم بعمل ما.. نتصدى به لهجمة الكفر.

عرضنا الأمر على إخواننا في الجامعة، فمنهم من رفض الفكرة.. ومنهم من اعتذر عن المشاركة.. وبعض الجهات قبلت رأينا.. وكان منهم الشيخ سحنون والشيخ عبد اللطيف سلطاني وغيرهم..

وبالاتفاق مع هؤلاء الإخوة كتبنا بياناً بعنوان: إلى أين يا بومدين؟.. تناول البيان ردوداً موزونة واضحة على كل الخلل الذي جاء في الميثاق والدستور.. ومما جاء في البيان:

    * لابد من الرجوع إلى كتاب الله وتحكيمه.

    * وانتقدنا الثورة الزراعية التي تبنتها الدولة.

    * وانتقدنا الحرب بين الجزائر والمغرب، وقلنا ليس هذا أسلوب التعامل مع الأشقاء.

    * إلى غير ذلك من الأمور الداخلية والخارجية.

البيان كان بإمضاء الموحدون.. صاغه الشيخ محفوظ النحناح.

في السجن

وأعلنت الحكومة النفير.. فقد وضعت يدها على المؤامرة الرجعية التي تتآمر على سلامة البلاد!!

وألقي القبض على الأخ محمد بوسليماني والشيخ محفوظ النحناح.. وعلى 17 أخاً آخر.. في السجن لاقينا من صنوف التعذيب، والإهانة والشتم، والطعن، وحجز الممتلكات.. الشيء الكثير.

لم نكن نادمين على جهادنا من أجل تحرير الوطن.. ولكنها كانت ساعات عصيبة مررنا بها.. عندما وجدنا أن للوطن الذي حررناه من أجل حرية الإنسان، له زنازين يوضع فيها.. ويعذب فيها.. المجاهدون!!

حكم علينا بالسجن مدداً تتراوح بين سنة و 15 سنة.

والسجن مدرسة إذا أحسنت الاستفادة من أوقاتها.. تتأكد فيها الأخوة.. وتنضج فيها الأفكار.. ويعاد النظر في الأساليب.. مع الإيمان بأن طريق الدعوة هو كما وصفه ربنا: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)(العنكبوت- (2-3))

ويتابع أخونا بو سليماني فيقول: مكثت في السجن ثلاث سنوات.. وبعد هلاك بومدين.. والعفو الذي أصدره الرئيس الشاذلي بن جديد خرجنا إلى الحرية. وكان ذلك عام 1980.

ذكريات السجن ليست كلها مريرة.. فقد وجدنا بعض حراس السجن.. أناساً طيبين.. كانوا في شهر رمضان يأتون لنا بالطعام من بيوتهم.. ويعاملوننا معاملة كريمة. فليس كل فرد يتعامل مع النظام كافر.. كما تدعي بعض الصرعات الإسلامية..

الصحوة تبحث عن قيادة

خرجنا من السجن.. فوجدنا صحوة إسلامية عارمة..

صحوة انطلقت من عقالها بعد وفاة الرئيس بومدين الذي أحصى على الناس حركاتهم وسكناتهم.. وألزمهم الانسياق وراءه وليس لمن يأبى إلا الزنازين..

لقد كان عهد الشاذلي بن جديد عهداً طيباً، تنسم فيه الشعب الجزائري أنسام الحرية.. ومع هذه الحرية وفي أجوائها وجدت الصحوة الإسلامية التي كانت تحتاج  إلى ترشيد، وإلى قيادة صالحة تأخذ بيدها نحو شاطئ الأمان.. وكان هذا دورنا.

حاولنا في البداية إعادة بناء البيت الداخلي، بخطى هادئة وثابتة وشققنا طريقنا بتوفيق من الله، ونزلنا إلى الشارع بثقل، ووضعنا أمامنا هدفاً وهو أن الدعوة الإسلامية لابد أن تكون على علاقة حسنة مع كل شرائح المجتمع، وأن تدخل كل زاوية من زوايا الحياة، وأن ترتبط بالمؤسسات التعليمية والثقافية والعمالية.. نفعل ذلك بقوة وثقة كما قال ربنا: (ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ)(المائدة-23)..

جمعية الإرشاد والإصلاح

ومن أجل تنظيم عملنا في الدعوة إلى الله.. أسسنا عام 1989 جمعية الإرشاد والإصلاح، التي تولى رئاستها الشيخ محفوظ النحناح.. وعندما ترأس الشيخ محفوظ حركة المجتمع الإسلامي (حماس).. تولى السيد محمد بو سليماني رئاسة الجمعية.

وكانت علاقة الجمعية مع الأحزاب القائمة.. علاقة مناصحة وتعاون وتكامل.. وعندما حلت الحكومة جبهة الإنقاذ.. دعونا إلى معالجة هذه القضية بالحوار الهادف البناء.

رابطة الدعوة الإسلامية

وعندما كثرت الجمعيات والأحزاب الإسلامية على الساحة.. كل منهم يدعي وصلاً بليلى.. رأى حكماء الأمة أن ينشئوا رابطة الدعوة الإسلامية برئاسة الشيخ أحمد سحنون، لتكون صمام أمان.. ومرجعاً يُرجع إليه عندما تضطرب الأمور.. وتختلط الرؤى.. وكان ذلك عام 1986.

الجبهة الإسلامية للإنقاذ

في هذه الفترة ظهرت حركة سياسية، هي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ظهرت في مسجد باب الواد بالجزائر العاصمة، ويوم الإعلان ذهب أحد أفراد رابطة الدعوة الإسلامية وهو الأستاذ محمد السعيد.. وحاول إقناعهم بعرض الفكرة على الرابطة قبل اتخاذ قرارهم، ولكنه ووجه بالرفض.. وأعلنت الجبهة.

ودخلت الجبهة أول انتخابات بلدية تعددية.. وفازت بمعظم المقاعد. فقد كان الناس يطالبون بالتغيير.. وكذلك حدث في الانتخابات التشريعية.. عندما أبطلت الحكومة نتائج الانتخابات وتدخل الجيش وأعلنت الأحكام العرفية.. وبدأت الاعتقالات في صفوف رجالات الجبهة.

لا نريد أن ندخل في تحليل إنشاء الجبهة.. وسلوك قادتها.. وتصرفات جماهيرها.. فهو مدخل معقد أدى إلى كل ما عانته الجزائر من دماء وشهداء.. ومآس واضطرابات.. فالسياق لا يحتمله.

من قتل بوضياف ؟

بعد توقف المسار الانتخابي، جيء (ببو ضياف) من منفاه في المغرب. كان بوضياف يحمل معه تصوراً معيناً لمعالجة الأوضاع في الجزائر، ووقع له ما وقع وسجلت قضيته ضد مجهول!! ومن يومها تعيش الجزائر فراغاً دستورياً على مستوى النظام، المجلس الوطني الشعبي منحل، رئاسة الجمهورية غير موجودة. تشكل ما يسمى المجلس الأعلى للدولة.. الذي يرفض أن يرشح أحد أعضائه للانتخابات الرئاسيةالعامة.

واستمرت موجة العنف.. والسؤال المطروح في الجزائر: من القاتل.. ولماذا قتل؟ بالنسبة لحركة حماس فقد تبنت موقفاً واضحاً.. وقفت ضد العنف بكل أشكاله.. ومهما كانت أسبابه وأهدافه، أما بالنسبة للجبهة الإسلامية للإنقاذ.. فلقد وقعت أخطاء بحل الجبهة وإيقاف المسار الانتخابي.. ونحن مع الحوار الذي يعطي لكل ذي حق حقه.

اللقاء الأخير

أحب أن أسجل هذا اللقاء الأخير.. الذي كان بيننا وبين أخينا محمد بوسليماني.. كان في باكستان في مؤتمر من مؤتمرات الجماعة الإسلامية.. عشنا معاً أياماً رائعة.. تحدثنا كثيراً عن الهم الجزائري.. عن البدايات.. وعن السجن.. وأخبرته بأنني سافرت إلى الجزائر قادماً من المغرب مع أخي راشد الغنوشي.. لأزور إخواني محمد بوسليماني والشيخ النحناح ورفاقهما في السجن.. ولكن سلطات المطار اضطرتني للعودة على الطائرة نفسها.. وإذا كان اللقاء مقدراً.. غير أن تصرفات أمن المطار ترك في نفسي غصة أني لم أستطع القيام بواجب الزيارة للأحباب.

أما المشهد الأخير في هذه الزيارة فقد كان لقاء مع رئيس جمهورية باكستان إسحاق خان.. كان معنا في هذا اللقاء أمير الجماعة الإسلامية الأستاذ طفيل محمد.. والأستاذ مصطفى مشهور.. والأستاذ مأمون الهضيبي.. والأستاذ خليل الحامدي.. والأستاذ محمد بوسليماني.. كان الرئيس الباكستاني مهتماً بما يدور في الجزائر ويتساءل عن الأسباب وعن المخرج..

وأجاب الأخ بوسليماني باختصار يناسب المقام.. ولكنه اختصار ينطبق عليه قولهم: خير الكلام ما قل ودلّ. وافترقنا يومها.. ولم نلتقي بعد ذلك..

لماذا قتلوه؟

كان الشهيد بوسليماني شديد التأثر بما وقع في الجزائر في محنتها الدموية، فلم يترك مجلساً إلا ودعا فيه إلى الصلح بين أبناء الجزائر، مقتنعاً أن الخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد، لا يحل بالعنف، بل بالحوار والمحبة والتراحم، إلا أن هذا النهج لم يعجب بعض مخالفيه الغلاة، فلم يراعوا في الرجل جهاده ولا إمامته ولا ريادته الدعوية ولا رمزيته الوطنية والعالمية، فاقتحموا عليه منزله المتواضع فجر يوم الجمعة 26 نوفمبر 1993م، فأفزعوا أهل بيته الذي طالما كان أيام الثورة التحريرية مأوى للمجاهدين، وأيام الاستقلال مثابة للدعاة والعلماء الخيرين، فاختطفوه وأرادوا منه فتوى بجواز قتل المخالفين، وما علموا أنه ليس ذاك الرجل الذي يشتري الدنيا بالدين، فكان له من الله الثبات على موقفه..

تم العثور على جثة الشيخ محمد بوسليماني رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح، ملقاة بطريقة لا تدع مجالاً للشك في أن مختطفيه الذين اختطفوه منذ حوالي الشهرين، كانت لهم مصلحة في إثارة الفتنة.. ومحاولة ضرب الجماعات الإسلامية بعضها ببعض. وعندما تعاملت حركة (حماس) مع حادث اختطاف أحد رموزها بوعي وضبط للأعصاب، أسقط في أيدي المغرضين .. فلم يجدوا أمامهم إلا التخلص منه بقتله لأنهم لو تركوه لفضح أمرهم أمام الرأي العام.

