RSS

الفكر الحركي بين الأصالة والإنحراف

الفكر الحركي بين الأصالة والإنحراف

المؤلف : مصطفى محمد الطحان

المقاس :

عدد الصفحات :

المقدمة

الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.. والصلاة والسلام على رسول الله القائد المجاهد الذي أدى الأمانة وتركها على المحجة البيضاء ليلها ونهارها سواء.. وبعد..

فهذا كتاب جديد في الفكر الإسلامي الحركي، عرضت فيه بعض القضايا الحركية، التي انشغلت بها الحركة الإسلامية الحديثة وظهرت فيها مدارس شتى متعددة تنسب كل منها نفسها إلى الحركة الإسلامية. ولقد كان بين هذه المدارس من التباين الذي يصل في كثير من الأحيان إلى التناقض، ومن التنافس الذي يصل في أكثر الأحيان إلى التحارب، وتبادل الاتهامات، ما جعلني أشفق على هذا الجيل الإسلامي الذي يعيش ما أسماه الآخرون له بالصحوة الإسلامية، من أن يضيع أو يضل أو يسيء الظن بالحركة الإسلامية الحديثة التي قيض الله لها علماء دعاة مصلحين أمثال: الإمام حسن البنا والإمام حسن الهضيبي والشهيد سيد قطب والإمام المودودي وغيرهم، فأعلنوها إسلامية خالصة، تتبع ولا تبتدع، فجاء من بعدهم خلوف أساءوا الفهم وغلوا وتطرفوا.. وشككوا واتهموا.. ولم يبق أمام الغيورين إلا الإيضاح وإرجاع الأمور إلى الأصول، هذه واحدة.

والثانية: أن المعركة اليوم هي معركة فكرية بالدرجة الأولى، يشق فيها فريق من الإسلاميين طريقهم في غاية الصعوبة والمشقة. وانحراف السلوك قضية بسيطة أمام انحراف فكر.

فكم من الرجال تاهوا عن الطريق القويم.. تابوا إلى الله أو لم يتوبوا.. انتهى أمرهم وطواهم الزمن في متاهات النسيان.. أما الفكر المنحرف فلا يموت مع صاحبه، فقد نظّره واخترع له اسانيداً وحججاً، وجمع له تلاميذاً ومريدين.. فصار مع الزمن مدرسة تحتاج إلى علاج.

الحركة الإسلامية الحديثة، عندها من الإمكانات الشيء الكثير.. وقضيتها بالدرجة الأولى هي الوضوح الفكري والتصور الإسلامي، فإذا استقام استقامت المور، وإذا اتحرف، ضاع الجهد وضل الناس وحرمت الأمة من خير كثير.

أما الثالثة: فإن الموضوعات التي تعرضت لها.. هي موضوعات حساسة وهامة في حياة الجماعة المسلمة.. ويحمّلها الكثيرون – وأنا منهم- مسؤولية النكسات التي اصابت الحركة، والإحباط التي يشعر به بعض أعضائها.. ويتصور البعض أنه لو استقامت المفاهيم وعادت للأصول الصحيحة التي قامت عليها أساسا الحركة الإسلامية.. لاستطعنا أن نحقق مكاسب هائلة للعمل الإسلامي.. فزماننا زمن العلم والاتصال والتخطيط، ومن عرف زمانه تفاهم معه واستقامت طريقته.

وعندما نقول إنها موضوعات حساسة فمعنى ذلك أنها تثير الكثير من الجدل.. وللآخرين فيها آراء مختلفة.. وبعضهم يرفض اساساً طرحها في كتاب أو على صفحات المجلة.. بل وبعضهم يعتبرها من الأسرار التي لا يجوز اقتحام أستارها وأسوارها. فمقلا عندما نشرنا بحث (الإسلاميون وتجربة الحكم) في مجلة الأخبار التي يصدرها الإتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية.. استغرب البعض ذلك.. بل إن بعضهم نشر بياناً يرد على الحقائق التي ذكرناها.. ولقد زادت الرغبة باستكمال هذه المواضيع عندما شعرنا بالتفاعل السلبي والإيجابي مع هذه الأفكار الجديدة التي تطرح لأول مرة على الساحة الإسلامية.

ولابد من الإشارة هنا.. إلى أن هذه المواضيع مما يكتب بصراحة وبوضوح في الصحافة الأجنبية وكثيرا ما ذكرت هذه الصحف عن أحوالنا الكثير مما نجهل.. وكأن هذه المعلومات محرمة فقط على أصحابها من الإسلاميين.

