RSS

Author Archives: Mustafa

الجوع والأوبئة الفتاكة تفترس مائتي ألف مهاجر في حدود بنغلاديش وبورما

من الأخبار الواردة عن مجيء العرب المسلمين إلى أراكان خلال القرن الثامن الميلادي، أن أسطولاً صغيراً لسفنهم التجارية قد تحطّم نتيجة اصطدامه بالصخور قرب جزيرتَيْ رحمبري، وشدوبا.. وبعد نجاتهم من الغرق لجؤوا إلى القرى المحلية، وبدؤوا ينشرون الإسلام بين أهلها، واستقر الكثير منهم فيها، واستوطنوها، وتزوجوا من نسائها..

وظل الإسلام ينتشر في هذه المنطقة سريعاً خلال القرون المتتابعة، وفي القرن الثالث عشر الميلادي تم تشييد مساجد جميلة وبديعة، وبرزت على الساحل من آسام إلى ملايا، وكانت تُرى من بعيد، وتُسمَّى بـبدر مقام. وخلال تلك السنوات، ازدادت نشاطات العرب التجارية واتسعت حتى جزر أنديمان ونكوبارز، وسواحل: أراكان، وملايا، وجاوة، وسومطرة.. وقد وصل الإسلام وانتشر في هذه المناطق بدون أي مساندة سياسية أو قوة عسكرية، بعيداً عن غزو السلطان محمود الغزنوي للهند، والاضطرابات التي كانت موجودة هناك في ذلك الوقت.

ويشهد التاريخ أن شعب الروهنجيا المسلم في أراكان المحتلة كان شعباً يتمتع بالحرية الكاملة منذ أكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، وكانت له مكانة خاصة في الثقافة والحضارة، بعد تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مجالات الحياة. وظلت أراكان دولة إسلامية مستقلة حتى هاجمها البوذيون عام 1784م؛ فاحتلوا أراضيها، ودمّروا مساجدها، وأغلقوا مدارسها ومعاهدها، وقتلوا آلافاً من المسلمين الأبرياء.. ومنذ ذلك الحين، يتعرّض المسلمون لأبشع وأقسى انتهاكات لحقوق الإنسان، ويواجهون القتل والتشريد والاضطهاد المتواصل، حتى تم إلغاء جنسيتهم عام 1982م في أرض آبائهم وأجدادهم؛ فاضطُر عدد كبير منهم إلى مغادرة وطنهم.

وفي عام 1992م، عندما اشتد العذاب والظلم من حكومة بورما (ميانمار حالياً) على المسلمين الروهنجيا من تدمير المساجد والمدارس واغتصاب النساء ونهب أموالهم قهراً بعد إلغاء جنسيتهم، لم يجدوا أي مأوى يلجؤون إليه، ولم يجدوا أي منظمة حكومية ولا أي منظمة عالمية تقف بجانبهم وتدافع عنهم، فقرروا الهجرة إلى بلاد العالم وترك بلدهم؛ لحماية دينهم وأعراض نسائهم، وقد هاجر معظمهم إلى بنجلاديش.. إلى جانب دول أخرى مثل: السعودية، وباكستان، وماليزيا، وليبيا، وتايلاند، والإمارات العربية المتحدة، وغيرها.

وعندما ازداد عدد اللاجئين، بادر كثير من المنظمات الإسلامية بالوقوف بجانب إخوانهم الأراكانيين بالدعم والمساعدات الغذائية والطبية وغيرها. ولكن، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بالولايات المتحدة، منعت الحكومة البنجالية المنظمات الإسلامية من العمل في مخيمات اللاجئين البورماويين على الحدود، فوقع اللاجئون الأراكانيون بين شقَّيْ رحى: حكومة بورما الطاغية، وحكومة بنجلاديش غير المبالية!

منظمات تنصيرية

وعندما غابت المنظمات الإسلامية عن مخيمات اللاجئين البورماويين، اغتنم عدد من المنظمات التنصيرية هذه الفرصة السانحة، فبدأت عملها بجدية في هذه المخيمات؛ سعياً لتنصير المسلمين الروهنجيا وتغيير عقيدتهم، من خلال إعطائهم المساعدات، والتشكيك في دينهم، لكن لم ينجحوا حتى الآن في مهمتهم الخبيثة، لأن إيمان اللاجئين البورماويين قوي وثابت بفضل من الله. يقول المولوي إدريس أحد اللاجئين البورماويين: كيف نستبدل بالإسلام ديناً آخر؟

إن حكومة بورما تعذبنا فقط لأننا مسلمون، ولو أردنا تغيير ديننا لفعلنا ذلك في أراكان المحتلة، ولن نواجه المشكلات والعذاب من حكومة بورما، ولكننا لن نفعل ذلك، لأن دار الآخرة خير وأبقى. وعندما فشل المنصرون في مهمتهم الخبيثة في مخيمات اللاجئين بدؤوا ينفذون مخططاً آخر، وهو إرسال المسلمين الروهنجيا إلى عدد من الدول الغربية – مثل: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأستراليا، وكندا، وهولندا، وغيرها – لمحاولة تنصيرهم هناك، بذريعة أنه لا يمكن إرجاعهم إلى بورما.

مأساة إنسانية

مخيمات اللاجئين البورماويين نوعان؛ فهناك مخيمات مسجَّلة لدى حكومة بنجلاديش ولدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ويوجد بها ما يزيد على 50 ألف أسرة، وهؤلاء يجدون بعض المواد الغذائية والعلاج من منظمات الأمم المتحدة، رغم أنها مساعدات ضئيلة جداً مقارنة باحتياجات وعدد اللاجئين البورماويين. والمخيمات الأخرى غير مسجَّلة، ويوجد بها أكثر من مائتي ألف نسمة، يعيشون في مخيمات اللاجئين على الحدود بين بنجلاديش وبورما، في أوضاع مأساوية تنذر بكارثة إنسانية، فلا ماء ولا غذاء ولا دواء ولا حياة لهم إلا في خيام بلاستيكية. ويتعرض اللاجئون لأنواع شتى من الأوبئة والأمراض الفتاكة، مثل الحمى والملاريا والأمراض الجلدية والإسهال المزمن، ويموت عدد كبير من الأطفال بسبب الأمراض الخطيرة، كما يموت عدد من النساء بسبب الولادة المتعثرة لعدم وجود مستشفى! وقد قمتُ بزيارة سرية لهذه المخيمات (بعيداً عن أعين الشرطة)، وتحدثتُ مع بعض الأرامل، فقلن: إن أزواجهن قُتلوا على أيدي ناساكا (حرس الحدود في بورما) بدون أي جريمة؛ حيث ألقوا القبض عليهم واقتادوهم إلى معسكرهم وقتلوهم بالرصاص كالطيور! وأوضحن أنهن هاجرن إلى بنجلاديش لحفظ أعراضهن، ولم يجدن أحداً يساعدهن، ولا يمكن لهن كسب الرزق كما يفعل الرجال.

أوضاع راهنة:

ولم تتغير أحوال المسلمين الروهنجيا حتى الآن، بعد الانتخابات التي جرت في نوفمبر 2010م، حيث مازال مخطط إخراج المسلمين من أراكان موجوداً، رغم إعلان حكومة بورما تغيير نظام الدولة من نظام عسكري إلى نظام ديمقراطي، لكن هذا إعلان لا علاقة له بالحقيقة، ولم يقبل العالم والأمم المتحدة إعلانهم ونتائج انتخاباتهم. ويقول د. يونس رئيس منظمة تضامن الروهنجيا: إن بورما تخطط لإخراج المسلمين من أراكان وجعلها مستوطنة للبوذيين الجبليين، ولن يحدث التغيير بالانتخابات التي تم إجراؤها تحت التهديد العسكري، ولن ينال المسلمون الروهنجيا حقوقهم إلا بأحد طريقيْن: إما أن تكون أراكان دولة إسلامية مستقلة، وإما أن تُجرى انتخابات في أراكان تحت رعاية الأمم المتحدة. وقد تحولت معاناة المسلمين الروهنجيا إلى اتجاه جديد بعد تطبيق قانون الجنسية الجديد في بورما عام 1982م، فبموجب هذا القانون المزعوم تم حرمانهم من تملك العقارات وممارسة أعمال التجارة وتقلد الوظائف في الجيش والهيئات الحكومية، كما تم حرمانهم من جميع الحقوق الإنسانية الطبيعية والأساسية مثل حق التصويت في الانتخابات البرلمانية، وتأسيس المنظمات وممارسة النشاطات السياسية. ولم تتخذ سلطات الاحتلال البورمية الخطوات الجديدة ضد المسلمين في أراكان منذ ذلك التاريخ فحسب، بل ما زالت تواصل تطبيق الخطط القديمة ضد المسلمين؛ لإرغامهم على ترك العقيدة الإسلامية، وإجبارهم على مغادرة بلدهم.

انتهاكات عديدة ويمكن تلخيص الجرائم العديدة والانتهاكات البشعة التي ترتكبها حكومة بورما البوذية ضد المسلمين في أراكان فيما يلي:

* حظر التنقل والسفر: هناك قيود كبيرة على تنقل المسلمين الروهنجيا وتحركاتهم داخل البلد وخارجه، ولا يُسمح لهم بالتنقل بين حدود مخفر إلى آخر دون تصريح سابق من الهيئة الحكومية المعنية، والحصول على مثل هذه التصريحات لا يتم غالباً إلا بمقابل مالي (رشوة)، وكأن منطقة أراكان المسلمة قد تحولت إلى معتقل كبير أو سجن عمومي.

* المجازر والتعذيب والاعتقالات: تقوم القوات الحكومية البورمية – من وقت إلى آخر – بحملات قمعية ضد المسلمين الروهنجيا في أراكان، يُقتل خلالها كثير منهم دون أي ذنب أو جريمة، ويتم اعتقال المئات والآلاف بتهم باطلة، ويتعرضون لأشد أنواع العذاب والإجراءات التعسفية غير الإنسانية.. وقد أصدرت منظمة العفو الدولية بيانات عديدة تستنكر فيها ممارسات سلطات بورما غير الإنسانية ضد المسلمين الروهنجيا، لكن الحكومة البورمية لم تُعرها أي اهتمام ولم تهتم بأي رد، وقد قامت المنظمة الدولية – في تقاريرها السنوية حول مخالفة الحقوق الإنسانية الأساسية – بإثبات أن حكومة بورما قد ترتكب مخالفات شديدة للحقوق الإنسانية الطبيعية في أراكان.

* مصادرة الأراضي الزراعية والمواد الغذائية: تقوم الحكومة بفرض ضرائب باهظة على محاصيل المسلمين الزراعية، بحيث يعجزون عن دفعها، فتقوم السلطات الحكومية بالذهاب إلى بيوتهم ومصادرة محاصيلهم والحجز على أراضيهم، وكثير من أراضي الأوقاف والممتلكات حجزت عليها الحكومة البورمية بدون مبرر ولا شرعية.

* إقامة مستوطنات بوذية جديدة: بهدف إخلال الميزان السكاني في أراكان، وتحويل المسلمين الروهنجيا فيها إلى أقلية، قامت الحكومة البوذية بإقامة مستوطنات بوذية جديدة في كل مكان على أراضي المسلمين المغتصبة، فقام هؤلاء المستوطنون البوذيون بدعم السلطات البوذية وإشرافها بإثارة الفتنة الطائفية، وممارسة أعمال النهب والسلب في مناطق المسلمين.

* إقامة الحواجز والعراقيل أمام النشاطات التجارية والاقتصادية: تقوم السلطات البوذية بمنع المسلمين عن جميع أنواع النشاطات التجارية والاقتصادية، حتى التجارة البسيطة أيضاً، ومعظم سدود توليد الروبيان (الجمبري) والأسماك التي كانت تقع على مصب نهر ناف، وفي حيازة المسلمين تم الحجز والاستيلاء عليها من قِبَل الحكومة البورمية البوذية.

* الأعمال القسرية والنهب والاغتيالات: فكثيراً ما يتم إجبار المسلمين على العمل فترات طويلة بدون أي أجر، وتم قتل عدد كبير منهم على أيدي القوات المسلحة البورمية وقوات الأمن الحدودية أثناء هذه الأعمال والخدمات الإجبارية في الجبال والغابات المترامية، ويضطر المسلمون في القرى والبادية إلى توفير المواد الغذائية والبنائية للقوات المسلحة وقوات الأمن الحدودية بدون أي تعويض.

* انتهاك أعراض النساء: حيث صار من الأمور الاعتيادية للسلطات البورمية البوذية، فرجال الجيش وقوات الأمن الحدودية والمشاغبون البوذيون يطوفون بالليل في قرى المسلمين، ويدخلون بيوتهم ويقومون بأعمال إرهابية وانتهاك حرمات النساء وأعراضهن بقوة الأسلحة، ولا ترى السلطات البوذية في هذه الاعتداءات البشعة أي نوع من الجريمة، لذا لا يوجد أي عقاب أو جزاء لمرتكب مثل هذه الجرائم في أراكان، بل على العكس يتم القبض على المسلمين الذين يرفعون شكاوى ضد هذه الأحداث والجرائم، ويودعون في المعتقلات إلى أجل غير معلوم.

* إثارة الاضطرابات لقتل المسلمين: كثيراً ما تنفجر اضطرابات عنيفة دامية في مختلف أنحاء أراكان بين وقت وآخر، ويقوم بإثارة هذه الاضطرابات أعداء الإسلام والمسلمين بإيعاز من الحكومة البوذية وفق المخططات المدبرة المدروسة، ويُقتل خلال هذه الاضطرابات مئات المسلمين الروهنجيا، وتُنهب بيوتهم وأموالهم.

* انتهاك مقدسات المسلمين والكتب الدينية: كثير من المساجد والمدارس الدينية في أراكان تم تدميرها أو إحراقها، وبعضها تم إغلاقها، والعديد من مقابر المسلمين وأوقافهم تم تحويلها إلى حظائر للخنازير ومراحيض عامة.. بالإضافة إلى حرق وتدنيس المصاحف والكتب الدينية، وإلقائها في مقالب القمامة!!

* فرض القيود على الحج والأضاحي: حيث هناك قيود كثيرة على شؤون المسلمين الدينية، وعلى وجه الخصوص يتم منع المسلمين من أداء فريضة الحج وذبح الأضاحي.

* فرض القيود على النكاح والزواج: حيث يتم إجبار كل من يريد أن يتزوج على التعهد بعدم إنجاب سوى ولديْن فقط، وإذا خالف أحد وزاد عن ذلك يتم سجنه وتعذيبه.. وفي بعض الأحيان، تُجبر قوات الاحتلال البورمية الفتيات المسلمات على المبيت مع رئيس معسكرهم بقوة السلاح!!

* الحرمان من الدراسة العليا: لا يُسمح لأبناء المسلمين بالحصول على الدراسة العليا في المدارس الحكومية، إلا بشرط تغيير اسم المسلم إلى اسم بوذي، ولا يُسمح للمدارس الدينية بتعليم طلابها العلوم الحديثة والتكنولوجية، رغم أن المسلمين في أراكان على درجة كبيرة من الذكاء، وحريصون على العلوم الدينية والحديثة معاً، ولا يُسمح أيضاً لأحد منهم بالسفر إلى الخارج لطلب العلم.

* عذاب شديد :وقد بلغت هذه الاعتداءات ذروتها، حتى اضطُر أكثر من مليون ونصف المليون من الروهنجيا – نصف السكان المسلمين في أراكان – إلى مغادرة بلادهم واللجوء إلى مختلف بلدان العالم.. وقد غرق الكثير منهم العام الماضي في عُرض البحر أثناء ذهابهم إلى ماليزيا، وعُذب العديد منهم على أيدي الجنود التايلانديين بعد إلقاء القبض عليهم، فجعلوهم ينبطحون على الرمال الساخنة، وأحرقوا لحاهم، وعذبوهم عذاباً شديداً، وألقوا المياه المالحة على جروحهم النازفة، ومنعوهم من أداء الصلاة، وحبسوهم في إحدى الجزر بدون أي طعام ولا شراب!! نور محمد، أحد اللاجئين الذين أنجاهم جنود إندونيسيا من الغرق وسط البحر، عندما قالوا له: إنهم سيُعيدونهم إلى بورما، أجهش بالبكاء، وقال: لو رجعنا إلى بورما فسوف يقتلوننا، والموت وسط البحر خير من الموت على أيدي البوذيين!

هتكوا أعراضنا.. وا إسلاماه!!

العجوز عبدالله أحد اللاجئين الجُدُد، هاجر قبل عدة أشهر، ويسكن في أحد المخيمات غير المسجلة.. يقول: كنتُ رجلاً ثرياً، وكانت عندي أرض خصبة، وبئر مليئة بالأسماك، وحديقة عامرة بأنواع شتى من أشجار الفواكه.. ولكن حالي تغيَّرت بين عشية وضحاها؛ حيث كنتُ جالساً ذات مساء، أتلو القرآن الكريم في بيتي بعد أداء صلاة المغرب، فجاء إليَّ وفد من جنود ناساكا (حرس الحدود)، وأبلغوني بأن رئيسهم يريد مني الذهاب إليه، فذهبت إلى معسكرهم للقائه، فإذا به يطلب مني أن تبيت ابنتي تلك الليلة معه في المعسكر، فغضبت غضباً شديداً، وبصقتُ إلى وجهه، فعذبني عذاباً لا يطيقه أحد من البشر، وربطني جنوده بالحبال، واغتصبوا ابنتي الشريفة أمام عيني وأنا لا حول لي ولا قوة، وأحرقوا بيتي!! ويتساءل – وقد احمرَّ وجهه، وعرق جبينه، وانهمرت الدموع الغزيرة من عينيه – قائلاً: هل حفظ عرض البنت جريمة للأب؟ لماذا يعذبونني؟ ألستُ إنساناً؟ أين الأمم المتحدة؟ وأين العالم الإسلامي؟ إنهم يعذبوننا لأننا مسلمون! فإلى كل من يهتم بشؤون المسلمين في العالم، هيا نبادر بالوقوف بجانب إخواننا المظلومين في أراكان المحتلة، وفي مخيمات اللاجئين الروهنجيا في بنجلاديش، الذين يدعون ربهم قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً.. اللهم قيِّض لهم ولياً ونصيراً، سواء أكان مادياً أم سياسياً.

 كتبه: عبدالرحيم أبوطاهر
 الأمين العام
 اتحادالطلاب المسلمين أراكان (بورما)

 
 

أسرار سفر شعيا

قيل قديما:

إذا كان الغذاء سيئا، لا جدوى من الدواء

وحين يكون الغذاء سليما فلا داعي للدواء

بنى الكهنة اليهود “دياناتهم” اليهودية على كتب التوراة فقط ، – كما يقول نورمان جولب “استاذ التاريخ والحضارة في جامعة شيكاغو في كتابه “من الذي كتب مخطوطات البحر الميت؟” – وهي الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم المعروفة بـ “سٍفر التكوين” و ” سٍفر الخروج” و “سٍفر اللاويين” و “سٍفر العدد” و “سٍفر التثنية” – مستبعدين كتب الانبياء من امثال “اشعيا”.

فما هي قصة “سفر أشعيا” الذي يُنسب إلى سيدنا عيسى عليه السلام ، وهل ورد فيه ما يبشر بقدوم آخر انبياء الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.؟

وأين هو هذا “السٍفر” الآن؟؟

العلامة الدكتور معروف الدواليبي ، وهو مستشار سابق في الديوان الملكي السعودي روى المراحل المثيرة التي رافقت العثور عن “سِفر أشعيا” وما نتج عنها من احداث في غاية الغرابة.

إكتشاف سٍفر أشعيا

عام 1953م اكتشفت في احدى المغاور في جبال الاردن التي تبلغ نحو 600 مغارة وهي الامكنة التي كان يختفي بها المؤمنون قبل آلاف السنين .. اكتشفت مخطوطات دينية هامة. ومن هذه المخطوطات التي تم اكتشافها “سفر أشعيا” الصحيح بكامله، بينما المنشور في التوراة هو جزء منه.

وبعد دراسته ، اجتمع “الفاتيكان” لمدة اربع سنوات- من 1961 الى 1965 – وتبين ان لهذا “السِّفر تأثيراً جديداً على قواعد ومفاهيم المسيحية بالنسبة للإسلام، فأصدروا كتيّباً دعوا فيه الى الحوار ما بين المسيحية والاسلام، ويثنون على الاسلام كدين ، ويأسفون لما سبق من خلاف بين الديانات ، ويطلبون نسيان الماضي ، وان يدخل المسيحي في حوار مع المسلم.

وثيقة الفاتيكان الهامة :

في السبعينات .. صدرت عن “الفاتيكان” وثيقة هامة. كانت بمثابة اعتراف رسمي مسيحي بالدين الإسلامي، ولأول مرة، جاء فيها :

(إن كل من آمن بعد اليوم بالله خالق السموات والأرض ، ورب إبراهيم وموسى ، فهو ناج عند الله وداخل في سلامه ، وفي مقدمتهم : المسلمون ) .

الفاتيكان يوجه الدعوة لعلماء السعودية للحوار بين المسيحية والإسلام :

بعد صدور هذه الوثيقة، يقول الدكتور معروف الدواليبي وهو علامة معروف ومستشار سابق في الديوان الملكي السعودي وفي عهد الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز آل سعود يرحمه الله .. يقول:

بعد صدور هذه الوثيقة ، صدف ان كنا في موسم الحج مع المرحوم”الملك فيصل بن عبدالعزيز” في عام 1965م، عندما وجّه “الفاتيكان” عن طريق إذاعته- نداءاً بالتهنئة بالحج وقضاء مناسكه الى الفيصل طيب الله ثراه والى الحجاج فرد الفيصل بالإذاعة على الإذاعة، محيياً هذه الروح الجديدة. ولم يلبث “الفاتيكان” ان سعى الى الدخول في حوار، والناس بين مصدّق ومكذّب، حتى وصلت الدعوة إلينا للدخول في حوار معهم وزيارتهم، وذلك للتعاون:”فيما يتعلق بحقوق الانسان”. وكنا ايضاً، في كل مكان، مستغربين هذه الروح الجديدة.

ولما دعاني المرحوم الملك فيصل ليسألني رأيي في الدعوة التي وجّهها “الفاتيكان” الى علماء المملكة ليزوروه من “اجل حوار وتعاون لا يقصد منه البحث في اصول الدين”. وانما التعاون على ما يأمر به الدين”بحقوق الانسان”، ألحيت على قبول الدعوة، فأمرني الملك فيصل بالتوجه الى “الفاتيكان” لكشف ماذا وراء هذه الدعوة .

فذهبت بالفعل الى “الفاتيكان” وكان معي سفير المملكة في روما، واجتمعنا بالكاردينال”بيمونوللي”، وزير الدولة في حكومة”الفاتيكان” فيما يتعلق بالعلاقات ما بين الاسلام والمسيحية، فعرفت ان الدعوة صحيحة وطيبة وانهم يريدون التعاون ونسيان الماضي.

وكانت اذاعة الفاتيكان: تركّز في نشراتها على الاجتماعات التي كنّا نعقدها على انني “مندوب” الملك فيصل يرحمه الله ، وعلى أننا “اتفقنا على مبدأ الحوار”.

السفير الاسرائيلي يتدخل :

وبعد 48 ساعة من معادرتي “الفاتيكان” طلب السفير الاسرائيلي في روما”مقابلة الكاردينال”بيمونوللي” مع انه لم يكن بين “اسرائيل” و”الفاتيكان تمثيل دبلوماسي، وانما كان طلبه الزيارة “بإسم حكومة اسرائيل”.

ماذا قال السفير الاسرائيلي للكاردينال :

“نطلب منكم وقف أي حوار بين “الفاتيكان” وبين “المملكة العربية ال سعودية” فرفض الكاردينال طلب السفير.

وفي اليوم الثاني، عاد السفير وكرّر الطلب ورُفض طلبه.

… وهكذا على مدى خمسة ايام متوالية…!! اكثر من ذلك، فقد بعث “البابا بولس السادس” برسالة إجلال واحترام الملك فيصل رحمه الله ، وراوياً له فيها ماذا جرى بين السفير الاسرائيلي في روما والكاردينال “بيمونوللي” من إصرار على عدم تحقيق”لقاء الحوار” بين الاسلام والمسيحية.

ثورة داخل الفاتيكان :

يومها، اعلنوا، اننا قمنا بثورة داخل”الفاتيكان” لماذا.؟

لأنه ليس من التقاليد البابوية، ان يبدأ “البابا” الكتابة لأي رئيس دولة فقد جرت العادة، منذ القديم ، ان يتولى”البابا” الاجابة عن رسائل رؤساء الدول، لا ان يكون هو البادىء بكتابة الرسائل.

بدء الحوار :

وقبل ان يبدأ الحوار بين علماء المملكة العربية السعودية وبين “الفاتيكان” صدر عن “مجمع الفاتيكان الثاني” كتيّب يقع في نحو 150 صفحة تحت عنوان”توجيهات للمسيحية من اجل الحوار بينهم وبين المسلمين”. وذكّروا بأن المسلمين” ناجون عند الله عملاً بما اتخذته أعلى سلطة في الفاتيكان”.

وفي هذه الأجواء بدأت اجتماعات “الحوار الاسلامي- المسيحي” في “الفاتيكان” ثم ما لبث ان دعانا “مجلس الوحدة الاوروبية” — بناءاً على قرار مجمع الفاتيكان الثاني – في ستراسبورغ ومن ثم لبّت المملكة الدعوة ايضاً التي وجّهت من “مجلس الكنائس العالمي” في جنيف، وايضاً ، الى وزارة العدل الفرنسية، ثم الى جمعية “الصداقة السعودية الفرنسية”.

وكانت كل تلك اللقاءات تتم وفقاً لتلك الروح التي أعلنها”الفاتيكان”، والتي كان لها الدوي والتأثير العظيمين. فقد كان المرة الأولى في التاريخ التي يخرج فيها وفد من المملكة العربية السعودية، بناءا على دعوة الغرب المسيحي “للقاء البابا” ومجلس الكنائس العالمي البروتستانتي الذي يقابل الكنيسة الكاثوليكية.

وقف التنصير :

بعد انتهاء اللقاءات المتعددة التي حصلت بين علماء المملكة وبين كبار مسؤولي”الفاتيكان” وفي يوم مغادرتنا عاصمة”الكثلكة”، وقف الكاردينال “بيمونوللي” مخاطباً العلماء المسلمين بقوله:”لقد قررنا في هذا اليوم وقف التنصير الكاثوليكي في العالم الاسلامي. ونحن نطلب منكم ان تعودوا الينا”بالبشارة”.

ذلك ان السيد المسيح عندما ودّع نبأهم انه ستأتي من بعده”بشارة” أي نبي يخبرهم بالحقائق. وقد جاء في “سفر أشعيا” كما يلي :

“بعد المسيح يأتي نبي عربي من بلاد”فاران” بلاد اسماعيل- و”فاران” باللغة الارامية هي بلاد الحجاز، “وعلى اليهود ان يتبعوه، وعلامته انه ان نجا من القتل فإنه النبي المنتظر، لانه يفلت من السيف المسلول على رقبته، و يعود اليها بعد ذلك بعشرة آلاف قديس”.

إنطباق على الواقع :

وهذه تنطبق تماماً على الواقع: فقد جاء في القرآن الكريم (يعرفونه-أي اليهود- كما يعرفون ابناءهم).

فأعطى مكانه: بلاد اسماعيل- أي مكة المكرمة.

اعطى صفته : يهرب من السيف المسلول على رقبته، وذلك عندما هرب ليلة المؤامرة التي حيكت لقتله، صلى الله عليه وسلم.

“ويعود بعشرة آلاف قديس”. وقد عاد صلى الله عليه وسلم الى مكة المكرمة بعشرة آلاف مؤمن.

فهذه النصوص واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ولذلك تعتبر ان ما صدر عن “مجمع الفاتيكان الثاني” في عهد “البابا بولس السادس” كان خطوة طيبة وجديدة.

سر وفاة البابا … والكاردينال :

“ولكن مع الاسف” – يضيف د. محمد معروف الدواليبي-، فإن “البابا” لم يلبث ان توفي في ظروف لا ندريها، كما توفي من بعده بقليل الكاردينال”بينمونوللي” الذي كان صلة الوصل بيننا وبين “الفاتيكان”.

وبوفاتهما، اوقف الحوار بين الاسلام والمسيحية.

اليهود … اليهود :

سُئل الدكتور”الدواليبي”: – ألا تعتقدون بأن موت “البابا بولس السادس” الفجائي، ومن بعده بقليل الكاردينال”بيمونوللي” الذي كان صاحب فكرة”الحوار بين المسيحية والاسلام” كان من تدبير اليهود.؟

فأجاب :

عندما انفصلنا ، تواعدنا على ان تكون الندوة الثانية في الرياض، وفي هذه الفترة ذهب “البابا” وذهب “الكاردينال”… ولا اريد ان ازيد على ذلك!!.

وسُئل الدكتور “الدواليبي”:

يتحدثون عن مواجهة حتمية ستحصل بين الاسلام والغرب يكون وراءها اليهود؟

فأجاب: الأب “مبارك” اللبناني الاصل، والمعروف بمشاعره الطيبة، وهو من كبار رجال الكنيسة والاستاذ في “الجامعة الكاثوليكية” في باريس، نشر مقالاً في احدى المجلات العربية- وأنا احتفظ بنسخة منها- في ذات السنة التي لبّينا فيها دعوة “الفاتيكان” الى حوار، يحذّر فيها من تأثير الصهيونية على “الفاتيكان”، ويؤكد بأن “عناصر” داخل “الفاتيكان” ترده عن سياسته الجديدة- يومذاك-.

لماذا لا يبشًرون بين اليهود:

ويستطرد الدكتور الدواليبي قائلاً :

“لقد قلت صراحة للكاردينال”بيمونوللي” في جلسة خاصة اثناء الحوار”انني احمل شهادة دبلوم في الحقوق الكنسية”، فدهش وقال : ان شهادة”الحقوق الكنسية لا تعطى ، الا لمسيحي ، فكيف حصلت عليها”.؟

فأجبته: بأنني نلتها من جامعة باريس”كدبلوم اختصاص”، لا من “الجامعة الكاثوليكية” وانني في اثناء قراءاتي “للانجيل” و “التوراة” و”الكتاب المقدّس” بشكل متعمق، لم استطع ان افهم بعض النصوص التي جاءت في “الانجيل”، وهي عميقة الاشكال عندي، ولم اجد حتى الآن من اطرح عليه هذا السؤال، لانه سؤال عميق، ويجب ان يكون المسؤول الذي سيتولى الاجابة عنه يتمتع بأعلى سلطة في الكنسية، وهذه المرة الاولى التي اجتمع فيها مع الرجل الثاني في “الفاتيكان”، فهل تسمح لي ان اطرح سؤال؟”.

قال: تفضل.

قلت: لمن أرسل السيد المسيح.؟قال: يادكتور، تقول انك تحمل شهادة في “الحقوق الكنسية”. وأول شروط الحصول على هذه الشهادة ان يكون حاملها متعمقاً بدراسة الانجيل ، فكيف تسأل مثل هذا السؤال، وفي “الانجيل” الجواب الصريح والواضح الذي يقفز الى العيون.؟

“قول المسيح: انما أرسلت لخراف بني اسرائيل الضالة” اشكالي هو هذا ، وهي تعني ان مهمة السيد المسيح كانت محصورة بالتبشير بني اليهود، فما معنى انكم ترسلون المنصرين بين المسلمين ولا ترسلون منصِّرا واحداً الى اليهود؟؟.

“أضفت- والكلام لا يزال للدكتور الدواليبي- ان “اليهود” يتهمون السيد المسيح بأنه ابن زنا، وإن أمه السيدة مريم”زانية”. ويؤكدون ذلك وهم يعتبرون بأن لا ولادة من غير زواج.

إلا الاسلام : فقد طهّر السيد المسيح، ودافع عنه، وقدّس أمه مريم العذراء وبمعجزة ولدت، وان المسيح ابن ص حيح وليس ابن زنا. وعندما يقول السيد المسيح: انما أرسلت لخراف بني اسرائيل الضالة- أي- اليهود- فهو يعني ان المنصرين الذين ثبتتهم الكنيسة في اقطار العالم الاسلامي كان بجب ان يرسلوا الى اليهود لا الى المسلمين”.

قلت: وماذا كان جوابه؟

د. دواليبي: قال غداً سوف أجيبك.

“وفي اليوم التالي، اعلن قرار”مجمع الفاتيكان الثاني”: ان “الفاتيكان” قرر وقف التنصير المسيحي الكاثولوكي في العالم”.

…وكان ذلك في يوم وداعنا لهم، وعودتنا الى الرياض..!!

د. طارق الطوخي 6/12/2010م

 
 

بيان حول ثورة التغيير في تونس

المنتـــدى العالـمــي للبرلمانيين الإسلاميين

التاريخ: 13 صفـر 1432هـ،
الموافـق: 16 ينايـر 2011م.

لقد أقدم الشعب التونسي على إحداث التغيير بنفسه فأسقط رئيس الجمهورية الذي اضطر إلى الهروب من البلاد بعد شهر من الاحتجاجات، وفي ذلك عبرة لمن يعتبر من الحكومات والشعوب وقوى التغيير. ولم تكن ثورة الشعب التونسي هذه المرة ثورة خبز فقط، فقد مزجت بين الخبز والحرية والكرامة.

إن المنتدى العالمي للبرلمانيين الإسلاميين إذ يحيي شجاعة الشعب التونسي ووعيه ويترحم على أرواح الضحايا فإنه:

* يدعو جميع التونسيين إلى الحفاظ على وحدة الوطن واستقرار البلاد وأمن الشعب.

* ينبه المنتدى إلى أن أولوية التغيير يجب أن لا تتراجع مهما كانت المبررات والقطيعة مع العهد السابق للتعبير الحقيقي عن طموحات الشعب التونسي.

* ويدعو إلى ضرورة تنظيم انتخابات رئاسية متبوعة بانتخابات تشريعية حرة ونزيهة تستوعب التعددية الموجودة في الواقع وتستجيب لإرادة التعبير.

* ويعتبر المنتدى أن هذه المرحلة من هنا إلى تنظيم الانتخابات هي مرحلة انتقالية، يجب أن تسيرها حكومة إنقاذ وطني لا تقصي أي طرف اجتماعي ولا أي تيار سياسي، وتطبق برنامج إصلاحي توافقي، وتعتمد الحوار مع الجميع أسلوبا لحل مشاكل البلاد ووسيلة للتغلب على الصعوبات.

إن المنتدى العالمي للبرلمانيين الإسلاميين يؤكد مرة أخرى قناعته بضرورة التحول الديمقراطي السلمي في المنطقة العربية الإسلامية، منعا لأي انزلاق يؤدي إلى العنف وسفك الدماء ويعطل جهود التنمية والبناء.

رئيس المنتدى / عبد المجيد مناصرة

 
 

قصة رمزية لها معان عظيمة

بقلم فضيلة الشيخ : محمد الغزالي

أعجبتني هذه القصة الرمزية الوجيزة، أسوقها هنا لما تنضح به من دلالة رائعة:

 “حكوا عن قوم فيما مضى كانوا يعبدون شجرة من دون الله، فخرج رجل مؤمن من صومعته وأخذ معه فأساً ليقطع بها هذه الشجرة، غيرة لله وحمية لدينه! فتمثَّل له إبليس في صورة رجل وقال له: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: أقطع تلك الشجرة التي تعبدون من دون الله، فقال له: اتركها وأنا أعطيك درهمين كل يوم، تجدهما تحت وسادتك إذا استيقظتَ كل صباح ! ..

“فطمع الرجل في المال، وانثنى عن غرضه، فلما أصبح لم يجد تحت وسادته شيئاً، وظل كذلك ثلاثة أيام، فخرج مغضباً ومعه الفأس ليقطع الشجرة ! قال: ارجع فلو دنوت منها قطعت عنقك ..

 “لقد خرجت في المرة الأولى غاضباً لله فما كان أحد يقدر على منعك ! أما هذه المرة فقد أتيتَ غاضباً للدنيا التي فاتتك، فما لك مهابة، ولا تستطيع بلوغ إربك فارجع عاجزاً مخذولاً .. ”.

إن الغزو الثقافي للعالم الإسلامي استمات في محو الإيمان الخالص وبواعثه المجردة، استمات في تعليق الأجيال الجديدة بعرض الدنيا ولذة الحياة، استمات في إرهاص المثل الرفيع وترجيح المنافع العاجلة ..

ويوم تكثر النماذج المعلولة من عبيد الحياة ومدمني الشهوات فإن العدوان يشق طريقه كالسكين في الزبد، لا يلقى عائقاً ولا عنتاً ..

وهذا هو السبب في جؤارنا الدائم بضرورة بناء المجتمع على الدين وفضائله، فإن ذلك ليس استجابة للحق فقط، بل هو السياج الذي يحمينا في الدنيا كما ينقذنا في الآخرة ..

إن ترك صلاة ما قد يكون إضاعة فريضة مهمة، وإتباع نزوة خاصة قد تكون ارتكاب جريمة مخلة، لكن هذا أو ذاك يمثلان في الأمة المنحرفة انهيار المقاومة المؤمنة والتمهيد لمرور العدوان الباغي دون رغبة في جهاد أو أمل في استشهاد، ولعل ذلك سر قوله تعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ” [ مريم 59 ].

إن كلمة الجهاد المقدس إذا قيلت ـ قديماً ـ كان لها صدى نفسي واجتماعي بعيد المدى، لأن التربية الدينية رفضت التثاقل إلى الأرض والتخاذل عن الواجب، وعدت ذلك طريق العار والنار وخزي الدنيا والآخرة.

وهذه التربية المغالية بدين الله، المؤثرة لرضاه أبداً هي التي تفتقر إليها أمتنا الإسلامية الكبرى في شرق العالم وغربه.

وكل مؤتمر إسلامي لا يسبقه هذا التمهيد الحتم فلن يكون إلا طبلاً أجوف!

والتربية الدينية التي ننشدها ليست ازوراراً عن مباهج الحياة التي تهفو إليها نفوس البشر، ولكنها تربية تستهدف إدارة الحياة على محور من الشرف والاستقامة، وجعل الإنسان مستعداً في كل وقت لتطليق متعه إذا اعترضت طريق الواجب.

كنتُ أقرأ مقالاً مترجماً في أدب النفس فاستغربتُ للتلاقي الجميل بين معانيه وبين مواريثنا الإسلامية المعروفة التي يجهلها للأسف كثير من الناس.

تأمل معي هذه العبارة:

 “يقول جوته الشاعر الألماني: من كان غنياً في دخيلة نفسه فقلما يفتقر إلى شيء من خارجها !”

أليس ذلك ترجمة أمينة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس ” ! [ البخاري ]

عن أبى ذر رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ترى كثرة المال هو الغنى ؟ قلت : نعم يا رسول الله ! قال : فترى قلة المال هو الفقر ؟ فقلتُ : نعم يا رسول الله . قال : إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب ” .. رواه ابن حبان في صحيحه

واسمع هذه العبارة من المقال المذكور:

” النفس هي موطن العلل المضنية، وهى الجديرة بالعناية والتعهد، فإذا طلبتَ منها أن تسوس بدنك سياسة صالحة فاحرص على أن تعطيها من القوت ما تقوى به وتصح ..

” هذا القوت شيء آخر غير الأخبار المثيرة والملاهي المغرية والأحاديث التافهة والملذات البراقة التافهة، ثم انظر إليها كيف تقوى بعد وتشتد، إن التافه الخسيس مفسدة للنفس ! واعلم أن كل فكرة تفسح لها مكاناً في عقلك، وكل عاطفة تتسلل إلى فؤادك تترك فيك أثرها، وتسلك بك أحد طريقين : إما أن تعجزك عن مزاولة الحياة وإما أن تزيدك اقتداراً وأملاً ”.

أليس هذا الكلام المترجم شرحاً دقيقاً لقول البوصيري:

وإذا حلت الهداية نفساً

نشطت للعبادة الأعضاء !

وتمهيداً حسناً لقول ابن الرومى:

أمامك فانظر أى نهجيك تنهج

طريقان شتى مستقيم وأعوج

 منارات 16/12/2010م

 
 

صفر البحث العلمي بسبب غياب الإدارة الرشيدة

وجيه الصقار

لماذا تحصل مصر علي صفر في البحث العلمي؟ ولماذا لم يسجل أي بحث مصري أهمية تذكر وسط‏ 60 بحثا علميا من الشرق الأوسط‏,‏ في حين حصلت إسرائيل علي امتياز في‏ 47‏ بحثا.

 بينما حصلت السعودية علي‏4‏ ابحاث مما جعل الجهاز المركزي للمحاسبات يلقي باللوم علي الجامعات المصرية معتبرا أن أبحاث جامعاتنا لا ترتقي للبحوث الجادة بالمعايير العالمية‏.‏

فكيف يري خبراء البحث والعلوم المصرية‏,‏ هذه النتيجة المخجلة؟ الدكتور بهاء الدين زغلول الأستاذ المتفرع بمركز بحوث الفلزات‏,‏ أشار إلي أن السياسة الحالية تركز علي المشروعات البحثية والتي لاتقبل التطبيق وليس فيها إضافة أو فائدة في النهاية فالإدارة الرشيدة غير موجودة‏,‏ وهي أساس نجاح أي عمل في أي مكان وتتولاها عناصر غير فعالة وغير مدربة وليس لها رؤية مستقبلية وكله يمشي حاله هذا لا ينفع مع مستقبل بلد‏!‏ يرفع فيه شعار استراتيجية وخطة للبحث العلمي ويبددون ملايين الجنيهات دون وعي أو ضمير‏,‏ فمصادر التمويل الحالية لم تكن موجودة آليا والمشروع في المتوسط يتكلف‏2‏ مليون جنيه بعد أن كان يتكلف‏ 50‏ ألفا أو أقل‏,‏ ونتيجة عدم المتابعة والمراقبة تتبدد الأموال والصح أن تكون المكافأة لمن يكمل عمله ويثبت نجاحه في مشروعه‏,‏ قال د‏.‏ زغلول‏:‏ ابحاثنا بلا مصداقية وهذه ظاهرة حقيقية فإن المتابع لهذه في المشروعات يجد أن منها الكثير منقولة نقلا كاملا أو جزئيا علي أساس فلسفة لا أحد يقرأ أو يحكم المشروعات ـ لكن يفعل مايريد‏.‏ فلو جاء محكمون من الخارج مثلما يحدث بالدول المتقدمة سينكشف المستور بأن اكثر من‏ 70 %‏ من المشروعات لايصلح تماما لانها لاتفي بفكر العصر إذا فرض نزاهة البحث‏,‏ وهذا يكشف أن مصر انتهت علميا وتعليميا ولم يعد هناك علماء فلم يخرج لدينا بعد من هو في مستوي الدكتور القصاص عالم البيئة‏,‏ والدكتور فاروق الباز وهما ممن تعلموا واستثمرا في داخل مصر‏.‏

وأكد د‏.‏ بهاء أن المشكلة الحقيقية لم تعد في التمويل رغم أن نسبة البحث العلمي من الميزانية نحو‏ 0.2 % وهي ضعيفة جدا‏,‏ ولكن المشكلة أن كثيرا من العاملين في البحث العلمي جعلوا من مشاريع البحث وسيلة للاسترزاق‏,‏ والجهات التنفيذية‏,‏ لاتقدر خطورة اختيار القيادة العلمية والتي تتم علي معايير لا علاقة لها بالعلم والدراية بالبحث العلمي بل ولاتصلح في غالب الاحيان لتقدير استراتيجية مستقبل البحث في مصر‏.‏

ويختلف الدكتور مغاوري شحاته رئيس جامعة المنوفية الأسبق مع فكرة توفر أموال كافية للبحث العلمي أن الدول المتقدمة لا تقل اعتماداتها للبحث العلمي عن 5 %‏ من الناتج القومي‏,‏ وأن الاعتمادات الحالية تسد احتياجات الباحثين من المرتبات فقط وأنهم في حالة غير جيدة حتي يخرجوا ابحاثا جيدة‏,‏ وهذا ما يجعل استراتيجية البحث العلمي حبرا علي ورق‏,‏ مؤكدا أن أسباب تخلف مصر في البحث العلمي ترجع الي عدم وجود مناخ البحث العلمي في مصر‏,‏ فليست هناك فرص للمبدعين والمبتكرين وأن الجامعات المصرية هي مصدر البحوث بنسبة‏  72 %وليست هذه مهمتها الأولي‏,‏ لأن البحث العلمي عالميا تتوفر له أجهزة تعمل فقط في مجاله ومتفرغة له‏,‏ فالباحث لدينا له محاضرات وانتظام دراسي ويريد الترقية بالبحث وبأي شكل وتكون النتيجة سوء النتائج‏,‏ في الوقت الذي تمثل فيه المؤسسات العلمية المصرية شكلا ضعيفا للغاية نتيجة التكرار والإعادة في نفس البحوث وباسلوب نمطي لا جديد فيه ولقضايا قديمة لا تفيد المستقبل‏,‏ فلا اجتهاد علمي أو بحثي مخطط فالكل يعمل للترقية الوظيفية وليست للنهضة ببلده‏,‏ لذلك فالبحوث لا تكون في إطار خطة قومية أو استراتيجية فالكل يعمل لحساب نفسه مما يترتب عليه توقف التنمية الحقيقية علي كل المستويات‏.‏

وأشار إلي أن سبب تقدم اسرائيل في البحث العلمي بنسبة‏47‏ بحثا علي مستوي الشرق الأوسط وإفريقيا‏,‏ مع عدم وجود بحث مصري واحد منافس‏,‏ يرجع إلي أن اسرائيل تعتمد علي البحث العلمي في كل أمورها‏,‏ وليس لديها عشوائية بحثية مثلنا‏,‏ فنحن للأسف ـ لا يهمنا البحث العلمي حتي الجامعات تؤديه بشكل ثانوي فيما عدا بعض مركز البحوث في مجال الهندسة الوراثية‏,.‏

الأهرام 24/10/2010م