البلـيــدة 1/2/2006م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 16, 2013 in خواطر حول العالم

 

الملتقى الدولي للشيخ محفوظ النحناح

(2) الملتقى الدولي للشيخ محفوظ النحناح – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من الجزائر

في 15 حزيران (يونيو) 2005م، انعقد في الجزائر الملتقى الدولي الثاني للشيخ محفوظ النحناح، بحضور ثلة من شخصيات العالم الإسلامي.. جاءوا جميعاً للمشاركة في هذا اللقاء الذي كان بعنوان المشاركة السياسية: خطوة في طريق مشروع الإصلاح السياسي. والعلاقة الحميمة والقريبة التي كانت تجمعني بالأخ محفوظ هي التي فرضت علي أن أحضر ملتقاه الأول والثاني.. أقف ساعة بالقرب منه ومن أهله وأسرته وإخوانه، وأحبائه وأصدقائه.

وحركة مجتمع السلم التي أسسها الشيخ محفوظ النحناح في الظروف الصعبة التي مرت بها الجزائر، هي اليوم إحدى قوى ثلاث تشارك في السلطة التي  يرأسها الرئيس عبد العزيز بو تفليقة.

أما الحـزبان الآخـران فهمـا الحـزب الديمقراطـي الذي يـرأسه رئيس الوزراء أو يحيى.. وهو حزب علماني، غربي التوجه، معظم طروحاته لا يرتاح لها التوجه الإسلامي في البلاد.. مثل قانون الأسرة.. وحذف مادة الشريعة الإسلامية من مناهج التعليم الثانوي. وغيرها كثير.

وأما الحزب الثاني فهو جبهة التحرير، الحزب الذي حكم الجزائر وما زال يحكمها.. أمينه العام بلخادم وهو شخصية إسلامية جيدة.

أما بو تفليقة الذي يحكم البلاد في ولاية ثانية.. فقد استسلمت له كل القوى كالجيش والأحزاب والسلطة وأصبح الرقم الأول بين الأرقام السياسية في الجزائر.

تسلم حزب مجتمع السلم عدة وزارات من تلك التي يسمونها تكنوقراط.. وآخرها وزارة دولة أسندت لرئيس الحركة بدون مسمى.

والأحزاب التي لا تجد فرصة لتقوية وجودها، وتلاحمها مع شعبها، وتربية أبنائها.. قد لا تنفعها بعض المكاسب السياسية التي قد تفيد أفراداً.. وقد تنقلب ضرراً عليها وعلى مستقبلها.. وإن الكلمات التي أطلقها الإخوة المسؤولون في حزب مجتمع السلم، أوضحت تباين النظرة تجاه هذه المشاركة السياسية.

ففي الوقت الذي أثنى فيه رئيس الحركة أبو جرة سلطاني على هذه المشاركة واعتبرها قمة النضج السياسي المتنامي بالمرحلية والتدرج في مجال تمدين الحياة السياسية، ودمقرطة المجتمع، وردم الهوة بين التيارات التقليدية التي ظلت تتنازع البقاء منذ بروز الحركات الوطنية سنة 1913م إلى بداية الائتلاف الحزبي سنة 1999م، ومحاولات الترقية السياسية التي توجت جهودها بتوقيع وثيقة التحالف الرئاسي في فبراير 2004م.

كما اعتبر رئيس الحركة هذه التجربة السياسية الجزائرية فريدة في نوعها، تصلح أن تكون نموذجاً لجميع الحركات الإسلامية الأخرى في العالم.

غير أن كلمات بعض مسؤولي الحركة أعطت انطباعات مختلفة:

قال بعضهم: إن شعبية الحركة تضعف بالتدريج.

وقال بعضهم الآخر: إن الشعب كان ينظر لنا كدعاة، واليوم وفي ظل هذه المشاركة بدأوا ينظرون لنا كسياسيين.. مثل بقية السياسيين الساعين لمصالحهم.. اللاهثين وراء المناصب.

وإذا كان المراقب المحايد أقدر من غيره على تقدير المواقف.. وتحسس الأمور.. فإنني أسجل بهذا الاعتبار الملاحظات التالية:

1- الأوضاع في الجزائر عموماً مازالت شديدة التعقيد.. وكل القوى التي وجدت في المراحل المختلفة من عمر الجزائر مازالت موجودة.. ولقد اكتسبت مع الزمن مزيداً من الخبرة والدهاء.. وأصبحت أقرب إلى السرية منها إلى الانفعال العلني.. فحركة الإنقاذ التي أوجدها عباسي مدني مازالت موجودة.. ولها قيادة في الخارج تحرك العناصر في الداخل.. وإذا كانت حركة الإصلاح بقيادة عبد الله جاب الله تراهن على استقطاب عناصر الإنقاذ.. فإن حركة مجتمع السلم قد تكون أبعد ما تكون عن هذه العناصر نتيجة للمواقف المتشنجة التي حدثت سابقاً بين الفريقين..!

2-  نظرية الفصل بين المرجعيات.. اتضح من خلال عرض عقدة المشاركة والمرجعية، بأنه لابد من الوصول مرحلياً إلى وضع جديد يحافظ على مكاسب المشاركة السياسية التي أنتهجتها الحركة الإسلامية، وفي نفس الوقت صيانة المرجعية الدينية والدعوية التي أسست لها في بداية الصحوة. ويظهر من خلال التجربة بأن هذا يتم من خلال توزيع المرجعيات، على أن تكون المرجعية الشرعية والدعوية هي المرجعية المحورية، وأن تبتعد هذه المرجعية عن كل مطالبة للحكم لنفسها ولرجالها في أي مستوى من مستوياته، وأن ينشأ في مداراتها المختلفة مؤسسات مجتمعية متعددة، أهمها مؤسسة الحزب أو الأحزاب السياسية (المرجعية الحزبية) بشرط أن لا يكون بين المرجعيتين أي ارتباط تنظيمي عضوي سوى الولاء العام والترابط الفكري.

3- أما الحركة الطلابية المتمثلة بالاتحاد الوطني الحر.. والتي هي أكبر تجمع طلابي في الجزائر.. فهي أقرب في الحقيقة إلى التجمعات السياسية.. ولقد ركز رئيس الدولة عبد العزيز بوتفليقة شخصياً على مسؤولي هذا الاتحاد.. ووضع تحت تصرفهم كل الإمكانات في سبيل إغرائهم وجذبهم إلى الإطار الحكومي.

ولقد كان مسؤول الاتحاد صريحاً مع المسؤولين عنه عندما طلب منهم مزيداً من الدعم حتى لا يفقدونهم.

نحن من جانبنا نلتقي في كل مرة نزور فيها الجزائر المكاتب الطلابية في العاصمة والمدن الأخرى ونؤكد على وحدة الحركة وضرورة التربية فهي العاصم في سلامة العمل الطلابي وأدائه لمهمته التي يعمل من أجلها.

وكلمة أخيرة

فإن هذه الأقطار تحتاج إلى مزيد من الرعاية والتواصل لتسديد اتجاهاتها.. وتنبيهها عن عثرات الطريق ومزالق السياسة.

ونحن نعتقد أن تراث الحركة. وذكرى المؤسس العطرة.. وهمة الخلف العالية.. ستجد في كل وقت مخرجا.. ولكل عسر يمرون به يسراً.. ولن يغلب عسر يسرين.

والحمد لله رب العالمين

الجزائر 15/6/2005م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 14, 2013 in خواطر حول العالم

 

رحيل الأستاذ محفوظ النحناح (1941 – 2003)م

(1) رحيل الأستاذ محفوظ النحناح (1941 – 2003)م – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من الجزائر

منذ سنة تقريباً.. والأستاذ الفاضل محفوظ النحناح يصارع المرض الخطير الذي استقر في دمه وفي عظامه.. المرض الذي وصفه الشاعر المتنبي بقوله:

وزائرتــي كأن بها حـيـاء     فليس تزور إلا في الظلام

فرشت لها المطارف والحشايا         فعافتها وباتت في عظامي

كان يصارع المرض بالنشاط والحركة.. وفي بعض الأحيان تتغلب عليه آلامه.. فتهدأ حركته، ولا يشكو.. وكيف يشكو من أصبح مسؤولاً عن حركة؟!

الشيخ محفوظ النحناح

كنت معه في أنقرة.. وكان معنا ثلة من رجالات الفكر والسياسة، كان يخرج من الندوة.. ويغيب أحياناً ثم يعود.. كنت أستغرب الأمر.. وبعد أكثر من سنة أخبرني بأن الآلام كان تضطره إلى مثل هذا الخروج.. حتى لا يلاحظ ذلك أحد.

وأخيراً وفي يوم الجمعة 20 حزيران (يونيو) 2003م جاءنا نعيه على لسان الناطق الرسمي باسم الحركة الأستاذ سليمان شنين، فقد نعى إلى العالم الإسلامي والعربي وفاة الشيخ محفوظ النحناح رجل الوسطية والاعتدال والتسامح.. مشيراً إلى أن رحيل رئيس حركة مجتمع السلم سيترك فراغاً كبيراً على المستويين الوطني والدولي، فهو يتولى منذ العام 1981 منصب مسؤول تنظيم الإخوان المسلمين في الجزائر.

وكان عاد إلى الجزائر الأسبوع الماضي بعد ثلاث شهور من العلاج في فرنسا، فقد تأكد الأطباء استحالة شفائه من مرض سرطان الدم الذي تمكن منه.. فأراد هو وأراد إخوانه أن يموت في بلده.. بين أهله وأسرته.. وبين إخوانه الذين أحبهم وأحبوه.

كانت الجزائر كلها دولة وأحزاباً وهيئات وشخصيات تشهد جنازة قالوا عنها: ثاني أكبر جنازة في تاريخ بلادهم.. الأولى حين أقاموها لرئيسهم الراحل هواري بومدين.. وهذه هي الثانية عندما أقامها الناس والدولة للشيخ محفوظ نحناح ليعيدوا إليه لقباً وتسمية ومهمة انتزعوها منه في انتخابات رئاسية سابقة، فقد ردّد الجميع: رحمك الله أيها الراحل.. فقد عشت شيخاً ومت رئيساً.

ذكرياتي مع الفقيد

وأجدني  – وأنا أقف أمام هذا الحدث الجلل- أقلب أوراق الذكريات الغالية مع الشيخ الرئيس محفوظ النحناح.

التقيته أول مرة عام 1972 في إطار لقاء الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض.. شاباً في الثلاثين (ولد في يناير 1941).. كل ما فيه ينطق: لسانه ورأسه ويداه.. ومنذ كنت وحتى اليوم عندما أحضر لقاءً مثل هذا، أتفرس في وجوه القوم، وأختار واحداً أو أكثر ممن تظهر عليهم علامات الوعي والحركية والتفاؤل.. فأصل أسبابي بأسبابهم.

في عام 1973 كنت في زيارة إلى الشمال الأفريقي بدأتها بالمغرب.. ثم الجزائر.. وعندما أنهيت معاملة الوصول وخرجت.. وجدت الأخ محفوظ يستقبلني فاتحاً ذراعيه.. لا أنسى حرارة ذلك اللقاء وأهميته وفائدته.

ذهبنا في سيارته الصغيرة (الفولكس فاجن) إلى بلدته (البليدة) وهي على مسافة 50 كيلو متراً إلى الجنوب من العاصمة الجزائر، وأقمت عنده في بيت العائلة الواسع الكبير.. كل من يصادفك في هذا البيت يؤكد في ذهنك التدين والتواضع والخلق الحسن.

في طريقنا إلى أحد مساجد العاصمة الكبيرة، لنستمع إلى أحد الدروس التي  اعتاد أن يلقيها الأستاذ محفوظ في العديد من مساجد العاصمة ومساجد البليدة.. هناك جلست أمام النهر المتدفق.. كلمات واعية.. وإيماءات واضحة.. وتوجيه سليم.. وأخوة شباب يلتفون حولنا يسألون الشيخ عن درسه.. وعما بعد الدرس..

واستغربت أن يكون  مثل هذا الطرح الجريء.. والأيام أيام (أبو مدين).. والتوجه اشتراكي علماني.. ويظهر أن شيخنا قرر أن يقول كلمة الحق واضحة، ويعتصم بالحق والصبر مهما تكن النتائج.

وذهبنا معاً إلى مسجد الطلبة في الجامعة المركزية.. وكانت الجامعة هي بداية التحول في البلد كله.. فهي النواة التي تفرعت عنها الاتحادات الطلابية والتجمعات المهنية.. فأصبح الطلاب أطباء ومهندسين ومحامين.. ملأوا الفراغ في المجتمع المدني الجزائري.

الأخ محفوظ (رحمه الله) هو من ساهم في افتتاح مسجد الجامعة، وهو أول من أدى صلاة الجمعة فيه.

في المسجد التقيت بالأخ الدكتور مصطفى براهما.. ربطتني معه الرسائل منذ سنوات، حتى كان لقائي به في مسجد الجامعة.. زرنا سكن الجامعة.. وتحدث الأخ محفوظ وتحدثت بعده.. اللغة نفسها والروح والتوجه كذلك.

في زيارتنا للجامعة.. كانت الأوضاع والمظاهر بعيدة كل البعد عن الشكل الإسلامي.. لباس الطالبات.. حركاتهن مع زملائهن، وهن رائحات غاديات أو جالسات على المقاعد أو مستلقيات في الحدائق.

سألته: الأوضاع صعبة يا شيخنا.. أجابني: ولتعلمن نبأه بعد حين.

اصطحبني الأخ محفوظ إلى لقاء حميم.. حضره جميع قادة العمل الإسلامي من مختلف الاتجاهات: الإخوانية والسلفية والإنقاذية والجزأرة والصوفية وغيرها.. جميعهم كانوا في هذا اللقاء..

لقاء هؤلاء أمرٌ طبيعي.. وخلافاتهم التي تعمقت فيما بعد مفتعلة.. كلفت الدعوة والدعاة كثيراً من العناء والإرهاق والخسائر التي لا تقدر بثمن.

لو اقتصر أعداء الإسلام على مهمة إيغار صدور الإسلاميين بعضهم على بعض، لكفاهم.. فهو الأمر الذي ينهك العمل الإسلامي ويدمر الدعوة والدعاة..

لا أنسى أبداً الزفرات الحرى التي كان يطلقها أخونا محفوظ حزناً على رفيق دربه رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الشيخ محمد بوسليماني، عندما سقط برصاصات على يد بعض الإسلاميين عام 1994. واستغربت الأمر.. فلم يكن يدور في خلدي أن الأخ يمكن أن يقتل أخاه.. وسألت الأخ محفوظ: وهل أنت متأكد أنهم هم الذين قتلوه؟

قال والألم يعتصره: نعم نعرفهم بأسمائهم.. وليس الأمر أمر شهيد واحد بل عشرات.. ونحن نصبر ونحتسب فلا نريد أن نشمت بنا الأعداء.

في هذه السنوات كنت أزور الجزائر مرة في السنة على الأقل، وأستمتع بصحبة وأفكار وأنشطة أخينا محفوظ.. وفي مرة زرنا معاً القاهرة وكنا على موعد مع رجالات الدعوة الذين خرجوا لتوهم من غياهب السجون التي قضوا فيها ما يزيد على عشرين سنة على يد طاغية آخر من طغاة بلادنا.. كانت سعادة الجميع بادية على وجوههم..

الشيوخ سعداء بأن الدعوة التي رعوها، ودفعوا أثماناً باهظة من حياتهم وحياة إخوانهم.. ومن سنوات نفيهم إلى الصحارى في معتقلات الأنظمة من أجلها.. قد أثمرت وأينعت في العديد من البلدان.. والشباب كانوا سعداء فما أعظم أن يلتقي شاب مثلنا(في تلكم الأيام)، مع قيادات شامخة كنا ندرس فكرهم ونتتلمذ على كتبهم.. ونتأسى بصبرهم وثباتهم وتجاربهم..

ما أجمل أن تتضام السواقي مع النهر المتدفق لتشكل جميعاً تياراً عريضاً.. يزداد اتساعاً وعمقاً مع الأيام.

هذه هي مهمة الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية الذي أنشأناه وكنت أمينه العام.. الدعوة في غياب الدعاة.. سألني بعضهم في نهاية اللقاء.. وما علاقتنا بعد هذه البيعة بكم؟ قلت: لقد انتهت مهمتنا.

عام 1975م وبعد مناقشة الميثاق الوطني.. تم اعتقال الشيخ محفوظ النحناح والحكم عليه 15 سنة بعد نشره بياناً بعنوان: إلى أين يا بو مدين؟

ليس محفوظ النحناح وحده الذي حوكم وحكم ظلماً وعدواناً.. بل الأمة بكل أطيافها.. باستثناء الطغاة (أو السوبر باشوات) كما سماهم الكاتب حسين مؤنس.. دخلوا السجن الصغير.. أو السجن الكبير.. وليس أضر بالشعوب من إخافة الناس، وتهديد أمنهم وإهانتهم، وإهدار كرامتهم، وخاصة إذا جاء ذلك كله على يد أولياء الأمر، لأن الشعب يتربى بالقدوة، ويتعلم بالمثل الصالح، فإذا كانت القدوة سيئة.. كانت البلية بلا حدود.

كان لابد من زيارة الحبيب في سجنه.. وسافرت إلى الجزائر مع الأخ راشد الغنوشي.. ولظروف خاصة لم أستطع الوصول إلى أخينا، بل لم يسمح لي بمغادرة المطار، المهم أني قمت بما أستطيع.. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

ما أظلم هذه الأنظمة عندما تمنع الغرباء أن يتبادلوا التحية والمحبة!

ومات بومدين.. وقام استفتاء شعبي على الدستور الجديد في فبراير 1989.. وبإقرار الدستور ألغيت حقبة كاملة من تاريخ الجزائر بكل مكوناتها الاشتراكية والعلمانيـة والديكتاتـورية.. وكان هذا التاريخ يمثل ميلاد الجمهورية الثانية ونهاية احتكار حزب جبهة التحرير الوطني للسلطة لمدة 27 سنة.

في هذه الأجواء.. استعاد المسجد دوره.. وظهرت الحركات الإسلامية قوية تهيمن  على الشارع.. وأفرج عن الشيخ محفوظ بعد قضائه 4 سنوات في السجن..

في لقاء لي معه في الكويت سألته: ولماذا لم تأسسوا حزباً سياسياً.. فالسياسة مواسم وإذا مر الموسم.. فقد لا يعود.. أو قد تتأخر عودته.. قال لي: ليجرب الآخرون الأحزاب.. فالوقت ما زال فيه متسع.. ولم أوافقه ولكني تصورت أن أهل مكة أدرى بشعابها.

في مارس 1989 أنشأ عباسي مدني الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وظهرت جمعية الإرشاد والإصلاح بقيادة الشيخ محمد بو سليماني، وحركة المجتمع الإسلامي (حماس) بقيادة الأستاذ محفوظ النحناح.. وهي الفرع الجزائري للإخوان المسلمين.

واختلطت الأمور.. جبهة الإنقاذ تفوز في الانتخابات البلدية.. وفي المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية.. وكثرت التصريحات التي تعتبر الديمقراطية كفراً.. والتي تهاجم رئيس الدولة الذي فتح صفحة الحريات.. فاغتنمها الجيش فرصة فبطش بالجبهة وزعمائها.. وبرئيس الدولة وأنصاره.

قالوا أن المحنة تكون في الضراء وهي أسهل.. وتكون في السراء وهي أصعب، وكذلك كانت محنة الإسلاميين في الجزائر..

واستطاع الأستاذ محفوظ النحناح أن يتخذ له طريقاً وسطاً.. كان كمن يمشي على سلك مشدود.. الجيش يخشاه والإنقاذيون يتهمونه.. ومع ذلك فقد سار في الطريق الصعب.. لينقذ إخوانه وينقذ الحركة التي أقام بنيانها والتي أصبحت الرقم الأهم في الواقع الجزائري.

لقيته في طرابلس الغرب عام 1990م.. وكان الاجتماع الذي حضرته وفود من أنحاء العالم العربي والإسلامي لمناقشة قضية الاحتلال العراقي لدولة الكويت.. كانت معظم الأصوات تؤيد العراق.. وقليل منها كان مع حق الكويت وحرية أبنائه. ورأيته يزأر كالأسد ويقول: كلكم مهتم بحفظ ماء وجه صدام.. ولا أرى أحداً يهتم بدماء أهل الكويت!

هكذا كانت مواقفه عفه نظيفة شريفة.. مثل أخلاقه العالية الرفيعة.

وترشح الأخ محفوظ النحناح للانتخابات الرئاسية التي أجريت بالجزائر في نوفمبر 1995م، وفاز بالمركز الثاني بعد حصوله على 3 ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة.

يومها كتبت للأخ محفوظ.. وقلت له: أن هذا الذي حصل يدل على أن الإسلاميين على اختلافهم بدأوا يتجمعون.. وكان هذا بفضل سياسة النفس الطويل والصبر الجميل الذي قمتم به.. وهذه الـ25% من الأصوات التي حصلتم عليها تساوي النصر، فـ25% من الأصوات المعارضة أقوى وأهم من 90% مما يحصل عليه قادة بلادنا زوراً وبهتاناً.

وتمكنت الحركة التي يرأسها الأخ محفوظ النحناح من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، حيث شاركت بسبع حقائب وزارية في الحكومة الجزائرية.

وكان للأخ محفوظ النحناح دور كبير في نبذ العنف والإرهاب وإدانته وكرّس مشواره الدعوي منذ أكثر من ثلاث عقود في الدفاع عن العقيدة الصحيحة، وقيم الوسطية والاعتدال.

كان اللقاء الأخير في استانبول في يوليو 2002م، جاء إلى استانبول مع أسرته لقضاء فترة نقاهة بعد آلام مرضه المبرحة ومعالجات طالت.. لم أعرف يومها ذلك.. فقد كانت صلابة المجاهد تغلب عليه.. خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصه.

وإني يا شيخنا محفوظ محزون لفراقك.. ولا نقول إلا ما يرضي الله..

وأنتم يا إخوان محفوظ في الجزائر وخارجها.. أذكروا أخاكم بدعوة صالحة وليس عندي ما أضيف الآن غير قولة المتنبي:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر               فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

رحم الله أخي الوفي الشجاع محفوظ النحناح رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

الكويت 25/6/2003م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 12, 2013 in خواطر حول العالم

 

القذافي ينسحب من الجامعة العربية

(3) القذافي ينسحب من الجامعة العربية – من سلسلة خواطر حول العالم – خواطر من ليبيا

صرح العقيد القذافي لوكالة (فرانس برس) فقال: لقد تخليت عن الشأن الليبي نهائياً. وسأتفرغ لمهمات استراتيجية ودولية في محاولة لإخراج العالم الإسلامي من قفص الاتهام والحيلولة دون قيام حرب صليبية جديدة.. وأعلن أنه يسعى لتشكيل تجمع إسلامي عالمي على غرار تجمع جوها نسبرغ (قمة الأرض) على أن لا يكون مقتصراً على الحكومات وقادة الدول الإسلامية، بل تتواجد فيه فعاليات العالم الإسلامي والعربي.

معمر القذافي

وأضاف أن المهمة الأخرى التي سأتفرغ لها هي الفضاء الأفريقي، وهي مهمة غير سياسية، سأحاول ربط النهر الصناعي العظيم في ليبيا مع الأنهار الطبيعية الأفريقية من النيل إلى بحيرة تشاد، وتحويل الصحراء إلى جنة(الحياة 5/9/2002م).

وإذا كان القذافي بصدد مراجعة سياساته وأفكاره وتجاربه فلا بأس أن نقف على بعض محطاتها.. فهي محطات مشتركة لا تخص ليبيا وحدها.. ولكنها تخص جميع الدول الثورية التي وصلت إلى السلطة على ظهر دبابة..!!

وإذا كانت المرحلة التي تمر بها الدول العربية والإسلامية، مرحلة عصيبة فمن المناسب أن نتناول قضايا هذه الأمة بشيء من التوضيح.

القذافي والوحدة العربية

من المعروف أن القذافي الذي قام بانقلابه العسكري في الأول من سبتمبر عام 1969.. والذي باركه زعيم القومية العربية جمال عبد الناصر الذي كان خارجاً من هزيمة عام 1967 أمام إسرائيل.. فقال له: أرى فيك شبابي.. وبعد سنة من مقولة عبد الناصر هذه.. توفي زعيم القومية العربية.. فتسلم منصبه العقيد القذافي..

نادى بالوحدة.. ولم يترك بلداً عربياً إلا وحاول أن يتحد معه.. مع تونس، والمغرب، ومصر، والسودان. كانت فلسفته في الوحدة.. أن ليبيا فيها الزعيم وأرصدة البترول.. فكان يحتاج شعباً كبيراً يحكمه.. وفشلت بالطبع كل هذه التجارب وانقلبت في كثير من الأحيان إلى مآس وحروب.. كما حصل بين مصر وليبيا.. ومع الزمن أدرك القذافي أن فكرة الوحدة مع الأقطار العربية تحتاج نوعاً آخر من المبادئ والظروف والزعامات.. فقلب صفحتها.. وصرح في أيامه الأخيرة.. أن ليبيا لا تستطيع التعلق بعواطفها مع العرب.. وان الجامعة العربية لا معنى لها.. فهي ذليلة وفاشلة ولا تساوي شيئاً، وأنه قرر الانسحاب منها.. وأصرّ على موقفه رغم زيارة الأمين العام للجامعة السيد عمرو موسى والرئيس مبارك إلى ليبيا.

وحاول القذافي – شأنه شأن جميع القادة الثوريين – أن يستغل القضية الفلسطينية.. فتدخل بالمال والسلاح مع الفصائل الفلسطينية المتواجدة في لبنان.. ولكنه انتهى في آخر المطاف إلى اتهامه بتصفية الإمام موسى الصدر الذي مازالت قضيته مفتوحة حتى اليوم.. وإخراج الفلسطينيين الذين يعملون في ليبيا وتركهم بالصحراء على الحدود المصرية، مع أسرهم وأطفالهم بحجة اعتراضه على اتفاقيات أوسلو.. وكأن الشعب الفلسطيني هو المسؤول عن انحرافات زعمائه.. ومن أجل تحرير القدس.. وآخر إنجازاته في القضية الفلسطينية هو دعوته لتشكيل دولة إسراطين!! بين إسرائيل وفلسطين.. وأرسل وفداً من عملائه لزيارة إسرائيل!!

وكان القذافي شديد الاهتمام بالثورة التحررية العالمية.. فهو مع كل فريق يناهض الاستعمار.. يقدم لهم المال والسلاح.. وأخيراً اتهموه بنسف الملهى الليلي في ألمانيا، وبتسليح الجيش الجمهوري الإيرلندي، وبإسقاط الطائرة الفرنسية (يوتا) فوق صحراء النيجر عام 1989، وإسقاط طائرة البان أمريكان في لوكربي عام 1988.. وردّت أمريكا على تصرفاته بهجوم جوي على ليبيا.. وبفرض الحصار عليها.. وها هو بعد هذه التجارب الثورية يصرّح بأن بلاده ستنصاع من الآن فصاعداً للشرعية الدولية التي احتجت عليها لفترة طويلة، واعترف بانه لا يمكننا إلا أن نستسلم للشرعية الدولية مهما كانت مزورة من قبل أمريكا وإلا سنداس بالأقدام. ولقد اضطر إلى دفع تعويضات تقدر بعشرة ملايين دولار للفرد الواحد من ضحايا طائرة لوكربي.

ردة الفعل هذه.. هي من نوع الفعل.. وإذا كان الفعل متهوراً. فإن ردة الفعل ستكون على نفس المستوى من الإسفاف والهوان.

ونقل القذافي احلامه من الوحدة العربية إلى الاتحاد الأفريقي.. الذي أعلن عن قيامه في دربان في جنوب أفريقيا في 9 يوليو 2002م.

كان القذافي يحلم بأن تستضيف ليبيا مقر الاتحاد عوضاً عن اديس أبابا العاصمة الإثيوبية.. وأن تعقد قمة إعلان الاتحاد على أرضها فهو أول من نادى بهذا الاتحاد.. وان تستضيف البرلمان الأفريقي.. فهل سينجح القذافي في أفريقيا فيما أخفق فيه في العالم العربي..

هل سيتذكر الأفارقة حربه في تشاد واحتلاله الشريط الحدودي (اوزو) الذي قيل انه غني باليورانيوم؟ وهل سيتذكر الأفارقة تفاهماته مع فرنسا على حساب حركة تحرير تشاد (فرولينا) وتصفية قياداتها التي كانت تنطلق من ليبيا بحماية الملك إدريس السنوسي؟

لا أعتقد أن الأمر سيغيب عن الأفارقة.. ولقد حملت صحيفة ميكروري الصادرة في جنوب أفريقيا على القذافي ووصفته بالديكتاتور الذي يبغض الديمقراطية.

أما تفرغ القذافي للمهمات الاستراتيجية، وتخليه نهائياً عن الشأن الليبي.. فهذه فكرة قديمة جديدة!

أثناء حرب الخليج الثانية.. حضرت مؤتمراً عقد في طرابلس الغرب لمعالجة هذه القضية.. وعلى العشاء كنت مع الأستاذ نجم الدين أربكان والأستاذ محمد أحمد الشريف رئيس جمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا وعدد من الضيوف..

سألت الأستاذ الشريف وهو من المقربين للعقيد القذافي: ماذا تفعلون حتى تتجنبوا المصير الذي آلت إليه الحكومات الثورية باعتمادها على أجهزة المخابرات وقمع المعارضة وفتح السجون لكل من يتكلم ضد السلطة.. فأجاب: ليس عندنا سلطة، الحكم عندنا للشعب..!!

فتفرغ القذافي للمهمات الاستراتيجية هو ادعاء قديم.. والسلطة للشعب في داخل ليبيا ما زال الكثيرون يعتقدون أنها مجرد ادعاء.. وأن كل شيء في ليبيا هو بيد قائد الثورة.. والمراقبون يتساءلون: لماذا لم تتضمن الموازنات الصادرة عن الحكومة الحجم الفعلي لعائدات الجماهيرية من النفط، ولا مردود الاستثمارات الخارجية، ولا صادرات ليبيا من البتروكيمياويات..؟

وإذا تفرغ القائد للشؤون الخارجية.. فلمن سيعطي هذه الصلاحيات..؟ الأمر في مجمله مجرد شعارات تستر مواقف لا تمت للديمقراطية أو الحرية أو الشفافية بصلة.

وتطرق القذافي مؤخراً إلى أن السجون في ليبيا ستكون فارغة اعتباراً من هذا العيد (يقصد عيد الانقلاب) باستثناء مجموعة من الزنادقة.. ويقصد بالزنادقة الإخوان المسلمين.. الذين يعتبرهم عملاء الأمريكان.. وكل من يحتاج الإطلاع على وثائق عمالتهم.. فليحضر إلى مكتبه في مجلس قيادة الثورة..! عندما حدثنا في المؤتمر الذي عقد بمناسبة حرب الخليج بهذه التفصيلات.. قلت في نفسي: من يقول أن القذافي تحرسه دولة المخابرات.. ما دام بإمكان أي صديق زيارته في مكتبه؟!

القذافي يهوى التجديد.. فالشهور أعاد تسميتها.. والتقويم الهجري يبدأ من تاريخ وفاة الرسول.. وإذا لم يعجب الناس في ليبيا كتابه الأخضر فهو على استعداد لتطبيق الكتاب الأحمر.. شيء واحد.. اتفق فيه القذافي مع بقية الثوريين.. فهو يهيؤ أبناءه ليكونوا ملوكاً في المرحلة القادمة!!

مطار طرابلس الغرب 6/11/2002م

Share
 
Leave a comment

Posted by on September 9, 2013 in خواطر حول العالم