أما الموضوعات التي طرحناها فهي:

1- الإسلاميون وتجربة الحكم:

استعرضنا فيها قضية الحكم.. والاشتراك في السلطة.. ومتى يكون هذا ممكناً.. ومتى يتعذر ذلك.. واستعرضنا تجربة الحكم في سوريا والعراق والأردن، والباكستان وإندونيسيا وماليزيا وتركيا وغيرها.. واشتراك الإسلاميين مع غيرهم من الأحزاب اليمينية واليسارية.. وناقشنا سلبية الموضوع وإيجابياته في محاولة منا لطرح القضية على بساط البحث بعد أن كان الإسلاميون يستعلمون عن طرحه جهلاً أو تجاهلا.

2- الإسلاميون وفكر التكفير

وقد بينان في هذا البحث، كيف ولد هذا الفكر، وما علاقته بالحركة الإسلامية، وكيف أن بعض الإسلاميين متطرفون بدرجات متفاوتة، والنتائج التي ترتبت على فكر التكفير.. كما بينا فيها أهل السنة والجماعة في هذه القضية.. ولم نقصد بكتابتنا في هذا الموضوع الدفاع عن الحكومات الظالمة التي تتهم وتطارد المسلم بغير ذنب.. وإنما أردنا لهذا المسلم الذي أخذ على عاتقه عملية التغيير أن يكون تصوره صحيحاً، فلا ينحرف بانحرافه.

3- التحالفات السياسية

وهو موضوع أثار جدلا طويلاً.. وخاصة بعد دخول الإخوان المسلمين في سوريا تحالفاً مع الحكم العراقي وأتباعه.. وما استتبع ذلك من تراجعات فكرية نشرها البعض في وسائل الإعلام المختلفة وقد بينا في هذا البحث أن للتحالفات وجهين: الأول شرعي، والآخر سياسي.. وحاولنا قدر الإمكان الإحاطة بهذا الموضوع من جوانبه المختلفة.

4- الشورى

ولم نبحث في الشورى كموضوع أكاديمي طرقه الكثيرون.. وإنما ذكرنا الجانب التطبيقي من الشورى.. وكيف أن الحركة الإسلامية مطالبة بأن تنشء أبناءها لتصبح الشورى سلوكاً لهم في حياتهم وجزءا من تربيتهم.. يمارسونها مع أنفسهم ومع غيرهم في بيوتهم وفي مجتمعاتهم. أما بالنسبة للحركة الإسلامية فالشورى الملزمة للأمير هي التي تجنبها الجمود والزلل.. وتنهي الأوضاع الخاصة التي تعيشها الحركة في أكثر من مكان.. ولقد رأينا كثيرا من المنظرين الذين يكتبون في الإسلام والحركة وكتبوا بالطبع عن الشورى.. ثم يقول أحدهم لن أبرح بيتي حتى تنزلوا على رأيي.. فلو كانت قضية الشورى جزءا من التربية نعلمها لأبنائنا مع الصلاة والصيام.. لما قال هذا العالم مثل هذا القول.

وتعرضنا في هذا البحث إلى حق المرأة المسلمة أن تأخذ دورها في الشورى والمؤسسات الشورية.. وهو دور منسي لم يعطها غياه الرجل.. ولم تصر هي على المطالبة فيه..

5- الحزبية في الحركة الإسلامية

وفي هذا الموضوع تكلمنا عن الحريات، وأن الحركات الإسلامية لا ترفض الأحزاب التي تسعى لإصلاح الأوضاع ضمن خطة وبرنامج معين.. والرفض ينصب على الأحزاب الفاسدة التي تخدم الأشخاص ولا تخدم الهدف.

ثم تكلمنا عن روح التحزب التي بدأت تغزو الحركة الإسلامية فتبدل من نظرتها للآخرين وللأحزاب الإسلامية الخرى.. ثم فشا الداء فبدأت النظرة الحزبية الضيقة تتناول أبناء الحركة الإسلامية أنفسهم.

ونحن على اعتقاد جازم بأن هذا الخطر هو أفتك الأخطار التي تهدد مستقبل الحركة في وجودها ذاته..

6- القيادة في الحركة الإسلامية

ولقد استعرضنا في هذا الفصل معنى القيادة وحقول القادة وواجباتهم. وذكرت أن أهم هذه والواجبات:

* حرية الأفراد وإقامة العدل.

* تفعيل الطاقات للوصول إلى الهدف.

وجرى الحديث عن مواصفات القائد المسلم وعن مسؤوليته في عمله إن أحسن أو أساء.

 وبعد:
فهذه بعض الموضوعات الحركية التي حاولنا أن نقول فيها بعض الكلمات.. مرجعين الأمور إلى الأصول التاريخية والفكرية.. وبقدر اعتقادنا بأن طرح هذه الموضوعات سيثير البعض، فإننا بالمقابل نؤمن بأهمية هذا الطرح لتحريك المياه الراكدة ليعذب ماؤها ويصفو مشربها.

والله نسأل أن يلهمنا التوفيق والسداد والرشاد..

والحمد لله رب العالمين.

المؤلف

استانبول في 6 شوال 1404 هـ
الموافق 3 يوليو (تموز) 1984م

Share
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *