RSS

Author Archives: Mustafa

كيف اعتلى الدولار عرش العملات؟

محمد طارق

 قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد أن تأكد الحلفاء من النصر اجتمع في منتجع بريتون وودز في ولاية نيو هامبشير بالولايات المتحدة عام 1944 ممثلون من 44 دولة لوضع إطار لنظام مالي عالمي جديد لتجنب اضطرابات نقدية وتجارية سادت في سنوات الحرب، وقيل إنها كانت أحد أسبابها.    

وخرج المجتمعون بعدة قرارات أهمها:

* أن نظام تعويم سعر الصرف الذي ساد في الثلاثينيات مثل عائقا للتجارة والاستثمار وأسفر عن حالة من عدم الاستقرار.

* أن نظام تقويم أسعار العملات بالذهب (معيار الذهب) والذي ربط العملات بصورة دائمة بالذهب كان نظاما صارما.

* إن لم يكن بإمكان العملات تعديل أسعارها بحرية فإنه يجب أن تكون هناك طريقة يمكن الاعتماد عليها للتأكد من أن لدى كل دولة احتياطيات كافية من الذهب أو الدولار لضمان عملاتها. وسوف يتم إنشاء صندوق للسيولة لخدمة هذا الهدف.

* لن تكون هناك عودة للأسس الاقتصادية والاتفاقات التجارية الثنائية التي عقدتها ألمانيا النازية ولن يكون هنالك أيضا عودة لسياسة الأفضلية الإمبريالية. وهو مصطلح ظهر نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين ويعني ربط الإمبراطورية عن طريق فرض ضرائب أقل على الواردات من المستعمرات دون غيرها.

* يجب أن يتم تنظيم التعاون المالي والنقدي الدولي عن طريق مؤسسة دولية.

 وبناء على الاتفاقية تم إنشاء صندوق النقد الدولي لضمان وصول الدول الأعضاء إلى الأموال للمساعدة في ربط قيمة عملاتها.

 وقامت الدول الأعضاء بالمساهمة في الصندوق بناء على حجم اقتصاداتها ويمكن لها السحب من الصندوق بالتناسب مع حصصها عندما تحتاج إلى احتياطات لمساندة عملاتها.

وكان إنشاء الصندوق مخرجا اقترحه الأميركيون لحل مشكلة السيولة.

استقرار أسعار الصرف

ووافقت الدول الأعضاء بين عامي 1945 و1971 على المحافظة على أسعار صرف عملاتها مقابل الدولار في وقت كانت أوقية الذهب تساوي 32 دولارا.

أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنه تم ربط قيمة عملتها بالذهب، لكنها حصلت على امتياز لتغيير قيمة الدولار من أجل تعديل ضروري في ميزان المدفوعات بعد صندوق النقد الدولي.

ويعرف هذا النظام بنظام بريتون وودز وقد استمر حتى عام 1971 عندما قررت الحكومة الأميركية وقف تحويل الدولار واحتياطيات الدول الأخرى من الدولار إلى ذهب.

ومنذ ذلك الحين ظلت الدول الأعضاء في الصندوق حرة في اختيار أي نظام لتسعير عملتها مقابل العملات الأخرى، عدا اللجوء إلى الذهب.

وفضلت الدول هذا النظام إما لأنه يسمح لها بطبع المزيد من الأوراق النقدية للاستخدام المحلي أو لأنه لا يوجد لديها عملات أجنبية كافية لشراء الذهب.

وطبقا لفك الارتباط هذا فقد أصبحت العملة تتحرك بحرية أو ما يسمى بالتعويم، ويمكن أيضا ربطها بعملة أخرى أو بسلة من العملات، ويمكن لدولة تبني عملة دولة أخرى، أو أن تسهم في كتلة واحدة من العملات مع دول أخرى.

كيف يتم تسعير العملة

بعد فك الارتباط بين الدولار والذهب عام 1971 دخل العالم مرحلة تعويم العملات بمعنى أن قيمة العملة يمكن أن تزيد أو أن تنقص كل يوم عن اليوم السابق.

لكن ما العوامل التي تحدد صعود أو هبوط قيمة العملة؟

إن الجواب على ذلك هو في شراء الدول من كل أنحاء العالم عملات الدول الأخرى.

ويستمد الدولار الأميركي قوته من حجم الإقبال على شرائه لاستخدامه عملة احتياطية أو لتسديد ثمن تجارة، وفي حال توقف المستثمرون عن شراء الدولار فإن قيمته تنخفض بشكل حاد.

ومنذ تخلي الدول عن معيار الذهب هبطت احتياطياتها من الذهب إلى حد ما، وتم استبدال عملات دول أخرى به مثل الدولار وغيره.

الاحتياطي دعم للعملة

تنبع أهمية احتياطيات الدول من العملات الأجنبية  من دعم العملة المحلية وثانيا في تسديد الديون الدولية.

ويمكن لأي دولة الاحتفاظ باحتياطياتها من أي عملة أجنبية تريد أن تحدد مقابلها سعر صرف عملتها. فمثلا إذا حددت دولة ما سعر صرف عملتها مقابل الدولار بأربعين ليرة فإنه يجب عليها الاحتفاظ بدولار واحد مقابل كل أربعين ليرة تقوم بطباعتها، ما يعني أنه يجب الاحتفاظ باحتياطيات من العملة الأجنبية تكفي لتحويل كل العملة المحلية على أساس سعر الصرف المحدد.

وبمعنى آخر إذا افترضنا أن دولة ما تمتلك أربعة تريليونات ليرة فلكي تحافظ على سعر عملتها بأربعين ليرة للدولار فإنه يجب أن تحتفظ بمائة مليار دولار من الاحتياطيات.

ويتم تحديد سعر الصرف عن طريق واحد من ثلاثة أنظمة وهي الثابت والتعويم والتعويم تحت السيطرة.

وفي حال التعويم يتم خضوع سعر الصرف للعرض والطلب أما في الحالتين الأخريين فإن الحكومة أو البنك المركزي يحددان سعر الصرف.

العملة العالمية

لا يوجد اسم رسمي عالمي لعملة بعينها. وقد استخدم  الدولار الأميركي خاصة، والجنيه الإسترليني واليورو والين عملات عالمية.

وبسبب كبر حجم السوق الأميركية كشريك تجاري، تشتري دول كثيرة أو تحتفظ بالدولار لتسديد ديونها للولايات المتحدة كما أن العديد من الدول يحتفظ بالدولار احتياطيا إضافيا إلى الذهب.

ومن الأسباب الأخرى للتوسع في استخدام الدولار أن أسعار العديد من البضائع التي يتاجر بها عالميا يتم تسعيرها بالعملة الأميركية. وذلك يعني أن حجم التجارة بالدولار يجعل من العملة الأميركية العملة الأولى في العالم للتجارة والاحتياطيات.

وفي المقابل ما يجعل العملة أقل جذبا للمستثمرين الوضع الاقتصادي للدولة، إلى جانب عجوزات الموازنة العامة وعجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات وحجم الديون.

حرية طباعة النقد

تستطيع الدولة طباعة كميات النقد التي تريدها لكن لكي لا يأكل التضخم قيمة النقد تشرف البنوك المركزية على كمية المعروض النقدي.

وفي حال الولايات المتحدة فإن مجلس الاحتياطي الاتحادي يحدد أسعار الفائدة على القروض الممنوحة للبنوك، وعلى أسعار الفائدة بين البنوك، ويتأكد من احتياطيات البنوك لتغطية حساباتها، ويراقب عمليات تحويل النقد بين البنوك والمؤسسات الأخرى وتحويل الأموال من عملة إلى أخرى.

لكن زيادة العجوزات تدفع الحكومات كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة إلى طلب المزيد من القروض من الاحتياطي الاتحادي بأسعار فوائد محددة ما يعني طبع المزيد من النقد وهو ما يهدد بارتفاع نسبة التضخم وانخفاض قيمة العملة عند سداد القروض.

وفي حال عدم وجود مشترين للدين الحكومي فإن سعر الدولار قد يتدهور مما قد يدفع البنوك خارج الولايات المتحدة إلى بيع الدولار ليضاعف الأزمة.

حقوق السحب الخاصة

وهي عملة يستخدمها صندوق النقد الدولي وبعض المنظمات الدولية كما تستخدمها بعض الدول لربط عملاتها وتستخدم لتقويم بعض الأدوات المالية العالمية.

وقد اقترحت حقوق السحب الخاصة في نهاية خمسينيات القرن الماضي لكن صندوق النقد أصدرها في نهاية الستينيات.

وقد لجأ صندوق النقد الدولي إلى حقوق السحب الخاصة بديلا عن الذهب والفضة في المعاملات العالمية الضخمة.

ومع محدودية كميات الذهب في العالم ونمو اقتصادات الدول الأعضاء في الصندوق، كان هناك حاجة لزيادة الوحدة المستخدمة كأساس لتقويم هذه المعاملات.

ويمكن للصندوق إصدار حقوق السحب فقط عند موافقة 85% من أعضاء الصندوق.

وهذه الآلية تعطي الولايات المتحدة (التي تتمتع بأكثر الأصوات طبقا لحجم تجارتها مع العالم) ميزة الاعتراض على إصدار هذه الحقوق.  لتضمن الولايات المتحدة بذلك ميزة للدولار على المستوى العالمي.

وقد تم إصدار حقوق السحب الخاصة مرتين فقط في تاريخ الصندوق، مرة عند إصدارها لأول مرة والأخرى في عام 1981 ليصبح حجمها 21.4 مليارا (نحو 32 مليار دولار طبقا لأسعار الصرف الحالية).

وتم تخصيص حقوق السحب الخاصة لـ144 دولة فقط من الدول الأعضاء لأن العديد من الدول الأخرى انضم إلى الصندوق بعد عام 1981.

ويجب إصدار حقوق السحب للدول بالتناسب مع حصتها في الصندوق. وبما أن الحصص في الصندوق تعتمد بشكل عام على الناتج المحلي الإجمالي فإن الدول الغنية هي التي تستأثر بأغلبية حقوق السحب.

ويمكن لحقوق السحب الخاصة أن تحل محل الدولار كعملة احتياط عالمية إذا وافقت الدول الأعضاء على ذلك. ويعني هذا إصدار حقوق سحب جديدة وتخصيصها للدول.

يشار إلى أن حجم الاحتياطيات العالمية من العملات وصل في نهاية 2008 إلى 6.7 تريليونات دولار.

وتؤيد الصين ومجموعة خبراء تابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة خاصة بالإصلاحات المالية العالمية فكرة إيجاد عملة للاحتياطيات العالمية.

كيف تقوم حقوق السحب

وتعتمد قيمة حقوق السحب الخاصة على سعر سلة من العملات هي الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني.

ويتم إعادة النظر في مكونات السلة من قبل مجلس إدارة صندوق النقد الدولي كل خمس سنوات لتعكس الأهمية النسبية لهذه العملات في أنظمة العالم التجارية والمالية.

وكانت آخر مرة تم فيها تقويم حقوق السحب الخاصة هي عام 2006. وتسري هذه المدة حتى عام 2010.

وطبقا لهذا التقويم فإن مساهمة الدولار في السلة يصل إلى 44% في مقابل 34% لليورو و11% للين الياباني و11% للجنيه الإسترليني.

الجزيرة 13/4/2009م

 
 

العالم بدون إسلام.. نظرة تحليلية في رؤية أمريكية

طرحت مرحلة ما بعد الحرب الباردة أبعادًا ثقافية وحضارية لم تكن مطروحة من قبل؛ سواءً على البعد النظري الأكاديمي أو البعد السياسي.

وباتت هناك أولوية للاهتمام بالأبعاد الثقافية والحضارية في العلاقة بين الإسلام والغرب؛ على عكس أولويات الاهتمام فيما قبل ذلك؛ حيث كانت الأولويات العسكرية (في الخمسينيات والستينيات) ثم الأولويات الاقتصادية (في السبعينيات والثمانينيات) هي المهيمنة والمسيطرة على الساحة الدولية؛ الأمر الذي أدى إلى استدعاء صراع الحضارات والثقافات، ليصير هو المهيمن في القرن الواحد والعشرين، بدلا من صراع سياسات القوى في القرن العشرين، كما تؤكد الدكتورة نادية مصطفى أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وإحدى المتخصصات في هذا الموضوع.

إن الأدبيات الغربية التي تحدثت عن عودة الاهتمام بالثقافة والدين في علم العلاقات الدولية، وعن تجدد بروز أهمية الدين على الساحة الدولية، ليست بقليلة، ابتداءً من سيمون موردن إلى يوسف لابيد إلى فريد هاليداي إلى باري روبين إلى جوناثان فوكس إلى جورج فيجيل، وآخرون غيرهم كثيرون، لن يتسع المقام إلى ذكرهم جميعا.

وعلى الرغم من الجدل حول طبيعة الوزن الثقافي في تفسير العلاقات الدولية، فإن هذا الجدل وما ينتج عنه من نماذج تطبيقية يعكس مدى الزخم الذي تلقاه الثقافة والدين في أدبيات العلاقات الدولية.

ونقلا إلى مستوى العلاقة بين أكبر قوة في العالم (الولايات المتحدة) وبين أكثر المناطق حساسيةً ثقافيا وحضاريا (العالم العربي والإسلامي)، فقد كتبت أقلام غربية كثيرة -مثل صاموئيل هنتنجتون وفرانسيس فوكوياما وبرنارد لويس ودانييل بايبس- عن تحول البعد الثقافي من مجرد بعد ثانوي إلى مُحرك أولي وأصيل للإستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، وكذلك تحوله إلى مبرر وموضوع للإستراتيجية الأمريكية.

وعلى الوجه المناقض وُجد توجه أكاديمي غربي ثانٍ -مثل جون إسبوزيتو وفواز جرجس- يُهون من ذلك البعد الثقافي، مُفترضا أنه لم يكن أبدا -ولن يكون- من ضمن أولويات الإستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية الإسلامية، ومُفترضا كذلك أن الصراع بين الولايات المتحدة والإسلام ليس صراعا حضاريا، وإنما هو صراع مصالح بحت؛ وأن الحسابات الأمنية والإستراتيجية هي التي كانت -وما زالت- تحتل قلب الاهتمامات الأمريكية، وليس الحسابات الثقافية والحضارية.

وقد بدا لي عبر قراءتي لمقال العالم دون إسلام -والذي كتبه جراهام فوللر، الأستاذ المساعد في كلية التاريخ بجامعة سايمون فريز في فانكوفر، بمجلة فورين بوليسي الأمريكية- اندراج فوللر تحت لواء التوجه الثاني الذي يتجاهل البعد الثقافي، آخذا مكانه مع زميليه إسبوزيتو وجرجس؛ فقد انصب محور مقاله الأساسي حول النقطة الآتية: إن العالم المُفترض الخالي من الإسلام لم يكن ليختلف كثيرا عن ذلك العالم الذي نعيشه اليوم، بمعنى آخر: لو لم يكن الإسلام موجودا لما حدث فارق كبير، فالعالم سواءً بالإسلام أو بدونه هو في النهاية عالمٌ واحد.

هذا ما ذهب إليه فوللر باختصارٍ شديد، وهو الأمر الذي يفرض علينا طرح التساؤل الآتي:

هل لم يكن الإسلام فعلا عنصرا فارقا مع العالم؟

وهل كان عدمه مساويا لوجوده؟

شهادة حق

قبل الدخول في هذه النقطة لا بد أولا من الإدلاء بشهادة فوللر في حق الإسلام؛ حيث أشاد بأن الإسلام كان عنصر توحيدٍ من الدرجة الأولى على نطاق الإقليم، وأنه أوجد -باعتباره دينا عالميا- حضارة عظيمة وممتدة على نطاق العالم، وأنه أثر على الجغرافيا السياسية، فإذا لم يكن هناك الإسلام فربما كانت الدول الإسلامية في جنوب وجنوب شرقي آسيا اليوم -وخاصة باكستان وبنجلاديش وإندونيسيا- متجذرة في نطاق العالم الهندوسي.

وكذلك أشاد بالحضارة الإسلامية التي قدمت نموذجا راقيا يمكن أن يحتكم إليه جميع المسلمين في مسألة مقاومة انتهاكات الغرب، حتى لو فشل ذلك الاحتكام في صد التيارات الاستعمارية الغربية فقد خلق ذاكرةً تاريخيةً للمصير المشترك لا تُمحى.

ويرفض فوللر تبرير ربط أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بالدين، والتغافل عن مظالم الغازي الأجنبي، كما يرفض إلصاق الإرهاب بالمسلمين وحدهم، مستشهدا بالاغتيالات الكبيرة التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بواسطة الفوضويين الأوروبيين والأمريكيين، ومستشهدا بالتاريخ الحديث للنشاط الإرهابي؛ حيث أوردت مجلة يوروبول 424 هجمة إرهابية في الاتحاد الأوروبي عام 2006م؛ لم ينفذ منها المسلمون إلا هجمةً واحدة، ومستشهدا بالحروب العالمية التي فرضها الأوروبيون مرتين على بقية العالم؛ حربان عالميتان مدمرتان بلا مثيل لهما في التاريخ الإسلامي.

ويتعجب فوللر من الذين ينتقدون الإرهاب العربي في الغرب؛ طارحا السؤال الآتي: لماذا لا يستخدم العرب الإرهاب ردا على الإرهاب الذي يُمارس ضدهم من قبل إسرائيل والولايات المتحدة؟ فمثلما تقوم الجماعات الراديكالية ببث مظالمها في عصر العولمة، لماذا لا نتوقع منهم نقل كفاحهم إلى قلب الغرب؟.

ويفترض فوللر أن أحداث سبتمبر كانت ستقع حتما، إن عاجلا أو آجلا؛ فالغرب لم يترك للعرب حلا إلا المواجهة بالإرهاب؛ ليدافع عن نفسه ضد الظلم الواقع عليه ليلا ونهارا، ومن ذلك قوله: نحن نعيش في عصر صار فيه الإرهاب سلاح الضعفاء المختار.

إلا أن ذلك كله يفرض علينا تساؤلا وجيها، وهو: هل كان فعلا المسلمون المنفذين الحقيقيين لأحداث سبتمبر؟ وهل كانوا هم فعلا المنفذين لأحداث الإرهاب التي حدثت في داخل أوروبا بعد أحداث سبتمبر؟

إن فوللر يتحدث وكأن المسلمين فعلا هم الضالعون في تلك الأحداث؛ وهو ما كذبته ونفته بحوث وكتب وتقارير غربية غير إعلامية، ومن ثم يمكن القول إنه على الرغم من إشادة فوللر بالإسلام في كثير من الأمور -وهو أمرٌ يُشهد به لباحث غربي- فإنه وقع في نفس المطب الذي يقع فيه المثقفون الغربيون عامةً؛ وهو المطب الذي نصبه الإعلام الأمريكي والأوروبي والعربي أيضا لإلصاق تهم الجرائم الإرهابية بالمسلمين والإسلاميين، دون وجود أدلة دامغة وحقيقية.

هل كان احتلال موارد فقط؟

انطلق فوللر من حُجته قائلا: إن الصورة المُفترضة عن العالم بدون إسلام هي عبارة عن (شرق أوسط) تهيمن عليه الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية التي تساورها تاريخيا ونفسيا الشكوك وربما العداء للغرب.

فمسيحيو الشرق (الأرثوذكس) كانوا سيثورون على الهجمات المسيحية الغربية التي استهدفت السيطرة على ثروات وموارد الشرق، كانوا سيقاومونهم مثلهم مثل المسلمين، كما يؤكد فوللر؛ معللا ذلك بتوجس الأرثوذكس الشرقيين تاريخيا من الغرب؛ ولعل التاريخ الأسود الذي شهدته العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية الغربية في روما والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في القسطنطينية خيرُ دليلٍ على ذلك.

إن فوللر يتحدث وكأن الهجمات الغربية على الشرق لم تكن إلا بهدف وضع اليد على الموارد والثروات؛ منكرا الهدف الآخر المتمثل في محاربة الإسلام كنظام وفكر وأسلوب حياة.

نعم، لقد سعى الغرب المحتل نحو الهيمنة على ثروات الشرق، ولكنه سعى أيضا نحو محاربة الهوية الإسلامية، ومحو الشخصية الإسلامية سواءً للفرد أو الجماعة، وإخراج الفرد المُسلم من إصر الجماعة الإسلامية تحت شعار الحرية الفردية المُطلقة.

إن المنظومة الإسلامية التي تناهض العلمانية والمادية والفردية والرأسمالية لم تكن أبدا ولن تكون في مصلحة القوى الغربية المحتلة؛ سواءً كانت تلك القوى تُمثل الإمبراطورية الرومانية أو القوى الصليبية أو الإمبراطورية البريطانية أو الإمبراطورية الأمريكية الحالية، بل إن هدف الغرب المحتل في السيطرة على موارد العالم الإسلامي كان -وما زال- يصب في خدمة هدف محاربة المنظومة الإسلامية. باختصار، هما هدفان لا ينفكان عن بعضهما البعض.

ألم يمنع الإسلام ظلما؟

يرى فوللر أن وجود الإسلام مثل عدمه؛ فالظلم واحدٌ في الحالتين، ومقاومته واحدةٌ في الحالتين أيضا، وهي إن لم تكن مقاومة إسلامية، فستكون أرثوذكسية أو ماركسية أو قومية، لكنه لم ير أن العالم دون إسلام كان سيكون أكثر ظلما وطُغيانا، لم ير أنه لولا الإسلام لظل الإنسان حبيسا للجبروت الذي كان يتزعمه أباطرة الروم وأكاسرة الفُرس وسادة قريش؛ ولا سيما في ظل عدم وجود شريعةٍ حاكمةٍ سواءً في الدين المسيحي أو في الدين اليهودي.

لم ير قوة الإسلام التحريرية التي حررت الإنسان جسدا وفكرا وعقلا وقلبا من استسلامه للآدميين إلى الاستسلام لرب الآدميين، لم ير تمكّن تلك القوة في وجدان المسلمين وعقولهم، وتحركهم نحو فتح بُلدان العالم لتحريرها مثلما تحرروا، لو لم يكن الإسلام موجودا لأباد الصليبيون والتتار العالم، وحولوه إلى خرابٍ ودمار، ولولا وقوف المسلمين المُتشبعين بالإسلام دينا ومنهاجا ورسالةً وحضارةً ضد الصليبيين والتتار لهلك العالم.

وإذا كان مسلمو اليوم لم يعودوا بمثل قوة الأمس، فإن ذلك قد يعود بالأساس إلى عدم تشبعهم بالإسلام دينا ومنهاجا ورسالةً وحضارةً، ومن ثم تفريطهم في مسئوليتهم العالمية، واستقالتهم من دورهم الحضاري في نُصرة المظلوم وضرب الظالم، وتحولهم من أمةٍ شاهدة إلى أمةٍ مشهود عليها.

وعلى الرغم من استقالة الأمة الإسلامية حضاريا، فما زال منها ما يُبقيها، ويشعل جذوتها؛ إنها المقاومة الإسلامية في العراق وفلسطين ولبنان، التي ما زالت تضرب الظلم الصهيوني والأمريكي بيدٍ من حديد، على الرغم من قلة إمكانياتها وكثافة الضغوطات عليها.

ولولا تلك المقاومة الإسلامية لصار العالم الإسلامي بأكمله تحت ألسنة النيران الأمريكية والإسرائيلية، ولم يكن في مقدور القومية العربية -كما يفترض فوللر- أن تفعل شيئا حيال الهجمات الصهيونية الأمريكية؛ فقد انهزمت القومية العربية منذ نكسة 1967؛ ولم يعد لها قائمة؛ وسكوت الأنظمة القومية العربية أكبر شاهد على ذلك.

ومن ثم أوجه كلامي إلى فوللر قائلةً: إن القومية العربية لم تكن لتفعل شيئا ضد الاحتلال الصهيوني الأمريكي؛ ولولا وجود الإسلام متمثلا في (حماس) و(حزب الله) و(المقاومة العراقية) لأكمل (بوش) الابن مشروع الشرق الأوسط الكبير في البقية الباقية من المنطقة العربية.

لقد كتب فوللر قائلا: لا يوجد هناك سبب للاعتقاد بأن رد فعل الشرق الأوسط للهجمة الاستعمارية الأوروبية سيكون مختلفا بشكل كبير من الطريقة التي تعامل بها فعليا في ظل الإسلام.

وأنا أردّ عليه قائلةً: إن ردة الفعل على الهجمة الاستعمارية كانت ستكون مختلفة في ظل الإسلام، فحركات المقاومة الإسلامية فعلت ما لم تفعله حركات القومية العربية؛ ولو كان اعتماد الشعوب العربية على حركات القومية العربية أو الحركات اليسارية فقط، ولو لم يكن هناك مقاومات إسلامية في غزة وجنوب لبنان والعراق، لكان الوضع أسوأ بكثير مما نحن عليه الآن، ولصار العرب والمسلمون نسيا منسيا.

باختصار.. إن حركات المقاومة الإسلامية شكلت عائقا إستراتيجيا أمام الأطماع الأمريكية والإسرائيلية، لم يكن لحركات المقاومة العربية أن تحققه.

أون إسلام 29/9/2010م

 
 

صحوة من سكار الحب

ومن المحبين من هجر الحب المحرم واتصل بالحب الشرعي الطاهر العفيف،

فأنتقل من عالم الزور، ودنيا الهيام، وظلام الغرام، ومقام الآثام، إلى جنة الصدق، وروضة المعرفة، وبستان اليقين، وباحة الإيمان:

فهذا ابن أبي مرثد هام ـ قبل أن يسلم ـ بفتاة وعشقها وسكب عمره في كأس هواها، وأفرغ روحه في كوب نجواها، وفرغ شبابه على تراب مغناها، فلما هداه الله وغسل قلبه من أدران الهوان وأوصار المعصية، أفاق ـ والله ـ من رقده الغفلة، ومن سنة الجهالة، ومن سكرة الغي، على صوت بلال، فارتجف جسمه، وتهذبت روحه، وأعلن في إباء، وصاح في استعلاء : أتوب إليك يا رب، وأقبل على المصحف، وهب إلى المسجد، واستعان بالصبر والصلاة، وأدمن الذكر، وسجل رائعته في ديوان الخلود وسفر النجاة ودفتر المجد:

أأبقى غويا في الضلالة ساردا                كفي بالمرء بالإسلام والشيب ناهيا

وهذا لبيد بن ربيعة الشاعر المشهور:

هام بالغزل ومات بالمقل، وانغمس في الشعر وحده، يعيش للقافية، ويضحي للقصيدة، ولكنه عرف الله عن طريق الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، فتاب من حياة العبث والضياع، ورجع إلى المحراب، وأقبل على التلاوة، وأنشد:

الحمد لله إذ لم يأتني أجلي                   حتى اكتسب من الإسلام سربالا

ونذر لله لا ينظم ولو بيتا واحد، فإن فعل أعتق رقبة، وقال : كفتني سورة البقرة عن الشعر.

وهذا إبراهيم بن أدهم عاشق الملك، وهاوي الإمارة، والمولود في الرئاسة، فكر ذات يوم فقال : كان أجدادي وآبائي ملوكا فأين هم الآن ؟ هل تحس منهم أحد أو تسمع لهم ركزا ؟!، وتذكر قول الشاعر :

وسلاطينهم سل الطين عنهم                  والرؤوس العظام صارت عظاما !

فأعلن توبته، وفر من قصره، وخلع ثياب الملك، وهرب من الترف والجاه والنعيم إلى قرة وراحة الأرواح، فكان يسكن الخراب، ويمرغ أنفه بالتراب، ويأكل الشعير، وينام على الرصيف، ويقول نحن في عيش لو علم به الملوك لقاتلونا عليه بالسيوف:

أمطري لؤلؤا سماء سرنديب              وفيضي آبار تكريت تبرا

أنا إن عشت لست أعدم خبزا            وإذا مت لست اعدم قبرا !

وهذا عمر ابن عبد العزيز ابن النعمة والحشمة، وارث الدور والقصور، أرغد الناس في شبابه عيشا، وأكثرهم ترفا، وأزكاهم عطرا، لكن نفسه تاقت إلى الجنة فزهد في الفاني، ورغب في الباقي، واقبل على الله تعالى، وصدق مع ربه فعدل في الرعية، وأخلص في العبودية، وقاد الأمة الإسلامية خير قيادة، مع ورع متين، وعلم راسخ، وخشوع صادق:

جزاك ربي عن الإسلام مكرمة                  وزادك الله من أفضاله كرما

 

ضحايا الحب- للدكتور الشيخ عائض القرنى

 
 

معدل نمو الإسلام في العالم

نيويورك | أخبار Rupee | 20يوليو، 2008 : في مقابلة جرت مؤخرا مع هيئة الاذاعة البريطانية، وزير الداخلية البريطاني جاك سميث قدم بعض الملاحظات المثيرة للإهتمام حول سرعة انتشار الإسلام في أوروبا.

* في المملكة المتحدة وحدها، 50.000 يعتنق الإسلام سنويا

وفقا لسميث، حوالي 50.000 بريطاني يعتنق الإسلام كل عام. ومنذ عام 2001 اعتنق 400 ألف بريطاني الإسلام. وقال أن تعداد السكان المسلمين فى بريطانيا وصل إلى 2 مليون وأن أتباع الإسلام الآن هم ثاني أكبر تعداد سكاني بعد المسيحيين فى بريطانيا. حتى انه اقترح إنشاء جامعة إسلامية في بريطانيا نظرا للكتلة السكانية الساحقة من المسلمين في هذا البلد.

الزخم والقوة التي ينتشر بها الإسلام فى الغرب جعلت صانعي السياسات وعلماء الدين والباحثين ووسائل الاعلام هناك فى حيرة من أمرهم. فاعتناق الاسلام أصبح منتشر بشكل لا يمكن تصوره خصوصاً بعد 11سبتمبر. ومعظم الباحثين يعتقدون أن التآكل السريع في القيم الدينية والثقافية في المجتمعات الغربية تدفع شعبها نحو الإسلام الذي يقدم بنية ثقافية واجتماعية وأسرية أكثر شمولا وتماسك.

* وفقا لتقرير نشر مؤخرا في مجلة التايمز المرموقة، فإن مئات المساجد الجديدة تظهر الآن فى الغرب، ومعظم الدول الأوروبية الآن تسمع الأذان يومياً خمس مرات. وفى روما يتم تشييد مسجد عظيم بتكلفة ضخمة قدرها 30 مليون دولار على مساحة أرضية تم التبرع بها من قبل الحكومة المحلية.

وفقا للدكتور محمود الصديقي السعيدي، مدير المجلس الأوروبي للأقلية المسلمة، أنه بينما فى تقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة أن عدد السكان المسلمين في أوروبا هي 21 مليون نسمة، فإنها فى الحقيقة يمكن أن تكون 50 مليون نسمة. و وفقا للبيانات المتاحة على موقع islamicpopulation.com، فإن في عام 2006 كانت نسبة السكان المسلمين في أوروبا، بما في ذلك روسيا، نحو 50.70 مليون نسمة.

مع الزيادة في عدد السكان المسلمين في أوروبا، فإن عدد المساجد والمراكز الإسلامية أيضا في نمو سريع. وبينما في بريطانيا لم يكن هناك سوى 13 مسجدا في عام 1963، فأنه في الوقت الحاضر هناك 600 مسجد و 1400 منظمة إسلامية في البلاد.

* وفي فرنسا، التى يبلغ عدد المسلمون بها 6 مليون فإن بها 1300 مسجد ومركز اسلامي بالإضافة إلى حوالي 600 منظمة إسلامية. والمسلمون فى فرنسا لديهم قناة إذاعية على مدار 24 ساعة. ويقدر أن نسبة السكان المسلمين في فرنسا ستصل الى حوالي 8 مليون خلال السنوات ال 15 المقبلة.

* وفي إيطاليا يبلغ عدد السكان المسلمين مليون نسمة، و450 مسجد ومركز إسلامي. ووفقاً للمجلة الإيطالية المشهورة، The Journal، فإنه فى غضون ال 200 سنة المقبلة يكاد أن يكون الإسلام هو الدين الوحيد المتعارف عليه فى المجتمع الأوروبي.

* أما في ألمانيا فيبلغ عدد المسلمين 4 مليون نسمة، و 1400 مسجد ومركز إسلامي. وتقدر نسبة المسلمين هنالك 4%.

* وفى كندا فأن معدل اعتناق الإسلام أصبح تقريبا 130% ما بين عام 1991 و 2001.

* وفي سويسرا حوالي 6000 مسيحي اعتنق الإسلام بعد 11 سبتمبر.

ووفقاً لما قاله جان واكس الباحث بجامعة سان دييغو، أنه بحلول عام 2020 من بين كل أربعة أشخاص في أوروبا شخص مسلم. وتشكل نسبة الشباب المسلم بين 45 و 50 ٪ من المسلمين، أما الاتحاد الأوروبي فتمثل نسة الشباب فيه بين 16 و 20 ٪. وبعبارة أخرى، فإنه في غضون سنوات قليلة سوف يشكل المسلمون 16 الى 20 ٪ من القوى العاملة الأوروبية، ويمكنهم بالتالي التأثير في السياسات وصنع القرار.

* أما ألبانيا فلديها أكبر نسبة كثافة سكانية مسلمة فى أوروبا كلها، باستثناء تركيا، التي تقع على مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا. ووفقاً لنتائج آخر إحصاء رسمي للسكان، فإن الكتلة المسلمة فى ألبانيا تقدر بنحو 2.2 مليون نسمة، أو 70 ٪ من مجموع سكان البلد. على الرغم من أن ألبانيا رسمياً كانت مجتمع ملحد خلال فترة الحكم الشيوعي، والتعبير العلني عن جميع المعتقدات الدينية كان محظور، فإن اليوم أكثر الألبان مسلمين ملتزمين.

* بعد ألبانيا تأتى البوسنة والهرسك بثاني أكبر تعداد سكاني مسلم فى أوروبا، حيث 40 ٪ من البوسنيين، أو 1.5 مليون شخص، يمارسون شعائر الاسلام.

* وفي أوروبا الغربية، تأتي هولندا فى المرتبة الثانية بعد فرنسا، والتي تتضم أكثر من 945000 من المسلمين، ويشكلون 5 ٪ من السكان.

 تقرير الفاتيكان

“للمرة الأولى في التاريخ، لم نعد نحن من يتصدر القمة: لقد تفوق علينا المسلمون” قالها رجل الدين فيتوريو فورمنتى في مقابلة مع صحيفة الفاتيكان L’Osservatore Romano””.

فيتوريو فورمنتى هو الذى يصدر كتاب الفاتيكان السنوي.

قال أن الكاثوليك يمثلون 17.4 في المئة من سكان العالم — نسبة مئوية ثابتة — في حين أن المسلمين كانوا 19.2 في المئة.

وقال “صحيح أنه في حين أن الأسر المسلمة، كما هو معروف جيدا،تواصل إنجاب عدد كبير من الأطفال، فإن الأسر المسيحية على النقيض تميل إلى أن تكون أقل وأقل”

فورمنتى قال أن تلك البيانات تشير إلى عام 2006. حيث قامت البلدان الإسلامية بإحصاء هذه الأرقام، ثم قدمتها إلى الأمم المتحدة، مضيفا ان الفاتيكان لا يمكن أن يجزم إلا على البيانات الخاصة به.

وأضاف أنه بالنظر إلى المسيحين بشكل عام وليس فقط الكاثوليك، فإن المسيحيون يشكلون 33% من سكان العالم.

news.yahoo.com

 

voanews.com

* الإسلام هو واحد من أسرع الأديان انتشارا في الولايات المتحدة، واللاتينيين يمثلوا أسرع الأقليات انتشاراً. وبشكل متزايد، فإن الإتجاهان يتلاقيان فى شكل اعتناق ذوي الأصل الأسباني دين الاسلام.

….. لا توجد أرقام مؤكدة حول عدد اللاتينيين الذين اعتنقوا الإسلام، وإن كان هناك تقدير لحوالي 40 ألف، فهو عدد صغير بالمقارنة مع الولايات المتحدة عموما. فنسبة السكان اللاتينيين تزيد عن 35 مليون نسمة. لكن المسلمين اللاتينيين يقولون أنهم يؤمنوا بأن الكثير سيتّبعوا نهجهم لأنهم يعملون على نشر كلمة الإسلام فى مجتمعاتهم.

voanews.com

دالاس، تكساس
13 يوليو 2005

 

درجات الألوان المختلفة تمثل نسبة المسلمين في تلك الدول للمزيد أرجو الإطلاع على مصدر الخريطة

 
 

ما وقعت والله في ضيق قط إلا فرجه الله عني

الشيخ علي الطنطاوي

 نظرت البارحة فإذا الغرفة دافئة والنار موقدة، وأنا على أريكة مريحة، أفكر في موضوع أكتب فيه، والمصباح إلى جانبي، والهاتف قريب مني، والأولاد يكتبون، وأمهم تعالج صوفا ًتحيكه، وقد أكلنا وشربنا، والراديو يهمس بصوت خافت، وكل شيء هادئ، وليس ما أشكومنه أو أطلب زيادة عليه فقلت الحمد لله.

أخرجتها من قرارة قلبي، ثم فكرت فرأيت أن الحمد ليس كلمة تقال باللسان ولو رددها اللسان ألف مرة، ولكن الحمد على النعم أن تفيض منها على المحتاج إليها.

حمد الغني أن يعطي الفقراء، وحمد القوي أن يساعد الضعفاء وحمد الصحيح أن يعاون المرضى، وحمد الحاكم أن يعدل في المحكومين.. فهل أكون حامدا لله على هذه النعم إذا كنت أنا وأولادي في شبع ودفء وجاري وأولاده في الجوع والبرد ؟ وإذا كان جاري لم يسألني أفلا يجب علي أنا أن أسأل عنه؟

وسألتني زوجتي فيمَ تفكر ؟ فأخبرتها، قالت صحيح، ولكن لا يكفي العباد إلا من خلقهم، ولو أردت أن تكفي جيرانك من الفقراء لأفقرت نفسك قبل أن تغنيهم… قلت لو كنت غنيا لما استطعت أن أغنيهم، فكيف وأنا رجل مستور، يرزقني الله رزق الطير تغدو خماصا وتروح بطاناً..!!

لا، لا أريد أن أغني الفقراء، بل أريد أن أقول إن المسائل نسبية…أنا بالنسبة إلى أرباب الآلاف المؤلفة فقير، ولكني بالنسبة إلى العامل الذي يعيل عشرة وما له إلا أجرته غني من الأغنياء، وهذا العامل غني بالنسبة إلى الأرملة المفردة التي لا مورد لها ولا مال في يدها، وصاحب الآلاف فقير بالنسبة لصاحب الملايين ؛ فليس في الدنيا فقير ولا غني فقرا مطلقا وغنىً مطلقا.

 تقولون : إن الطنطاوي يتفلسف اليوم، لا ؛ ما أتفلسف، ولكن أحب أن أقول لكم إن كل واحد منكم وواحدة يستطيع أن يجد من هو أفقر منه فيعطيه، إذا لم يكن عندك – يا سيدتي – إلا خمسة أرغفة وصحن مجدّرة تستطيعين أن تعطي رغيفا لمن ليس له شيء، والذي بقي
عنده بعد عشائه ثلاثة صحون من الفاصوليا والرز وشيء من الفاكهة والحلو يستطيع أن يعطي منها قليلا لصاحبة الأرغفة والمجدّرة ، ومهما كان المرء فقيرا فإنه يستطيع أن يعطي شيئا لمن هو أفقر منه.

ولا تظنوا أن ما تعطونه يذهب بالمجان، لا والله، إنكم تقبضون الثمن أضعافا تقبضونه في الدنيا قبل الآخرة، ولقد جربت ذلك بنفسي أنا أعمل وأكسب وأنفق على أهلي منذ أكثر من ثلاثين سنة، وليس لي من أبواب الخير والعبادة إلا أني أبذل في سبيل الله إن كان في يدي مال، ولم أدخر في عمري شيئا وكانت زوجتي تقول لي دائما : يا رجل، وفر واتخذ لبناتك دارا على الأقل فأقول: خليها على الله، أتدرون ماذا كان؟ لقد حسب الله لي ما أنفقته في سبيله وادخره لي في بنك الحسنات الذي يعطي أرباحا سنوية… قدرها سبعون ألفا في المئة، نعم (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ) وهناك زيادات تبلغ ضعف الربح (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ).
أرسل الله صديقا لي سيدا كريما من أعيان دمشق فأقرضني ثمن الدار، وأرسل أصدقاء آخرين من المتفضلين فبنوا الدار حتى كمُلت وأنا – والله – لا أعرف من أمرها إلا ما يعرفه المارة عليها من الطريق، ثم أعان الله برزق حلال لم أكن محتسبا فوفيت ديونها جميعا ،ومن شاء ذكرت له التفاصيل وسميت له الأسماء. وما وقعت والله في ضيق قط إلا فرجه الله عني، ولا احتجت لشيء إلا جاءني، وكلما زاد عندي شيء وأحببت أن أحفظه وضعته في هذا البنك.

فهل في الدنيا عاقل يعامل بنك المخلوق الذي يعطي 5% ربحاً حراماً وربما أفلس أو احترق ويترك بنك الخالق الذي يعطي في كل مئة ربح قدره سبعون ألفا ؟ وهو مؤمن عليه عند رب العالمين فلا يفلس ولا يحترق ولا يأكل أموال الناس.

فلا تحسبوا أن الذي تعطونه يذهب هدرا ، إن الله يخلفه في الدنيا قبل الآخرة.

وأسوق لكم مثلا واحدا : قصة المرأة التي كان ولدها مسافرا، وكانت قد قعدت يوما تأكل وليس أمامها إلا لقمة إدام وقطعة خبز، فجاء سائل فمنعت عن فمها وأعطته وباتت جائعة… فلما جاء الولد من سفره جعل يحدثها بما رأى قال : ومن أعجب ما مر بي أنه لحقني أسد في الطريق، وكنت وحدي فهربت منه، فوثب علي وما شعرت إلا وقد صرت في فمه، وإذا برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي فيخلصني منه ويقول: لقمة بلقمة، ولم أفهم مراده. فسألته أمه عن وقت هذا الحادث وإذا هو في اليوم الذي تصدقت فيه على الفقير نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بها فنزع الله ولدها من فم الأسد.

والصدقة تدفع البلاء ويشفي الله بها المريض، ويمنع الله بها الأذى وهذه أشياء مجربة، وقد وردت فيها الآثار، والذي يؤمن بأن لهذا الكون إلها واحدا ً هو يتصرف فيه وبيده العطاء والمنع وهو الذي يبتلي وهو الذي يشفي، يعلم أن هذا صحيح، والنساء أقرب إلى الإيمان وإلى العطف، وأنا أخاطب السيدات وأقول لكل واحدة ما الذي تستطيع أن تستغني عنه من ثيابها القديمة أو ثياب أولادها، ومما ترميه ولا تحتاج إليه من فرش بيتها، ومما يفيض عنها من الطعام والشراب، فتفتش عن أسرة فقيرة يكون هذا لها فرحة الشهر. ولا تعطي عطاء الكبر والترفع، فإن الابتسامة في وجه الفقير (مع القرش تعطيه له) خير من جنيه تدفعه له وأنت شامخ الأنف متكبر مترفع.

ولقد رأيت ابنتي الصغيرة بنان – من سنين – تحمل صحنين لتعطيهما الحارس في رمضان فقلت لها : تعالي يا بنيتي، هاتي صينية وملعقة وشوكة وكأس ماء نظيف وقدميها إليه هكذا… إنكِ لم تخسري شيئا ، الطعام هو الطعام، ولكن إذا قدمت له الصحن والرغيف كسرت نفسه وأشعرته أنه كالسائل (الشحاذ)، أما إذا قدمتيه في الصينية مع الكأس والملعقة والشوكة والمملحة ينجبر خاطره ويحسّ كأنه ضيف عزيز.

2010/10/14م